احتكاك مهنيي الصحة بالمشاهد المروعة يرقى إلى درجة مرض مهني

 

تقتضي الفطرة الإنسانية أن تنفر النفس من بعض المشاهد المخيفة، وتقتضي ممارسة مهنة الطب وبعض المهن الأخرى من ممارسيها، سواء كانوا أطباء أو ممرضين أو غيرهم، احتكاكهم الدائم بصور مفزعة ومريعة، مثل حالات استقبالهم لجرحى حوادث السير المروّعة، وتعاملهم المستمر مع جثث القتلى بكل أصناف الموت، من الحرق إلى الغرق، إلى الذبح الوحشي، ومعاينتهم عن قرب وبشكل مباشر لأعضاء بشرية مبتورة، كل هذه المشاهد تؤثر سلبا في شخصية ممتهني الطب، سواء كانوا أطباء أو ممرضين، فيفرض سؤال نفسه على المتتبع، إلى أي حد يمكن أن تتسبب تلك المشاهد المرعبة في بعض الأمراض لدى أولئك المهنيين ؟ وهل يرقى ذلك إلى درجة حادثة الشغل أو المرض المهني؟.
من المعلوم أن دعاوى التعويض في المجمل تقتضي أن يكون هناك خطأ ينتج عنه ضرر وتتحقق علاقة سببية بين الخطأ والضرر، ولأن الضرر المزعوم هنا يصعب تحديده وفرزه وحصر ماهيته، باعتبار الأمر تقينا صرفا، خاصة وأن ما يدعيه الضحية هاهنا ويرجع سببه إلى طبيعة احتكاكه بتلك المشاهد المفزعة والمروعة، فإنه قد تظهر معطيات أخرى يمكنها أن ترجع علة الضحية إلى مرض مستقل عن مهنته.
كما أن الخطأ يمكن ضبطه في ما إذا كان الطبيب أو الممرض قد تمت دراسة شخصيته ومؤشر تفاعله مع تلك المشاهد، ومدى قدراته النفسية والعقلية والذهنية على تقلب تلك الصور التي هي من صميم عمله اليومي، فلا بد من إخضاع الطبيب أو الممرض لتجارب توضح حجم تحمل مشاعره لتلك المشاهد، وكيف يتعامل معها، ومدى تأثيرها عليه وفيه، فإن اجتاز ذلك الاختبار بنجاح أمكن السماح له بالتعامل مع تلك المشاهد المفزعة، وأما إن زج بالطبيب أو الممرض وسط تلك الصور المخيفة دون التيقن والتثبت من مدى قدرته على التحمل، فإننا هنا نكون أمام صورة من صور الخطأ الموجب للتعويض.
ولأن الإثبات في مثل هذه الحالات يكون معقدا ومركبا وصعبا، لأن السلوك البشري بطبعه غير قار ولا مستقر، ولأن هناك أمراض متعددة تتشابه وتتداخل مع ما يمكن للضحية طبيبا كان أو ممرضا أو غيرهما أن ينتابهم، فإن الكلمة الفصل في هذه الحالة تبقى للقضاء الذي يستعين في هذه الحالة بخبرة طبية يعهد بها لخبير أو خبراء من الميدان يكون السؤال الموجه لهم هو : هل ما يعانيه الضحية من مرض أو ما تعرض له من حادثة هو بفعل طبيعة عمله الذي يمارسه في وظيفته؟ وفي هذه الحالة يتعين على الأطباء المختصين طبعا فرز تأثير وظيفة الضحية في مرضه أو في حادثته، عن كل مرض طبيعي عارض يصيب الضحية بعيدا عن تدخل طبيعة وظيفته.
في الختام، فإن عسر الإثبات يكمن في طبيعة تلك الأمراض التي تنتاب الضحايا أطباء كانوا أو ممرضين أو غيرهم، وهي أمراض غير عضوية مرتبطة بالأحاسيس والنفس والدواخل، وهي أمراض لها أعراض في شكل سلوكات، وهذا ما يزيد من متاعب الضحية الذي يطالب بالتعويض، فكما أنه ليس كل طبيب أو ممرض يصاب بمرض أو تأثير من الاحتكاك بتلك الصور المفزعة، فإنه كذلك ليس كل ضحية طبيبا كان أو ممرضا مؤهل لتقبل ذلك الحجم الهائل من الصور الصادمة والمخيفة التي ترهب النفس، ولهذا يكون القضاء مضطرا إلى الرجوع إلى أطباء خبراء أنفسهم، لأجل تحديد العلاقة السببية التي أشرنا إليها أعلاه بين ما يصيب الضحية وطبيعة مهنته أو وظيفته.

محام بهيئة الدارالبيضاء


الكاتب : ذ محمد الشمسي

  

بتاريخ : 01/02/2020

//