«سينما وتحليل نفسي» للناقد السينمائي نور الدين بوخصيبي … السينما تتمدد على أريكة المحلل النفسي

إذا كان بعض دارسي السينما يحاولون بناء نظرية نقدية مستقلة، تهتم بالصورة كمفهوم أساس ودال في أي مقاربة نقدية سينمائية – ذلك أنها هي التي تحدد، في نظرهم، منحنى السرد الفيلمي، ودلالته، وخصوصية معناه- فإن هذا الكتاب (سينما وتحليل نفسي) يتحيز بكل وضوح لأطروحة جون لوي بودري Baudry الذي اهتم بـ»مساءلة وضعية الذات تجاه الصورة من أجل البحث عن علة وجود السينما»

يقول جاك لاكان: «التحليل النفسي لم يقترب بعد من رسم حدوده، لا يزال هناك الكثير مما يجب كشفه بالممارسة (…) ليست هناك من إجابات محددة، هناك بحث طويل وصبور عن العلل..». وبالفعل، فإن التحليل النفسي- رغم علاقته المتعثرة، في بدايات نشوئه، مع السينما- يقدم لنا الدليل على نحو واضح بقانون التخطي الذي يمارسه على موضوعه. وهذا التخطي هو أطروحة هذا الكتاب «سينما وتحليل نفسي» للناقد السينمائي نور الدين بوخصيبي.
يثير هذا الكتاب، في نظري، إشكالية كبرى تهم العلاقة بين «الفيلمي» (وليس السينمائي) ونقده أو تحليله، لغة وخطابا.. أي بين المعطى الفيلمي واستراتيجيات التلقي.
فإذا كان بعض دارسي السينما يحاولون بناء نظرية نقدية مستقلة، تهتم بالصورة كمفهوم أساس ودال في أي مقاربة نقدية سينمائية – ذلك أنها هي التي تحدد، في نظرهم، منحنى السرد الفيلمي، ودلالته، وخصوصية معناه- فإن هذا الكتاب (سينما وتحليل نفسي) يتحيز بكل وضوح لأطروحة جون لوي بودري Baudry الذي اهتم بـ»مساءلة وضعية الذات تجاه الصورة من أجل البحث عن علة وجود السينما» (ص: 23)، وهي الأطروحة المعروفة نظريا بـ «العدة السينمائية» أو «الجهاز السينمائي».
إن السينما- وهذا هو الانشغال الأساس لهذا العمل- عملية مركبة لا تنفصل عن الوظائف النفسية والمعرفية، مادامت تنطلق من علاقة ملموسة ومرتبطة بواقع الحياة داخل سياقات اجتماعية وإيديولوجية ومؤسساتية؛ الشيء الذي جعل المهتمين والدارسين يبعدون صفة البراءة عن المتلقي للفيلم السينمائي، لأن التلقي الفيلمي في الأصل هو مقارنة بين انتظارات المتلقي وبين الرسالة التي يتلقاها الجهاز البصري بكل التعقيدات المرتبطة به، على مستوى الوعي واللاوعي والإدراك.
فمثلا، يذهب ‘’كريستيان ميتز’’ إلى أن الصورة هي علامة لسانية ونظام نحوي، مثلما هي عليه الكلمات في التراكيب اللغوية. كما أن هناك من اعتبر الصورة نظاما بلاغيا مثل «رولان بارث». وهذا معناه أن أي محاولة لفهم الصورة الفيلمية تفرض وصفا دقيقا للغة السينمائية (التي تؤطرها)، كما تفرض تفكيك أجزاء الصورة إلى مشاهد ومقاطع، بما في ذلك مزجها بالصوت اكتمالا للحكي والمعنى.
إن التعامل مع الصورة الفيلمية من وجهة نظر إدراكية أو بلاغية أو تقنية لن يكون كافيا لتحليل تعدد معاني الصورة السينمائية التي تتميز، في حركيتها وزوايا التقاطها ونوعيتها وطرق توضيب متوالياتها، بحمولة إيحائية خادعة؛ وهذا ما يثيره الكتاب بكل وضوح، من خلال عرض لأهم المفاهيم التي أتى بها بودري، مثل مفهوم «شاشة الحلم» Ecran de rêve الذي يستعيره من الباحث الأمريكي برترام لِوِين. ذلك أن الحلم عبارة عن عرض بالمعنى السينمائي، أي نشاط دينامي لانتقاء وإخفاء الصور. فـ «شاشة الحلم (حسب بودري) هي السطح الذي يظهر الحلم معروضا عليه، هي الأساس الخلفي الحاضر في الفيلم رغم أنه لا يُدرَك بالضرورة، وعليها أو بجانبها يتموضع المحتوى الظاهر، المدرك عادة» (ص: 26).
