قراءة في فيلم «ذاكرة معتقلة» للمخرج الجيلالي فرحاتي المواطنة والانتماء في السينما

إن مقاربة موضوع المواطنة من منظور السينما، يحتم علينا، أولا، تحديد هذا المفهوم الذي يتسع للعديد من التعريفات حسب مجموعة من الحقول المعرفية. وذلك حتى نتمكن من مقاربته سينمائيا.

إن لفظ المواطنة لغة مأخوذ من الوطن، أي محل الإقامة والحماية، وتعني من الناحية السياسية والحقوقية، “صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى الوطن. أما من وجهة نظر علم الاجتماع، فالمواطنة مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة)، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول (المواطن) الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة
على المستوى النفسي، نقصد بالمواطنة “الشعور بالانتماء والولاء للوطن وللقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الأخطار المصيرية، وبذلك فالمواطنة تشير إلى العلاقة مع الأرض والبلد”.
والمواطنة بصفتها مصطلحا معاصرا، تعريب للفظة (citizen hip) التي تعني كما تقول دائرة المعارف البريطانية: (علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق- متبادلة- في تلك الدولة، متضمنة هذه المواطنة مرتبة من الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات
أما لفظ citoyen، وكذلك لفظ citizen، فمشتقان من لفظ cité يقول عبد الله العروي؛ أي من “المدينة” بالمعنى السياسي. ويضيف أن روسو قال إن الفرنسيين -في زمنه- لم يعرفوا معنى كلمة citoyen ولم يفرقوا بينها وبين كلمة “البورجوازي”bourgeois . فالأولى تطلق على المساهم في الحياة السياسية، فيما تصف الثانية حالة المقيم في المدينة، أي المواطن بالمعنى الاشتقاقي العربي للكلمة.
ويتجلى البعد السياسي للمواطنة في مدى إحساس الفرد بانتماء الفرد إلى الوطن، كجسم سياسي يتمثل في مؤسسات الدولة والأحزاب والنقابات والجمعيات، وأفكار حول الشأن العام والمجال العمومي، والأفكار التي تتبلور لدى الفرد حول هذا الجسم، ومدى سعي الفرد للتأثير فيه عن طريق الولاء أو المعارضة للنظام، أو الخوف منه والابتعاد عنه أو الثورة عليه.
كما يمثل البعد الثقافي للمواطنة ما يوفره الوطن من إحساس بالانتماء إلى جماعة تُجَسِّد هويته، وتتحدد هذه الهوية المشتركة في ما يجمع الفرد مع غيره من ممارسات وسلوكات في الحياة اليومية من عادات الأكل واللباس والموسيقى وطقوس الأعياد والحفلات، كما أنها تتجسد في الرموز المشتركة لما يمثل الهوية الوطنية، أو الهويات الجماعية المتعايشة في ظل الوطن الواحد. وهنا، وجب التذكير بأن الهوية انتساب ثقافي فيما المواطنة انتساب جغرافي قانوني.
سنهتم في هذا المقال، إذن، بالشقين النفسي والثقافي، اللذين يتفقان على أن المواطنة هي الإحساس بالانتماء والعلاقة بين الفرد والأرض أو البلد أو الوطن، وذلك من خلال الاشتغال على فيلم “ذاكرة معتقلة” للمخرج المغربي الجيلالي فرحاتي.

السينما والمواطنة

نعلم أن السينما شكل من أشكال التعبير الفني الذي يعبر من خلاله السيناريست أو المخرج أو السارد عن فكرة أو موضوع أو موقف، وذلك من خلال تموضع السينما في سياقات المواطنة بمفهومها الواسع. غير أن ما يهمنا، في هذا السياق، هو كيف عالجت السينما موضوع “الانتماء” إلى الوطن نفسيا وثقافيا؟ وكيف فكرت في العلاقة بين الفرد وثقافته وأرضه ووطنه؟ وكيف “أظهرت” ذلك على مستوى اللغة السينمائية المركبة؟
للجواب على هذه التساولات، لا بد أن ننطلق من السؤال التالي: هل هناك بالفعل تمظهرات لقيم المواطنة في الفيلم السينمائي، ليس فقط على مستوى الموضوع والمحتوى أو المعنى، بل على مستوى اللغة التي تحيل بدورها على معنى، أي الدال السينمائي (حركة الكاميرا، سلم اللقطات، المونتاج…)؟ وإلى أي حد يمكن للإبداع السينمائي كصانع للأحاسيس أن يطرح هذه القيم ويفكر فيها من خلال لغة خاصة؟

