الدكتور عبد الجبار شكري، عالم الاجتماع وعالم النفس المغربي

الدولة مطالبة بأن تكون صارمة في عملية الردع والعقاب عندما يقع مغتصب في قبضتها

 

يتواصل تنامي ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال بالمغرب، وتحمل لنا وسائل الإعلام، بشكل يكاد يكون يوميا، أخبارا عن اغتصاب طفل أو طفلة في مكان ما من البلاد، كما أن الأرقام المسجلة بهذا الخصوص مهولة وتدعو إلى دق ناقوس الخطر لمواجهة هذه الجرائم التي تنتهك حقوق الطفل ببلادنا.
ما السبب في تفاقم هذه الحالات و ماهي انعكاساتها و تأثيرها على الطفل المغتصب وكيف السبيل إلى مواجهتها؟ أسئلة وأخرى حملناها إلى عالم الاجتماع وعالم النفس المغربي الدكتور عبد الجبار شكري ليجيبنا عنها، فكان الحوار التالي:

 

 

o ما السبب في تفاقم حالات الاغتصاب على الأطفال و هل للمعتدي صفات معينة؟
n السبب يرجع أساسا إلى الحالة المرضية لأشخاص غير سليمي البنية النفسية، فالشخص الذي يلجأ لممارسة رغبته الجنسية على طفل، سواء أكان ذكرا أم أنثى، والذي يكون غير مؤهل جسديا للإثارة الجنسية، هو في حقيقة الأمر مريض نفسيا، وهذا المرض يتجلى في أن الرغبة الجنسية في تجاه طفل هي نكوص للشخص المغتصِب إلى مرحلة الطفولة، بحيث نعرف أن النمو النفسي، كما تطرق إليه فرويد، يمر من مراحل متعددة على الشكل التالي: المرحلة الفمية: تركز هذه المرحلة على الفم كوسيلة للإشباع، وتبدأ هذه المرحلة منذ ولادة الطفل، وتنتهي عند مرحلة الفطام. المرحلة الشرجية: في هذه المرحلة يبدأ الطفل بتعلم الدخول إلى الحمام بنفسه، وتمتد بين السنة الثانية، وحتى السنة الثالثة. المرحلة القضيبية: أطلق فرويد على هذه المرحلة مصطلح عقدة أوديب، حيث يعتقد فرويد أنّ الطفل الذكر يبدأ بالتفاخر بأعضائه، والتعرف عليها، كما لاحظ فرويد أنّ الطفل في هذه المرحلة يتولد لديه الشعور بالغيرة على الأم من الآباء، أما الطفلة تبدأ بالغيرة على والدها من أمها. والشخص المغتصب توقف لديه نموه النفسي والجنسي في مرحلة من المراحل، فيكون الطفل كموضوع جنسي تنفيسي وتجسيد استيهامي لهذه المرحلة المتوقفة. العامل الثاني ان الاشخاص المغتصبين هم ايضا مورس عليهم الاغتصاب فتكون الرغبة في اغتصاب الأطفال هي انتقام لا شعوري من حالة الاغتصاب التي تعرض لها وهو صغير. ثم يلاحط أن أغلب مغتصبي الاطفال ليست لهم مؤهلات فكرية ولا نضج عاطفي ولا مؤهلات جسدية لذا يبدو لهم الطفل سهل المتناول ويستدرجه عن طريق وسائل الإغراء.

o ماهي الانعكاسات وتأثيرات هذه الاعتداءات على الأطفال على المديين القريب والبعيد؟
n هناك أولا الانعكاسات السلبية على الطفل المغتصب، والتي تكمن في تلقيه صدمة نفسية عنيفة تتمثل في اغتصاب كرامته وكينونته الإنسانية على المدى القريب، كما أن له انعكاسات على المدى البعيد لأنها تخلق للطفل إعاقة تؤدي به إلى الانحراف، إما اللواط، ويصبح بذلك شخصا مثليا، أو تحوله إلى مغتصب بدوره للأطفال.
هذه الوضعية الشاذة تستدرجه إلى وضعيات إجرامية أخرى كتناول المخدرات والنصب والاحتيال للحصول على مبتغاه في كلتا الحالتين.
ثم هناك الانعكاسات السلبية على أسر الضحايا، التي تشعر بفقدان كرامتها داخل الحي وداخل العائلة، مما يخلق لديها شعورا بالإهانة والذل واحتقار الذات بسبب «الشوهة»، ومهما كان التعويض المادي والمعنوي الذي يقدم لهذه الأسر لن يمحو وصمة العار التي تعرض لها طفلها.
من جانب آخر هناك الانعكاسات السلبية على المجتمع، فعندما تتكاثر هذه الحالات ويكون المجتمع عاجزا عن ردعها، لا بالتربية ولا بالعلاج النفسي ولا بالعقاب أو الردع القانوني، فإن هذا المجتمع سيصبح فاسدا أمام الأجنبي، الذي سيعتبره مجتمعا فاسدا منحطا فاقدا لقيمه الأخلاقية، فكيف لمجتمع تنتشر فيه ظواهر مرضية كحالات الاغتصاب والبيدوفيليا أن يدعي احترام حقوق الإنسان والتشبث بالأخلاق والقيم؟

