كيف تدبّر الدولة الأزمات الصحية؟ .. بعد السارس.. المخطط الوبائي للتصدي لأنفلونزا الطيور ودورية 2006

لجنة القيادة أو لجنة التنسيق المركزية..  مهام وأولويات تقرّرها شخصيات عسكرية ومدنية .. حين شكّل الراحل الحسن الثاني لجنة لمواجهة الجراد

كثيرون لم يكونوا على علم بأن هناك لجنة للقيادة ولتتبع الوضع الصحي الذي تمر منه بلادنا اليوم – والعالم بأسره-، بسبب فيروس كورونا المستجد المعروف بـ «كوفيد 19»، في حين أن آخرين علموا بها مؤخرا فقط، ويعتقدون بأن هذه اللجنة، من حيث المضمون، هي وليدة اللحظة، وبأن هدفها محدّد في الزمان، وبأن عمرها الافتراضي مرتبط بـ «انقراض» الفيروس وإيجاد علاج ولقاح مضاد له. وبينهما توجد فئة، على اطلاع بتواجد هذه اللجنة منذ جائحة الأنفلونزا لسنة 2006، حيث تم تأكيد الشكل القانوني لها. كثيرون لم يكونوا على علم بأن هناك لجنة للقيادة ولتتبع الوضع الصحي الذي تمر منه بلادنا اليوم – والعالم بأسره-، بسبب فيروس كورونا المستجد المعروف بـ «كوفيد 19»، في حين أن آخرين علموا بها مؤخرا فقط، ويعتقدون بأن هذه اللجنة، من حيث المضمون، هي وليدة اللحظة، وبأن هدفها محدّد في الزمان، وبأن عمرها الافتراضي مرتبط بـ «انقراض» الفيروس وإيجاد علاج ولقاح مضاد له. وبينهما توجد فئة، على اطلاع بتواجد هذه اللجنة منذ جائحة الأنفلونزا لسنة 2006، حيث تم تأكيد الشكل القانوني لها. فما هي مكونات هذه اللجنة، وكيف ومتى تم تشكيلها فعلا، وما هي أهدافها، وهل يتعلق الأمر بلجنة واحدة أو بعدة لجان، لتدبير الأزمات والحفاظ على الأمن الصحي للمواطنين والمواطنات؟

 

أكدت الأزمات الصحية المتعددة التي عاشها العالم، والتي تعاقب بعضها على المغرب، في حين لم تطله أخرى بشكل مباشر، ضرورة إحداث جهاز مركزي، قادر على تجميع كل المعطيات الوبائية في ارتباط بكل القطاعات ومناحي الحياة اليومية، وعلى اتخاذ القرارات العاجلة وفقا للتطورات اللحظية، وما تستتبعها من تداعيات، يكون من المهم حصر دائرة اتساعها.
تدابير قد تكون شأنا حكوميا صرفا، تحسم في تفاصيله الحكومة، لكن في بعض الحالات وأمام بعض «المطبّات» الإدارية وبعض التفاصيل الروتينية، قد يقع نوع من التلكؤ أو التعثر، الذي قد لا يكون مفيدا وقد يحدّ من نجاعة القرارات المتخذة، وهو ما يفرض إحداث «إطار بديل»، يحضر فيه صانع القرار على مستوى المؤسسة التنفيذية، إلى جانب متدخلين آخرين، لهم هامش واسع من الصلاحيات القانونية، حتى تتّسم الإجراءات المتخذة بالفاعلية والنجاعة.

امتحان اجتياح الجراد

مرت على المغرب سنوات غزا فيها الجراد جزءا مهما من التراب الوطني، كما هو الحال بالنسبة لعدد من الدول الأخرى، ومن بينها مرحلة أواسط الثمانينات، وهو ما دفع الراحل الحسن الثاني إلى تشكيل لجنة آنذاك، عُهد إليها بمتابعة وضع الجراد والعمل على مواجهته، من خلال جملة من التدابير التي يمكن اتخاذها في هذا الصدد، حماية لمنتوجاتنا الفلاحية وثروتنا الطبيعية.
لجنة لم تنته مهمتها بـ «انتهاء» الجراد، وإنما ظلت حاضرة مستمرة وجاهزة للتدخل في كل وقت وحين، للتعامل مع مختلف المتغيرات التي قد تتهدد البلاد، خاصة وأنها كانت تضم شخصيات مدنية وعسكرية تمثل قطاعات مختلفة.