ويقترح بودري أيضا مفهوم «العصاب الاصطناعي». فالسينما، وفق نظريته، آلة للنسخ قادرة على منح الذات مدركات لها طابع تمثلات منظور إليها كمدركات».
إن بودري ينطلق من أنّ التقنية السينمائية تزعم بأنها تعرض أمام عيني المتلقي وأذنيه صورا وأصواتا واقعية. لكنها تنكر، في الآن ذاته، كيف أنها تُشكِل هذا الواقع بجمع لقطات المشهد لقطة وراء لقطة. وهي بهذا تُقدم فضاء مَشهديا وهميا.
ويقوم هذا الخداعُ المُضاعَفُ، كما يرى ذلك بودري، بإخفاء الكيفية التي يقوم بها العمل الفني بإنتاج المعاني وكأنها طبيعية، فيخفي بنيته الإيديولوجية، وهي بنية لـ»واقع مؤمثل». ذلك أن المتلقي يتموضع في موقع الذاتّ العارفة مَعرفةً كليةً مع أنه غير واعٍ بالمسار الذي تم من خلاله وضعه في هذا الموقع. وبهذا فإن الذاتّ المتلقية ما هي إلا نتاجٌ لمسار الاستدعاء Interpellation الذي يتعرض له أمام الشاشة، تماما كما يحدث للطفل أمام المرآة (اختبار المرآة)، مما يخلق تماهيا مُزدوجا للمتلقي مع شخصية البطل من جهة أولى، ومع ذات متعالية تَحلُ محلَها الكاميرا (التي قد سبقته في النظر إلى ما ينظر هو إليه الآن) وبهذا يتم بناء الذاتّ وتكوينها وفق المعاني التي يتضمنها النص، وفق منطق تلصصي وتلذذي لإدامة دورة اللذّة وهو أمرٌ جوهري لضمان الربح المادي لصناعة السينما (، كما يذهب إلى ذلك كريستيان ميتز في حديثه عن الحيوية الاقتصادية لصناعة السينما التي تعتمد على رغبة المُشاهِد بالتلذذ (الاختبار التلصصي الليبيدي).
يثير الكتاب إشكالات مهمة أخرى تطرحها علاقة السينما بأريكة التحليل النفسي، من قبيل التنويم المغناطيسي الذي استلهمته واستعملته الكثير من الأفلام كموضوع، وأيضا كتقنية سردية لارتياد آفاق أخرى خارج التوقع، قريبا من العجائبي والغرائبي والحلمي، كما نجد لدى فريتز لانغ وآرشي مايو وجون كلود بريسو.. إلخ.
وبالفعل، فإن التنويم المغناطيسي، حسب ما يراه ريتشارد باك مثلا، ينطلق من «فكرة الإيقاظ الذي يمارسه التنويم، إذ يَفترض وجودَ عالم داخليّ دائم الغليان والتجدّد، وأنّ اللغز الأكبر يكمن داخل المرء، وأنّ ما نتعرّض له ليس سوى أصداء لدواخلنا، ولا تأتي افتراضاته، التي تتخلّل الحوادث المقدّمة، والتي يسردها بأساليب منوّعة، كحالات مفروضة، بل يطرحها كنوع من إثارة الفضول والخيال، وإعمال الذهن للغوص في الداخل بدل الالتهاء بالجنون الذي يُغلّف الخارج، وأنّ الإنسان ينتج حالة كينونته الداخليّة، التي تبدو ذاته الخارجيّة».
وفي حديث الذات للذات، يقدّم ريتشارد باك تعريفاً للتنويم المغناطيسيّ، حيث يصفه بأنّه «تخيُّل موجود في الفكر: إنّه قانون الجاذبيّة مع مُعزّزِ سُرعَة. فعندما نُنوَّم، فإنّنا نرى ونسمع ونشمّ ونتذوّق ونلمس الأفكار التي نسمح بمرورها إلى ذهننا ليس عاجلاً أم آجلاً، بل الآن».
وإذا كان الكاتب نور الدين بوخصيبي يقودنا، باقتدار، إلى الإقامة الممتعة بين الحقلين: الحقل السينمائي وحقل التحليل النفسي، فإنه لا يكتفي بذلك، بل يذهب إلى حدود دحض المآخذ التي تحصر «النقد السينمائي» في المتن الفيلمي وما يرتبط به من سياقات الإنتاج السينمائي، مثلما فعل حين انتصر للطرح النظري الذي أتى به كريستيان ميتز، ضدا على الطروحات المعاكسة لمشروعه الفكري حول «سيميولوجيا السينما». ذلك أن مشروعه يتعدى الحديث عن محتوى الأفلام وحبكتها إلى مستوى الدلالة. فالسينما، في نظره، أداة نوعية لإنتاج الدلالات، وسرد الحكايات، وإفراز موضوعات جمالية، أي أنها حقل يمكن تناوله انطلاقا من مقاربتين متكاملتين ومختلفتين. المقاربة السيميولوجية التي تهتم باللغة السينمائية ودلالاتها، والمقاربة النقدية التي تهتم بتتبع سيرورات الإنتاج السينمائي.
