كتب لها وقع 2/2 .. «لماذا أنا سلفي» لـ مايكل محمد نايت

ليس هذا الكتاب (الصحوة: النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية) مجرد سيرة ذاتية ساحرة لشخص مثير للجدل جداً، بل هو كتاب يتaجرأ على مواجهة أكثر القضايا تحدياً في العصر الحديث بأمانة فائقة.
ليس كتاب ديفيد ديوك (الصحوة) لضعاف القلوب، أو لأولئك المعتدّين بنظم معتقداتهم، بل لأولئك الذين لا يخشون من أن تحفزهم الحقائق والأفكار التي ربما تضع المعتقدات الراسخة موضع تساؤل. إنه كتاب ثوري تطوري ربما (يهز الحضارة من الأعماق) كما يقول غليد ويتني (Glade Whitney) العالم البارز في علم الوراثة السلوكي. يكرس ديفيد ديوك معظم كتابه لوجهة نظره في الأعراق وتضميناتها المجتمعية والتطورية، ولكنه حكاية مثيرة لرجل عرف بوصفه صورة كاريكاتورية رسمتها له وسائل الإعلام المعادية.

 

 

كتب مايكل محمد نايت بنجاحٍ باهرٍ مقالاتٍ ورواياتٍ منها «شيطانٌ أزرق العينين: طريق أوديسي عبر أمريكا الإسلاميَّة»، تناول فيها تجوالَه مسافة عشرين ألف ميلٍ عبر الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والتي سجل فيها تقارير عن تاريخ أمريكا والإسلام.
بحثٌ مفصلٌ في الإيمان
كتب مايكل محمد نايت بنجاحٍ باهرٍ مقالاتٍ ورواياتٍ منها «شيطانٌ أزرق العينين: طريق أوديسي عبر أمريكا الإسلاميَّة»، تناول فيها تجوالَه مسافة عشرين ألف ميلٍ عبر الولايات المتحدة الأمريكيَّة، والتي سجل فيها تقارير عن تاريخ أمريكا والإسلام.
إنَّ تلخيص كتابٍ كهذا لا يمكنه ربما أنْ يوفيه الحق الذي يستحقه العمل في الواقع. أما عرض أفق أبحاث وأفكار نايت دون سبر الموضوع بعمق مماثل فيكاد يكون غير ممكن.
لكن ربما كانت التفاصيل ليست مهمةً مقارنةً بمسألة بذله الجهد في سبيل إنجاز هذا العمل. وربما اعتبر البعض أنَّ بحثه التساؤلي في حقيقة النصوص المختلفة مؤشرٌ على عدم إيمانه، حتى وإنْ كان الواقع عكس ذلك. إنَّ وصفه لمشاعره عندما يصلِّي في المسجد، أو كيف أنَّ بعض آيات القرآن تدفعه للبكاء، يوجب إزالة أيِّ شكٍ بعمق وصدق إيمانه.
أولئك الذين يعرفون أعمال نايت السابقة والتي اتسمت بأسلوب سردها السلس والمباشر والعفوي عليهم أنْ يتوقعوا شيئًا آخر في كتاب «لماذا أنا سلفي»، فبينما يأخذنا نايت معه في عملية التفكيك وإعادة التركيب وعبر تاريخ الإسلام الاجتماعي والسياسي وصعود وسقوط المذاهب المختلفة تأخذ كتابته منحًى بطيئًا، وينسحب هذا الأسلوب على دراسته المتأنيَّة لنشوء الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكيَّة.
لكنْ من وقتٍ لآخر يبدو وأنَّه يهاب العقبات التي تفرضها مبادئ البحوث الأكاديميَّة على كتابته. وربما يُعتبر هذا تعبيرًا على انفصامٍ غريبٍ في شخصيته، ولكنَّ الحقيقة مختلفةٌ عن ذلك، إذ يحاول مايكل محمد نايت على مدى الجزء الأكبر من الكتاب أن يحلـِّل إيمانه عقلانيًا، لكنه يثبت بعد ذلك لنفسه ولقرَّائه أنَّ الدين والإيمان ليسا أمرين يمكن تفكيكهما وإعادة تركيبهما، فعلى الرغم من القدرة على تحليل النصوص ومناقشة تاريخها، إلا أنَّها بالنسبة للإيمان ليست سوى أساسٍ أو نقطة انطلاق.
الشيء الرائع في هذا الكتاب وفي صياغات نايت الأدبيَّة أنَّ صوته لا يتغيّر أبدًا، فسواء أكان يبحث في الأساليب المختلفة الممكنة لترجمة كلمةٍ عربيَّةٍ إلى اللغة الإنكليزيَّة وكيف تُغيِّر الترجمة معنى النص، أم كان يكتب عن الهلوسة عند تعاطي المخدرات، فيمكن للقارئ أنْ «يسمع» دائمًا الشخص من كل جوانبه، حتى وإنْ انعدم الشك بالحاجة إلى الوقت من أجل استيعاب الكتاب والتفكير به، إلا أنَّه ما من شأن أحدٍ آخر غير نايت أنْ يكتب في هذا الموضوع ويجعله قريبَ المنال هكذا أصلًا، فهو يعرض مضامين علميَّةٍ بأسلوبٍ تعبيريٍ شغوفٍ وغير جافٍ، فيجعلها مثيرةً للاهتمام حتى بالنسبة لغير المسلمين.
على الرغم من عدم الإجابة عن سؤال «لماذا أنا سلفي» المطروح في العنوان، كما قد يتوقع المرء في البداية، وحتى وإنْ كان من شأن كثرٍ الاعتراض على الإجابة بشدِّة، ينبغي أن يقرأ الكتاب جميع المهتمون بالدين بشكلٍ عامٍ وكلُّ من يودُّ أنْ يفهم الإسلام بشكلٍ أفضل. ربما كان هذا العمل الأكثر نضجًا بين أعمال نايت، وذلك ليس لأنَّه يستمر ببحثه الشخصي في الدين الذي اختاره وحسب، بل لأنَّه يفعل ذلك بأسلوبٍ يُزيل الكثير من الافتراضات الخاطئة عن الإسلام.


الكاتب : ريشارد ماركوس / ترجمة: يوسف حجازي

  

بتاريخ : 16/07/2020

//