أوبئة ودورية

شهد العالم خلال القرن 21 ظهور مجموعة من الأمراض والأوبئة التي تسببت في وفيات وإصابات، تفاوتت حصيلتها من دولة إلى أخرى، كما هو الحال بالنسبة لمرض «السارس»، ما بين 2002 و 2003، ثم أنفلونزا الطيور ما بين 2004 و 2005، التي تم الشروع في التحضير لها، رغم أنها لم تمسّ آنذاك المغرب، لكن تم اتخاذ التدابير الوقائية التي كانت تشكل خطوة مهمة وضرورية، وفقا لتحذيرات منظمة الصحة العالمية، فتم الإعداد لهذه الجائحة وتهييء مخطط وطني أواخر سنة 2005، الذي لم يكن جاهزا إلا في بداية سنة 2006، حيث قدّم تفاصيله وعرضها وزير الصحة آنذاك، محمد الشيخ بيد الله، أمام المجلس الحكومي، وصدرت تعليمات ملكية لكي يدخل إطار مركزي للقيادة على الخط.
هذا المعطى دفع إلى منح اللجنة شرعية الوجود القانوني، إذ أصدر «رئيس الحكومة» في فبراير سنة 2006، أي الوزير الأول خلال تلك الفترة، دورية تهمّ تشكيل لجنة «بين وزارية» من أجل تدبير الأزمات، مكلّفة بتنسيق مجهودات الدولة ضد كل احتمال وخطر وبائي، آنذاك كان يتعلق الأمر بالأنفلونزا، وبناء عليها تم اتخاذ القرار وتحديد مهامها في هذا الإطار، حتى تعمل على متابعة الترتيبات والإجراءات المقررة في إطار مخطط وطني للمواجهة. وتقرر أن يترأس اللجنة «الوزير الأول» أو وزير يكلفه بهذه المهمة، يساهم في تسطير السياسة العامة للوقاية والمواجهة وإعداد الوسائل اللازمة للتعامل مع مثل هذه الوضعيات.

إدارة وتواصل

تشكيل اللجنة وفقا للدورية التي تم إصدارها من أجل «شرعنة» مهامها وتدخلاتها، نصّ على إحداث لجينتين لمساعدة الوزير الأول أو الوزير المكلّف، ويتعلق الأمر باللجنة الإدارية والمالية المكلفة بوضع سياسة وتصور مالي وتسطير ميزانية لكل عملية/مرحلة، وتوفير الإمكانيات الخاصة بالوقاية الفردية وتلك التي تهمّ مجال الصحة في أحسن الظروف، على مستوى الجودة والآجال والكلفة، والتي يترأسها وزير الداخلية. ثم اللجنة المكلفة بالتواصل المؤسساتي، التي كان من المفروض أن تهتم بالجانب التواصلي وتقدم المعلومات الرسمية حول تدبير الأزمة، الموجّهة إلى الرأي العام وممثلي الصحافة من كافة المنابر الإعلامية، الوطنية والدولية، وتم التنصيص على أن يترأس هذه اللجينة الوزير الناطق الرسمي بالحكومة.

مركز القيادة والتنسيق

تنسيق الجهود بين كل المتدخلين والفاعلين وضمان فعالية على مستوى الأداء، من خلال ما نصّت عليه الدورية، خلص إلى ما أُطلق عليه «لجنة التنسيق المركزية»، وهي التسمية التي تم تفضيلها واعتمدت عوضا عن لجنة القيادة المركزية، والتي ترأسها الجنرال حسني بنسليمان، في حينه، وبالموازاة معها تم إحداث لجان للتنسيق إقليمية، يترأسها الولاة والعمّال، مهمتها تنسيق التدابير والعمليات المسطرة على صعيد كل المستويات.
لجنة التنسيق المركزية، اللجنة بين وزارية، التي تم تكليفها «رسميا» بتنسيق الجهود والمبادرات التي لها صلة بالاستعداد للتصدي للجائحة الوبائية المتمثلة في الأنفلونزا، شكّلت النواة الصلبة لكل العمليات، وضمّت في عضويتها مسؤولين مركزيين يمثلون وزارات الداخلية، الصحة، الفلاحة، التربية الوطنية والتعليم العالي، السياحة، التجهيز والنقل، ومفتشية الصحة بالقطاع العسكري، إلى جانب الوقاية المدنية، والمندوبية السامية للمياه والغابات.
مسؤولون، لم يكونوا فقط منتدبين من طرف قطاعاتهم، وإنما خُوّل لهم اتخاذ كل التدابير الضرورية التي لها صلة بالاستعدادات لمجابهة الجائحة، علما بأنه يمكن للجنة التنسيق المركزية دعوة ممثلين عن قطاعات ومؤسسات أخرى متى كان ذلك ضروريا، أخذا بعين الاعتبار أن قطاع المال والأعمال الخاص، له حضور داعم في عمل اللجنة أيضا، وذلك من خلال تواصل مؤسساتي ورسمي مع ممثليه.