في الفصل الذي عنونه «نور الدين بوخصيبي بـ «السينما والمرآة- من جاك لاكان إلى كريستيان ميتز»، ينطلق من مفهوم «مرحلة المرآة» لدى «لاكان» الذي يذهب إلى أن هذا المفهوم أبعد ما يكون مجرد اختبار، بل هو حيثية مُؤسِسة في بنية الذات.
إن لاكان ينظر إلى «مرحلة المرآة» ليس بوصفها لحظة زمنية عابرة في حياة الطفل بل يعتبرها بنية ثابة للذاتية، إنها أنموذج (Paradigm) النظام الخياليّ. إنها، بتعبير آخر، مرحلة تُؤْسَرُ الذاتّ فيها وهي مأخوذة مفتتنة فيه بصورتها هي.
إن مرحلة المرآة تمتلك قيمة تاريخية إذ أنها تشير، أولا، إلى نقطة تحول حاسمة في التطور النفسيّ للطفل. وثانيا، إنها تمثل علاقة ليبيدية جوهرية مع تَمثُل صورة الجسد، أي ما يسميه لاكان «التماهي مع الصورة المرآوية».
ويكمن مِفتاح ظاهرة «التماهي» في حقيقة تأخر نضوج الطفل البشري؛ ففي جيل ستة أشهر لا وجود لتناسق حركي بعد، مقابل التطور الحاصل في النظام البصري نسبيا، مما يعني أن الطفل يستطيع التعرف على صورته في المرآة في حين أنه لم يتمم سيطرته على حركاته. الطفل يرى صورته الخاصة في تكاملها، وهذا التكامل المتحصل في الصورة المرآوية يُثير فيه إحساساً يتناقض مع ما هو عليه جسده فِعلاً من عدم تناسق حركي، فيخبَرَ جسدَه على أنه جسد مُتشظي. يشعرُ الوليدُ بهذا التناقض أول مرة على شكل خصام بينه وبين صورته المرآوية هو، إذ أن كمال هذه الصورة المرآوية يهدد الذاتّ بالتشظي، لهذا فإنه في مرحلة المرآة يتأسس توتر عدائي بين الذاتّ وبين صورتها.
ومن أجل حل هذا التوتر العدائي تقوم الذاتّ بالتماهي مع صورتها المرآوية؛ التماهي الأولي مع النظير هو ما يشكل الأنا.
يصف لاكان لحظة التماهي هذه، والتي فيها تتبنى الذاتّ صورتها المرآوية كصورتها هي ذاتها، كلحظة بهجة عُليا، إذ أنها تصل به نحو شعور سيادة مُتخيلة؛ «تنبُع فرحة (الطفل) من إنتصار مُتخيل يَبلُغ به درجة سيطرة حركية يأملها، لكنه لم يصلها بعد». إن هذا التماهي يشرك الأنا المثالي والذي يُوظف كوعدٍ لتكامل مستقبلي يحفظ الأنا في حالة من الترقب.
وإذا كان لاكان يعتبر، مع فرويد، بأن التحليل النفسي «لعبة تواصل مرآوي ذاتي، يُهدف من خلالها إلى استدعاء الحقيقة لتدخل الواقع»، فإن ميتز يرى أن الفيلم شبيه بالمرآة. «ذلك أن الصورة في المرآة هي صورة حضور غائب. لكن للفيلم مع ذلك وضعا مختلفا. فليس الجسد الخاص للمتفرج هو ما ينعكس على الشاشة، كما أن النمو الذهني للمتفلاج يتجاوز طبعا مستوى الطفل. إلا أن ما يجعل المتلقي قادرا على تتبع جريان الفيلم، رغم غيابه عن الشاشة، هو أنه سبق أن مر من تجربة المرآة التي هي أساس كل التماهيات الثانوية». (ص: 53).
إن ميتز يستخلص أن الشاشة تشبه كثيرا مرآة الطفولة التي تحدث عنها لاكان، ولكنها مخالفة لها. تشبهها لأن المتلقي يصبح في حالة من «التضخيم الإدراكي» أو «الضغط الخيالي»، ومخالفة لأنه يكون في وضعية وجه لوجه مع نظام من الرموز والدوال والإشارات، وليس مع صورته الخاصة.