محكي فيلم “ذاكرة معتقلة”

يحكي فيلم “ذاكرة معتقلة” للمخرج الجيلالي فرحاتي قصة المناضل اليساري “المختار العيلوني” الذي قادته مواقفه وأفكاره إلى السجن، لكنه أُلبس تهمة أخرى تمثلت في سرقة بنك، وهي تهمة تبين أن مقترفها شخص آخر يحمل نفس الاسم أو لُقب به لغايات تمكنه من الاستفادة من عفو ملكي شمل عددا من المعتقلين السياسيين.
تعود الأستاذة زهرة إلى أرض الوطن بعد مغادرتها لسنوات، تبدأ رحلة البحث عن رفيق دربها “المختار العيلوني” في الوقت الذي تنتهي فيه مدة السجن ويُطلب من المختار أن يغادر سجنه، يتردد هذا الأخير مرارا ويظل حبيس عالمه داخل الأسوار وكأن الحياة تلخصت في هذا المكان الذي تحول إلى انتماء، دون تطلع أو أفق لمغادرته.
كان الزبير رفيق المختار في السجن وخارجه، وهو ابن صديقه الذي سُجن بدوره مباشرة بعد اعتقال المختار. فقد مات الأب وظلت ذكراه في ذهن الزبير الطفل ثم الشاب بعدها، سيما أن ظروف اعتقاله تزامنت مع عيد الأضحى، حيث أتت عناصر الشرطة وانتشلته من بين أسرته. كان الزبير يشك دئما أن للمختار يداً في اعتقال أبيه، واللغز الذي يتفكك بتوالي أحداث المحكي الفيلمي.
ومنذ مغادرتهما للسجن ظل الزبير يلعب دور الخيط الناظم بين لغز المختار الفاقد للذاكرة وبين ملامح أبيه التي غيبها الموت فيما ظلت حاضرة لدى كل من المختار والزبير..

الذاكرة والشعور بالانتماء

يطرح هذا الفيلم جملة من الأفكار المرتبطة بموضوعة “الانتماء” على مستوى المادة الحكائية، وذلك انطلاقا من العتبة الأولى، ونقصد بها العنوان: (ذاكرة معتقلة). وهنا يطرح موضوع الهوية نفسه بإلحاح. فالذاكرة المعتقلة تحيل على النسيان أو على الجدران أو على الانحصار في رقعة ضيقة لا مخارج لها، ولا انتماء أو هوية بدون ذاكرة. والسؤال هنا هو: “من يعتقل الذاكرة” ولماذا اعتقلت؟ وكيف اعتقلت؟ وما هي العوامل والإسنادات التي بإمكانها أن تساعد على تحريرها؟
إن العنوان قد يحيلنا في بادئ الأمر، إلى أن “ذاكرة” المختار هي “المعتقلة” وليس جسده. هل هناك جسد دون ذاكرة أو ذاكرة دون جسد؟ هل يمكن تصور ذلك؟
صحيح أن العنوان، كما يقول جيرار جينيت، أداة تواصلية لا تبوح بمدلولاتها دفعة واحدة، وأن لها دورا استكشافيا استثمره المخرج من أجل تأمين العبور إلى المتلقي، وتهيئه من أجل التأثير فيه وإقناعه، بل وجعله فاعلا في النص الفيلمي، ومالئا لبياضاته ومناطق لا تحديده، ودفعه إلى المشاركة الفاعلة والفعالة في مداراته ومساراته..
نتساءل هنا مرة أخرى، هل “الذاكرة المعتقلة”، هي ذاكرة المختار العيلوني، أم ذاكرة الأستاذة زهرة، أم ذاكرة الزبير، أم هي في العمق ذاكرة جيل وذاكرة وطن؟
لقد طرح عالم الاجتماع الفرنسيّ موريس هالبواش، في كتابه الإطارات الاجتماعيّة للذاكرة (1925)، عدّة أُطروحات حول المفاهيم المتعلّقة بالذَّاكرة الجمْعيّة، إذ نَبّه بدايةً إلى وجود علاقة قويّة بين التذكُّر الشخصيّ للفرد، والمجتمع الذي ينتمي إليه. بمعنى أنّ عمليّة التذكُّر لا يُمْكنها أن تبقى منحصرةً بين الفرد وذاته؛ وإنّما أيضًا تجري ضِمن المنظومة الاجتماعيّة الواسعة التي يتفاعل معها الفرد، كالأسرة والأصدقاء وغير ذلك، حيث لا يمكن الفصل بين نمَطَي التذكُّر الجماعيّ والفرديّ، لأنّ “الذاكرة الجَمْعيّة ما هي إلّا نِتاج تفاعُل ذكريات فردية، والذاكرة الفردية ما هي إلّا نتاج تفاعُل الفرد مع الجماعة”.

