قصبة المحمدية بسواعد شبابها  بحلة جديدة كأنها عروس تتصالح مع ذاتها…

القصبة أسسها وشيدها السلطان سيدي محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر، وقد تم احتلالها من طرف البرتغاليين وتركوا فيها مباني مازال بعضها قائماً رغم مرور زمن طويل

القصبة في حلة ربيعية جميلة تذكرنا بأيام الشعار الذي كان يميز المحمدية (مدينة الزهور والرياضات الجميلة )ايّام تألقها، القصبة كأنها عروس تتصالح مع ذاتها وماضيها المتميز وتنفض نها ثوب الفوضى والارتجال وتعود إلى سنوات تألقها وجمالها، وتطرد من كان يعبث بها ويرسخ على فضاءاتها العابثين ومتحيني الفرص والغارقين في ملذات الريع والمصالح الشخصية الضيقة، الذين أفسدوا كل شيء داخل هذه المعلمة التاريخية الخالدة، والتي تشكل جوهرة فضالة، وتجذب إليها السياح والزائرين من كل المناطق والأجناس …
ففي السنين الأخيرة قتلت الفوضى والعبث والريع  هدوءها وسكونها وجمالها حتى صارت بقعة سوداء موبوءة، تتراكم فيها أسواق عشوائية مليئة بالضجيج والكلام السوقي، الذي لا يحترم آدمية الناس ولا هدوء المصلين في المسجد العتيق (الجامع الأبيض )، كما تملأ المكان كثرة الأزبال والقاذورات واستهلاك الممنوعات، مما أفسد هذا الفضاء الجميل، والذي كان من المفروض حمايته والعناية به، ولكن، مع الأسف الشديد، فإن ما ذكرناه يقع تحت أنظار المسؤولين وتحت مسؤوليتهم، ومع ذلك يتركون انتشاره بل يغضون الطرف عنه، وحتى حمايته أحياناً، مما أنتج كائنات همها الوحيد الربح والريع وإنتاج لوبيات الفساد، التي تغولت وسيطرت على كل شيء، وحتى بعض السلطات، كما قلنا، تغمض الأعين وتصم الآذان وتترك خرق القانون والعبث به من طرف جحافل من القادمين من خارج المحمدية ومن محيطها، كأنها تعقد معهم شراكة، حيث أصبح بعضهم يملك أكثر من خمسين «كروصة « يكتريها للقادمين ويزودهم بالسلع ويتولى أمر حمايتهم كأننا في زمن «الفتوات» …الحمد لله مع جائحة كورونا تغير كل شيء حتى عقلية السلطات بدأت تتغير للأحسن وظهرت ملامح القطع مع الماضي الأسود الذي عاشته القصبة سنوات رعت فيه بعض السلطات التسيب ..ومن حسنات كورونا أيضاً (بغض النظر عن خطورة هذا المرض الفتاك ) أنها حركت عزائم شباب حي القصبة وزرعت فيهم الحماس وثقافة التطوع لمحاربة ملل الحجر الصحي، تحرك الشباب بقوة وأخذ على عاتقه تحريك عجلة الإصلاح والتضحية بالجهد، وما أن تحرك حتى وجد مساندة قوية من السيدة قائد المقاطعة الثالثة وخليفتها والطاقم المساعد لها، حيث تدخلت بسرعة ،وحقيقة كانت سلطات المقاطعة الثالثة في المستوى دون أن تسقط في شطط تطبيق القانون، كما تحركت أيضا للمساعدة مصلحة الأشغال البلدية، وبتضافر جهود الجميع، وخاصة شباب حي القصبة، أعطت المبادرة أكلها فتم القضاء على كل المظاهر السلبية وتحرير طرقات وساحات القصبة وأزيلت كل مظاهر العبث والفوضى السابقين، وفي ظرف أيام أصبحت القصبة وأزقتها وساحاتها وجدرانها وأبوابها الثلاثة في حلة جديدة ذكرتنا بأيام عزها وتألقها، وتنفس المواطنون زوارها وساكنتها الصعداء، بعدما تخلصوا من الضجيج والأوساخ وتراكم الأزبال والنفايات وروث البهائم والروائح الكريهة واحتلال الفضاءات العمومية، فشكراً للجميع على المبادرة الإصلاحية والعمل الجيد الذي قاموا به وخاصة شباب القصبة، وقد انتشرت مبادرات مماثلة بمختلف أحياء مدينة المحمدية، سواء الأحياء السفلى أو العالية، لتعود روح التفاؤل…
نتمنى صادقين أن يستمر هذا المد الإصلاحي التطوعي وأن لا يتوقف ويستمر ويتقوى، ونخاف من تحالف لوبيات الفساد والفوضى لإرجاع حالة حليمة لعادتها القديمة، لا نتمنى ذلك.
يذكر أن القصبة أسسها وشيدها السلطان سيدي محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر، وقد تم احتلالها من طرف البرتغاليين وتركوا فيها مباني مازال بعضها قائماً رغم مرور زمن طويل، وفِي 1912 كان التأسيس الفعلي لمدينة فضالة، وبداية تطورها الصناعي والديمغرافي وبروز سكاني يتقوى وينمو، وارتفع حسب إحصائيات سنة 1921 إلى 2500 نسمة ..المحمدية حالياً، اسم أطلقه عليها المغفور له محمد الخامس سنة 1959 بعدما كانت تحمل اسم فضالة على مر عقود من الزمن…
وفي لحظة تأمل وتفكير في ما قام به شباب القصبة خاصة وشباب مختلف أحياء المحمدية وأيضا تطوع كل شباب المغرب في مدنه وقراه عامة، يذكرنا ذلك بملحمة طريق الوحدة، ومادام شبابنا متحمس للتطوع والإصلاح وخدمة بلاده والصالح العام، فلماذا لا تفكر الدولة أو الجمعيات الجادة أو الأحزاب والنقابات في إحياء وتعزيز ثقافة التطوع والبحث عن صيغ لتنظيمها وإعطائها قوة الفعل والاستفادة منها، وبشكل منظم، وفيه حوافز للشباب المتطوع، الاستفادة من إنجاز مشاريع وطنية كبرى، وخاصة في القرى والمناطق النائية، وحتى في المدن، فلماذا لا تستغل هذه الثروة الشبابية التي يتوفر عليها المغرب، وذلك من خلال إحياء فكرة  طريق الوحدة بداية الاستقلال، والتي كانت فكرة المهدي بن بركة، عريس الشهداء، اقترحها وأشرف على تنفيذها، بحضور ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن، كمتطوع أول وبعد موافقة محمد الخامس رحمة الله عليه وتدشين انطلاقتها، وبهذا العمل التطوعي شقت وأنجزت سواعد شباب المغرب طريق الوحدة وطولها 80 كلم تربط بين تاونات وكتامة (السنة 1957).


الكاتب : م.الحسن باجدي

  

بتاريخ : 17/06/2020