في فصل آخر من الكتاب، يستعرض الناقد نور الدين بوخصيبي: «السينما.. النظرة والتلصص»، وذلك انطلاقا من محددين أساسيين أقرهما ميتز، في كتابه «الدال الخيالي- السينما والتحليل النفسي»، ويتعلق الأمر بمحددي «الموضوع المفقود» و»التلصص» اللذين أولتهما السينما اهتماما خاصا، مادامت ثيمة «المتلصص» ترتبط، في العمق، بالبعد النفسي للشخص المتلصص، أيضا بالانشطار المرآوي الذي يطرحه السرد الفيلمي.
وتأسيسا على ذلك، ينتقل بوخصيبي إلى فيلم «النافذة الخلفية» Rear Window لألفريد هتشكوك.
قصة الفيلم التي يستعرضها المخرج، بطلها الحقيقي هي «شاشة النافذة»، وليس المصور المقعد جيفري (جيمس ستوارت)، المصور المُقعد الذي يقضي يومه في المنزل وهو يتلصص على جيرانه من خلال النافذة.
ومن بين النوافذ الكثيرة التي يتلصص جيفري من خلالها على مشاكل الأزواج، تسترعي انتباهه تلك النافذة التي تحكي جريمة قتل، وتساعده صديقته في التحقيق حول الجريمة.
في هذا الفيلم يتصل التشييئ بالتلصص: النافذة بجيفري، وهذا هو الشكل الأكثر تطرفا لانحراف الدافع البَصريّ، حيث لا يتم الاشباع الجنسيّ إلا من خلال التلصُص على الآخر بوصفِه موضوعا. كما أن المُتلصِص، في الفيلم، يتحكم بفعالية في النظر، إلا أنه، مع ذلك، يحافظ على مسافه فاصلة بينه وبين موضوعه.
ويرى بوخصيبي أن فيلم النافذة يقدم إلينا شغف جيفري بالصورة الذي جعله يكشف عن جانبه التلصصي.. ففي أساس الهوس بالصورة (جيفري مصور)، هناك الرغبة في التلصص..
وبعد استعراضه للتحليل النفسي في السينما الأمريكية، والسينما.. في فكر وإبداع الحركة السوريالية، يقدم لنا الناقد بوخصيبي التحليل النفسي في سينما بازوليني، وذلك انطلاقا من التأثير الكبير الذي مارسه فرويد على تجربة الشاعر والسينمائي الإيطالي الكبير بيير باولو بازوليني.
وبصرف النظر عن اهتمام بازوليني باللغة السينمائية وعلاماتها السيميولوجية، فضلا عن اهتمامه بـ»سينما الشعر»، إلى جانب ميولاته الإيديولوجية، فإنه كان قارئا نهما للإنتاج العلمي لسيغموند فرويد. بل إنه يعترف بأن لقاءه بفرويد كان حدثا أساسيا في ثقافته وحياته. ومعنى ذلك، كما يقول بوخصيبي، أن «الفرويدية ليست بالنسبة لبازوليني مسألة ثقافية فحسب، إنها فوق ذلك مسألة حياة. إن فرويد يعطي لحياة بازوليني معنى ودلالة» (103). ولعل ذلك ما قاده إلى إخراج فيلم «أوديب ملكا» الذي صور من خلاله طفولته الخاصة وعلاقته بوالده.
ولا يفوت هذا الكتاب أن يعرج على أحد أهم منتقدي التحليل السينمائي للظاهرة السينمائية، ويتعلق الأمر بالطبيب النفسي والكاتب فيليكس غواتاري الذي يدافع عن فكرة أساسية تتمثل في عجر التحليل النفسي عن استيعاب الظاهرة السينمائية. فالسينما تتمثل خصوصيتها في جماعيتها التي تناهض فردانية التحليل النفسي ونخبويته. كما أن اللاوعي في السينما لا يظهر بنفس الطريقة التي بها على الأريكة. إنه يفلت جزئيا من دكتاتورية الدال. إنه لا يختزل في السينما إلى مجرد حدث لساني، ولا يراعي القسمة الكلاسيكية للتواصل: متكلم/ مخاطب.
إن هذا الكتاب، الشيق والممتع والمفيد، يجعلنا نقف أمام نجاح السينما في استلهام مجموعة من مبادئ التحليل النفسي وتصوراته وإنجازاته وتعقيداته أيضا. ونحن طبعا ننتظر أن يحقق الناقد بوخصيبي وعده لنا بتقديم جزئين آخرين، الأول يتضمن دراسات تطبيقية لمجموعة من الأشرطة السينمائية العالمية، والثاني والأخير حول التحليل النفسي في السينما المغربية.


الكاتب : سعيد منتسب

  

بتاريخ : 23/06/2018