o في أغلب الحالات لا يفصح الطفل عن حالة الاغتصاب التي تعرض لها، هل هناك علامات تظهر عليه و ماهي؟
n هناك علامات جسدية وعلامات نفسية:
العلامات الجسدية تتمثل في الآثار التي يتركها الاغتصاب على جسد الطفل مثل التمزق الذي يؤدي إلى نزيف دموي، وحتى إن كان الطفل يخفي ما تعرض له فإن الأم ستكتشف الأمر، وإن لم يكن هناك تمزق كبير فسيكون هناك تمزق صغير يؤدي إلى عدم تحكم الطفل في تبرزه.
أما العلامات النفسية فتظهر في كون الطفل ستظهر عليه علامات الرعب الشديد من أشخاص بالغين، وكذا الخوف من الآخرين ومن الخروج لوحده، بحيث يصبح سلوكه في علاقته بالآخرين شاذا يميزه الخوف والرعب والهروب ويشكل كل ذلك عاهة نفسية ونقص، فالطفل سيشعر بنفسه أقل درجة من الآخرين وستؤثر عليه هذه الحادثة طوال حياته حيث سيلازمه الشعور بالإهانة بشكل أبدي كوصمة عار في نفسه، وهي أكبر ضربة للأنا التي تحطم الأنا الذكوري، أما بالنسبة للأنثى فالضرر يكون بيولوجيا بحدوث تمزق والذي من الممكن أن يؤدي إلى التهاب قد يصل إلى الرحم، ومن الناحية النفسية فسوف يلازمها شعور الاعتداء على جسدها الذي تملكه، بالإضافة إلى الإحساس بكونها لم يعد لها قيمة في المجتمع.

o بالنسبة لجرائم اغتصاب الأطفال هل يمكن اعتبارها ظاهرة؟
n بالطبع هي ظاهرة مرضية ناتجة عن اختلالات نفسية لأن المغتصب ليس دافعه جنسيا، فتصرفاته تنبع من حالته النفسية المرضية والإجرامية حيث يؤدي ذلك إلى الاعتداء على الآخر لإسقاط كل عقده عليه.

o يلاحظ ان الأطفال يتعرضون للاعتداء في غالب الأحيان من شخص مقرب من الأسرة أو ممن يقدمون الرعاية للأطفال، ما سبب ذلك؟
n المريض هو مريض، سواء أكان من القرابة أو غيرها، إلا أن القريب يختار أقصر الطرق ويستغل هذه القرابة لأنه يظن أن لا أحد سينتبه إليه لكن في أغلب الأحيان هذا النوع من الاعتداءات هو الذي يفتضح بشكل أكبر.

o ماهي سبل مواجهة حالات الاغتصاب والاعتداءات على الأطفال؟
n هناك ثلاث وسائل، أولا هناك مسؤولية الوالدين، يجب على الآباء المحافظة على أطفالهم ومراقبتهم بشكل متواصل وعدم فتح المجال لهم للغياب عن أنظارهم، فلا يعقل أن يستمر أطفال في اللعب بالأزقة والدروب إلى ساعة متأخرة من الليل دون رقابة من الوالدين، أتساءل هنا أين مسؤولية الآباء على أطفالهم الذين سيسهل استدراجهم لأنهم في الشارع ليلا، معرضون لكل أنواع الأخطار ومنها الاستدراج والاغتصاب بكل سهولة.
ثانيا، مسؤولية الدولة التي يجب عليها أن تكون صارمة في عملية الردع والعقاب عندما يقع مغتصب في قبضتها، فهذا الأخير يحكم عليه بستة أشهر أوسنة إلى سنتين في أقصى تقدير، وهي مدة لا تناسب الفعل البشع المرتكب، يجب على الدولة أن تكون صارمة أكثر في مدة العقوبة، وبالإضافة إلى معاقبته كمجرم بسلوكه، يجب معالجته كمريض بدوافعه، لذا يجب أن يخضع للمراقبة العلاجية والنفسية داخل المؤسسة السجنية لأن كل المصاريف التي تصرف عليه وهو داخل السجن سوف تذهب سدى على اعتبار أنه سيعود إلى نفس الأفعال عندما يقضي مدة محكوميته إن لم يخضع للعلاج النفسي المكثف لتخليصه من الاختلالات التي يعاني منها.
ثم هناك مسؤولية الإعلام والتحسيس والتوعية والـتأطير الغائب تماما خصوصا داخل المدارس، فالطفل يكون ضحية عندما يقع في الإغراء والاستدراج إلى مكان منعزل، لذا يجب توعيته بعدم الثقة في أي شخص يغريه بواسطة لعب أو حلوى أو أي شيء يثير انتباهه، كما يجب على الأسرة أن تحذره بأن لا يثق في أحد وأن تحذره من الغرباء الذين لم يسبق له أن قابلهم والذين قد يستخدمون حيلا للتقرب من الطفل كإهدائه بعض الأشياء أو سؤاله عن الطريق…


الكاتب : حاورته: خديجة مشتري

  

بتاريخ : 07/03/2020

//