الشخصية والانتماء

في هذا الفيلم نحن أمام ثلاث شخصيات أساسية:
أولا: “المختار العيلوني” الذي يرفض أن يغادر السجن (الاعتقال) الذي تحول بالنسبة إليه إلى “وطن” (أي إلى مكان إقامة). فالسجن يتحقق كمكان ملائم للنسيان أو إن شئنا للعقاب الذاتي. بينما الخارج هو الذاكرة: الرفاق/ الآخرون الذين يرفض أن يواجههم أو يجْبُن عن ذلك خوفا وإحساسا بالعار. إنه نسيان مقصود ومطلوب ومرغوب فيه ضد ذلك الاغتراب الشخصي الذي تتعرض فيه وحدة الشخصية للانشطار والانهيار. فهو يقبل أن يُسرق منه اسمه وزمنه وذاكرته، التي توقفت أو بالأحرى أوقفها في لحظة زمنية لم ينفصل عنها إلا في آخر الفيلم.
ثانيا: الأستاذة زهرة التي تعود إلى أرض الوطن لتبحث عن رفيق درب في الحياة والنضال السياسي. إن العودة هنا تعني انتهاء وانقطاع الصلة ووضع حد للشعور بالاغتراب، وذلك بالعودة إلى الذاكرة (ذاكرة الرفاق)؛ وهي تعبير أيضا عن رغبة في إنهاء حالة الانحصار التي يؤججها البعد عن الوطن، وإعادة ترميم شروخ الذاكرة وتشكيل الهوية.
ثالثا: الزبير الذي يسعى إلى تشكيل صورة كاملة عن أبيه الذي مات وتركه طفلا. الأب المناضل اليساري الذي تعرض للوشاية والاعتقال والموت، مع ما استتبع ذلك من مأساة عاشتها الأسرة. هذا هو الحيز الذي تتحرك فيه ذاكرة الزبير الذي يعيش في وحدة تامة مع نفسه على المستوى السيكولوجي. فالوطن، أو حب الوطن، هو ما قتل أباه، وأحد وجوه هذا الوطن هو “الوشاية”. شخصية الزبير هي تمثيل حي لذاكرة شباب الجيل الجديد الذي يريد أن يعرف ما جرى، وكيف جرى ذلك ولماذا؟
إن الشعور بالانتماء إلى “شيء ناقص”، في هذه النماذج الثلاثة، هو ما يحدد هذه الذاكرة المعتقلة. الانتماء إلى حزب سياسي كان يطمح إلى تغيير قواعد اللَعِب، بحثا عن “وطن” أكثر عدلا وديمقراطية، وسعيا إلى دولة المواطنة؛ والانتماء إلى “علاقة حب” بكل فضاءاتها وأمكنتها واغترابها؛ والانتماء إلى أبوة ضيعها البوليس السري وأضاع معها أسرة بكاملها.
إذا كانت المواطنة شعور بالانتماء، فإن السجن هنا بكل حمولته الرمزية، يجسد خصوصية هذا الانتماء إلى مغرب “سنوات الرصاص”.. مغرب الصراع حول فكرة الوطن والمواطنة بين “المخزن” واليسار القوي آنذاك بأفكاره ومثقفيه وسياسييه وانتمائه الإيديولوجي الكبير.

اللغة السينمائية وبناء المواطنة

يستهل المخرج الجيلالي فرحاتي فيلمه بحركة سائرة للكاميرا داخل فضاء محطة القطار. يبئر السارد علبة كارطونية تضم رسائل قديمة متسخة ومهملة، حيث تقرأ لنا الطفلة هاته السطور:
{أتدرين زهرتي، تذكرت أول لقاء بيننا، فوجدت نفسي أصبغ جدران الزنزانة بلون الأفق، في لقائنا الأول تكلمت عن الشعب ولون السماء، في لقائنا الأول كان أزرق البحر وأزرق الأفق الشاهدين الوحيدين على الكائنات والتاريخ، ينظران إليك بكل ثقة، وكنت ترسمين المدينة بإعجاب وتُسِرينني الحب، تلاعبين الرمل وتحلمين بأن تسعد كل نساء العالم، كنت مناضلة تحملين اسما للزهور.. زهرة، بنفسجة أو قرنفلة… لا يهم. كيف نور النهار وأضواء الليل ستنبئنا حينما نصبح عصافير طليقة، نفرد جناحينا للريح.. حينذاك سنحمل معا كل أسامي الكون، الأسامي التي تبعث الحياة في الروح}.
صاحب قراءة الطفلة للرسالة مشهد لزهرة في بهو المطار، حيث يمدها الجمركي بجواز السفر بعد أن قال لها “مرحبا بيك ف بلادك”. تأخذ زهرة حقيبتها ثم تنصرف، وتجد في استقبالها أمها الكفيفة برفقة طفلة تنبؤها أن زهرة قدمت وعادت.
لقد شكلت “العودة” في هذا المقطع تلك العلاقة الموضوعية التي تربط زهرة ببلدها. زهرة التي هربت فارة ولاجئة تعود اليوم بحثا عن الذاكرة التي تركتها وراءها.. ذاكرة المواطنة التي تعني في هذا السياق “المشاركة النشيطة في جماعة سياسية”، كما تتضمن الارتباط بالفكرة والانتماء إلى “المشترك الإيديولوجي”. إنها لم تأت لتبحث عن حبيب كفرد فقط، بل عن نسيج سياسي يمارسه هذا الفرد، كما كانت تمارسه هي، انطلاقا من قناعة جماعية مشتركة.
وبالعودة إلى الرسالة، التي وظفها المخرج بذكاء ورتب عبرها ذلك “العقد السردي” الذي أراد أن يربطه بالمتلقي، نجد أن المواطنة قد تعني، أيضا، ذلك الاختيار الطوعي للعمل من أجل الارتقاء بالممارسة السياسية في البلاد (العدالة الاجتماعية، التوزيع العادل للثروة، الديمقراطية، حقوق الإنسان). وهو اختيار قد يؤدي إلى تجربة الاعتقال، في ظل نظام بوليسي استبدادي يحتكر الثروة والسلطة، ويلاحق المعارضين وخاصة اليسار. إنه اختيار لا يتحرك لدى المواطن إلا في حالة الاستبداد وانسداد أفق التغيير.. أي في الحالة التي يتحول فيها الوطن إلى سجن كبير.
حملنا المخرج، بعد ذلك، إلى فضاء السجن، وهو ما ساهم في بناء فعل درامي للفيلم يتجاذبه من جهة “السقف” كملاذ (abri) ، والمعتقل كفضاء قسري للإقامة من جهة ثانية، مما يضعنا أمام نوع من التوتر الدرامي:
– أولا السجن كـ”سقف” يساعد على الهروب من الماضي المأزوم، الشيء الذي جعله يعيش عواطف الانتماء إلى الأصدقاء والوطن والحبيبة، وهي مشاعر عاشها داخل الأسوار، إذ ظل يسقي الزهور ويعتني بها، ويداعب التربة ويأبى المغادرة، وكأن عالم السجن عالمه ومحيطه وحتى موطنه.
– ثانيا السجن كـ “عقابٌ” على ذنب لم يرتكبه العيلوني، ولكنه يشعر بذنب غائر يدفعه إلى ممارسة حل تقديري وتحمل “تهمة خيانة الرفاق” (العقاب الذاتي)، عوضا عن أبيه الذي وشى بكل الأسماء التي شاركت في التنظيم.
إن “الضمير” هنا، وتحديدا ضمير المواطنة، سلوك تطوعي يتجاوز الحد الأدنى لمتطلبات الانتماء إلى الجماعة، وخدمة الصالح العام على حساب المصلحة الذاتية. وهنا يتضح أن هناك علاقة ارتباطية عكسية بين العيلوني وذاته. فهو بريء يرى نفسه مذنبا، أو بريء يريد أن يراه الرفاق مذنبا، أو بريء أُرغم قسرا على أن يرى نفسه مذنبا، فاختار أن يعاقب نفسه بالإقامة الدائمة في السجن. هذا هو جرح الفيلم وذروته الدرامية.
لقد عمد المخرج على تأسيس رمزية الانتماء من خلال العلاقة الرابطة بين الماضي والحاضر، بين “السقف” و”المعتقل”، حيث تحيل الزهور التي يعتني بها على حبيبته زهرة (الوطن إذا شئنا)، فيما يحيل نزيف الأنف الذي يتكرر على لحظة الاعتقال، إذ قُبِض على المختار من داخل فصله بالمدرسة، فارتطم رأسه بالسبورة ونزف، الشيء الذي يجعله في كل مرة يستشعر العنف (وكمثال لقطة مشاهدته التلفاز لمشهد عنف داخل السجن)، يبدأ أنفه بالنزيف إحالة على ماضيه وشهادة على أن لحظة الاعتقال جرح لازال غائرا.
ظل المختار، في كثير من مقاطع الفيلم، يقوم بحركة بأصابعه تذكرنا بأنه كان أستاذا لمادة الرياضيات (وهي إحالة ذكية على الشهيد المهدي بنبركة)، كأنه يمسح ما علق بأصابعه من غبار الطباشير. وقد انضافت هذه الحركة إلى جملة الرموز التي تحيل على الماضي، ومنه على الشخص الذي كانه: المناضل الملتزم والأستاذ الذي يرتقي بالتزامه وتفانيه إلى فاعل مسؤول اجتماعيا وسياسيا وثقافيا. إن هذا الاستدعاء يحيل أساسا على نفي الانفصال عن الكل، أي الاجتماعي والسياسي الذي ينتمي إليه. كما يحيل على أن التباعد بينه وبين ذاكرته لم يتحقق إلا على مستوى الأسوار، وليس على مستوى الانتماء.
ومن خلال زاوية موضوعية للكاميرا وصوت داخلي لزهرة، ينقلنا السارد إلى جوهر شخصية زهرة المتماهية مع محتوى الرسائل التي تحمل تعابير الحب وعشق الحرية، في الوقت الذي يزور الحمام شرفتها؛ وهي إحالة على السلام الذي تنشده شخصيات الفيلم، كل واحدة من موقعها. ذلك أن ذريعة الفيلم السردية تقودنا إلى التسامح والمصالحة، وهما مبدئان من مبادئ المواطنة التي تستحضر حقيقة أن اللجوء إلى العنف طريق قصير نحو الهزيمة، وانجرار إلى أساليب القهر ذاتها التي يناهضها المتشبعون بقيم المواطنة.
جماليا، اختار السارد نسج حكايته ببساطة من خلال زاوية موضوعية وسرد خارجي وكاميرا ثابتة، مع بعض الحركات البانورامية، إذ ظلت الكاميرا تابعة للمستوى القصصي بخطية أحيانا، وأخرى بالرجوع إلى الماضي، باستعمال تقنية الاسترجاع قصد التذكر أو الشهادة التي يعززها السجل الصوتي المتمثل في الحوار أو الصمت أو التضجيج (Bruitage) أو الأصوات المحيطة المتمثلة في الضرب والصراخ جراء التعديب… وهو ما يجعل المتلقي في وضعية تشابك جمالي مع ذاكرته الجماعية، أي مع ذلك الانتماء العنيف للمغرب الآخر الذي سادت فيه الاعتقالات والملاحقات، وتم الدوس خلاله على كل انتماء حر وحقيقي إلى الوطن، بمفهومه السياسي والحقوقي.
ظل إيقاع الفيلم بطيئا في أغلب مقاطع الفيلم، دلالة على السكون والاستسلام والتيه الذي يستشعره المختار وكأنه يستسلم لعقاب الذاكرة، كما أن عنصر الصوت المتمثل في صمت المختار الذي كان دالا على شخصيته الملغزة، التي تنقل لنا تلك الوحدة التي يعيشها، ربما كانت فرارا من ذاكرة يسقط تحت ثقل تفاصيلها.
إن فضاءَ السجن وحلكةَ الألوان وبُهُوتَها في هذا الفيلم، عناصر تشهد على الطابع الحالك لمشاهد الفيلم سيما الليلية منها، إلا أن المختار ظل محافظا على هدوئه مستسلما لمصيره، لكنه لا ينسى سقي زهرته وإرواء عطشه من القنينة نفسها. إنه، كما قلنا سَلَفاً استدعاء فني ورمزي للحبيبة زهرة التي تمثل كل معنى جميل في الوطن. إنها الرفيقة في النضال، والحبيبة والشريكة في الحياة، ورمز الانتماء العاطفي للوطن الكبير بأحلامه الكبرى الذي ينبغي أن يحافظ على اخضراره ونضارته رغم كل الظروف. ويأتي هذا الاستدعاء من الناحية الجمالية، عبر الحضور القوي للقطات الباهتة التي تنخفض فيها درجات الإضاءة ليتلاءم المحكي مع فعل التذكر الذي يتحقق عبر سَبْرِ ظلال الذاكرة، من خلال الفصل بين الصورة والخيال.
وظف المخرج تقنية الإطار داخل الإطار في مشهد مغادرة المختار والزبير لأسوار السجن، إذ حين يلتفت المختار إلى الوراء نظل نراه من خلال قضبان نافذة الباب، وكأنه لم يخرج من سجن إلا ليعانق سجنا آخر أكثر فساحة، وأكثر إيلاما وقسوة. سجن الوطن الكبير الذي ناضل من أجله، فكان أن خسر كل شيء باستثناء ذاكرته.
لقد ساهم المونتاج من خلال وظائفه التشكيلية والإيقاعية والدلالية في الفيلم في خلق مقارنات بين الماضي والحاضر، بين معنى ومعنى، بين سياق وسياق، بين انتماء شرس وعنيف وانتماء هادئ ومتصالح، بين وطن مسروق وآخر واعد. ولعل استدعاء الذاكرة والاستناد إلى محكي السفر، من خلال التركيز في أول مشهد على المطار، وأيضا مشهد السكة الحديدية، والنفق، ورحلة الشخصيتين على الأقدام وداخل القطار والحافلة، يساعد على استتثارة فعل التذكر الذي سيبلغ ذروته في مشهد المواجهة بين الزبير والمختار،أي بين جيلين يحتاج كل منهما إلى الآخر لبناء الذاكرة المشتركة على نحو صحيح، وهو المشهد الذي يحمل إمكانات تكثيفية واختزالية دالة على أن الانتماء إلى الوطن يحتاج إلى فهم لتحقيق المصالحة، من خلال الاغتسال بماء المطر في لحظة ارتفاع حدة المواجهة اللفظية بين الزبير الحاقد على الواشي المتسبب في موت أبيه وبين المختار اللائذ بصمته.
إن السينما بهذا المعنى تساهم في تكريس قيم المواطنة، أي أنها تنقلنا من واقع حكائي مسرود إلى تصور كلي عن العالم وعن أنفسنا وكيف نعيش في حيز جغرافي تتنازعه تيارات وثقافات وقوى سياسية وإيدييولوجية، ذلك أنها تتألف من تعبيرات أساسية تخضع إلى برمجة معدة سلفا (سيناريو/ تقطيع تقني/ كاستينغ/ تصوير/مونتاج…)، وقابلة للعرض في الزمان والمكان. فالفيلم، في سياق الأحداث التي يرويها يمكننا من استعادة كل جوهرنا الجماعي من خلال التذكر، من خلال التفكير في الوطن والانتماء، وأيضا من خلال علاقتنا بالآخرين.
إن السينما غنية بأمثلة كثيرة عن المواطنة والانتماء والإنسان حيث زاوية الرؤيا تختلف. إلا أن المفكر عبد الله العروي يرى أن “مفهوم الإنسان المواطن، لم يُأصَّل بعد تأصيلا واضحا وصريحا، أي لا أحد يقول إن هذا التوسيع حق من حقوق المواطن المساهم إلى المواطن المجاور يتحدى حدود الدولة الوطنية. لا أحد يقولها صراحة، مع أن هذا الأمر موجود ضمنيا في لائحة الحقوق الدولية. والدليل على ذلك أن إعلان الحقوق الإنسانية للدول الأوربية، أي اعتبار أن كل مواطن، من أي دولة كانت، إذا انتقل من دولة إلى أخرى، تكون له الحقوق نفسها “.


الكاتب : جميلة عناب

  

بتاريخ : 11/01/2020

//