مهام جسام

شكّلت لجنة التنسيق المركزية صمّاما للأمان، وتم تحصينها بالإمكانيات البشرية واللوجستيكية، لكي تتسم تدخلاتها بالفعالية والنجاعة، ولأجل ذلك عملت على تسطير جملة من الخطوات لضمان استمرار المبادرة الحكومية وحتى تكتسي خطواتها صبغة عملية وإجرائية، وعملت في هذا الإطار على تعريف وتحديد وتقييم الحاجيات والموارد الضرورية، البشرية واللوجستيكية والمالية، والإعداد القبلي لتوزيعها على المواقع الجغرافية العرضة للخطر، وتقسيمها على لجان التنسيق الإقليمية لكي يتم توظيفها جهويا وإقليميا، واتخاذ كل التدابير الكفيلة بحماية المواطنين وتحسيسهم بالخطوات الوقائية الواجب اتخاذها والقيام بها لتفادي مخاطر العدوى وانتشار الفيروس، وذلك بناء على توصيات منظمة الصحة العالمية.
مهام متعددة، تشمل كذلك تجهيز وسائل التواصل خلال الأزمات، وإعداد تمارين المحاكاة، مع تعريف وتحديد طبيعة ونوعية المساعدات الدولية التي قد يكون المغرب في حاجة إليها، إذا دعت الضرورة لذلك، فضلا عن التنسيق فيما يخص الإجراءات لتدبير أولويات التموين وتوزيع المواد الأولية الضرورية، ومراقبة الأسعار ومواجهة كل أشكال الغش والاحتكار، إلى جانب تنسيق الجهود مع القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية التي يمكنها تقديم المساهمة وتعزيز المجهودات المبذولة على مستوى الوقاية لمواجهة الوباء. دون إغفال مهام أخرى تضطلع بها لجان التنسيق الإقليمية والعلاقة مع اللجنة المركزية في كل صغيرة وكبيرة في هذا الباب.

أوبئة «متقلّبة» ولجنة «قارّة»

تغيرت، خلال العشرين سنة الأخيرة، الأوبئة، إما على مستوى التسمية أو الشكل، في الوقت الذي حافظ بعضها على صلته بـ «المكوّنات الأم»، فبعد السارس الذي عرفه العالم في 2003، جاء الدور على أنفلونزا الطيور في 2005، ثم فيروس AH1N1 الذي تمت تسميته بأنفلونزا الخنازير الذي ظهر في المكسيك في 2009، وطالت عددا مهما من المواطنين المغاربة، وظلت حاضرة إلى أن «غابت» عن مجهر المختصين في مارس 2010، حين أعلنت منظمة الصحة العالمية تحولها إلى أنفلونزا موسمية.
وفي 2012 ظهر فيروس الكورونا في الشرق الأوسط، الذي تمت تسميته بـ «ميرسكوف»، الذي لم ينتقل إلى المغرب، ورغم ذلك كانت هناك استعدادات للتعامل معه، ثم إيبولا في 2014، التي لم تسجل هي الأخرى حضورها في المغرب، إلا أن ذلك لم يمنع من اتخاذ جملة من الإجراءات والتدابير الوقائية للحيلولة دون ذلك أو وقف تطورها في حالة العكس. وفي 2015 تسببت حشرة في نقل فيروس زيكا، وأخيرا في نهاية سنة 2019، ظهر فيروس كورونا المستجد أو ما اصطلح عليه بـ «كوفيد 19»، الذي يواصل انتشاره في ظل غياب دواء مضاد له أو لقاح كفيل بمنح مناعة للجسم لمواجهته، لحدّ الساعة، باستثناء التوصيات الوقائية.
خلال كل هذه الأشواط والمراحل التي قطعها المغرب، سواء تعرَّض فيها لفيروس من هذه الفيروسات أو تمكّن من تجنّبها، كانت لجنة التنسيق المركزية – لجنة القيادة، حاضرة وفاعلة، وإن كانت دورية 2006 قد حدّدت مهمتها في مواجهة أنفلونزا الطيور، إلا أن أداءها تميّز بالاستمرارية، حتى مع تغير الشخوص، وهو ما كان موضوع تنويه وإشادة من طرف خبراء دوليين خلال زيارات تم خلالها الوقوف على الأشواط التي قطعتها هذه اللجنة.
لجنة وإلى جانب تعبئتها لمواجهة الفيروسات والأوبئة وكل المخاطر الصحية، وقدرتها على اتخاذ القرار المناسب في اللحظة الضرورية، فقد استطاعت أن تحدث بنيات للتعامل مع الوبائيات، كما هو الحال بالنسبة لوحدة العزل بمستشفى مولاي يوسف في الدارالبيضاء، خلال مرحلة «أنفلونزا الخنازير»، وعادت لكي تعمل على تصحيح وضعيتها في مرحلة إيبولا، كما شهدت إصلاحات أخرى مؤخرا، لأن وضعها كان يطاله نوع من التردّي بتعاقب السنين؟

القيمة المضافة

وجود لجنة التنسيق المركزية، بشكلها وطبيعتها واتساع هامش تدخلاتها ومهامها، لا يلغي وجود لجنة مختصة على مستوى وزارة الصحة التي تشتغل بمديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض، التي لها حضورها ورؤيتها، لكنها قد تظل أحادية الجانب ولا تستحضر كل الرهانات والإكراهات، وبالتالي يمكنها تقديم مقترحات في كل ما يتعلق بالوبائيات واللحظات العصيبة التي قد تمر منها بلادنا على المستوى الصحي، ونفس الأمر يسري على المركز الوطني لطوارئ الصحة العامة، الذي جاء إحداثه تفاعلا مع توصيات منظمة الصحة العالمية، والذي له مهامه وأدواره، إذ من شأن كل هذه «الآليات» تحقيق نوع من التكامل، بتقديم الرؤى والمقترحات، حتى يتسنى في نهاية المطاف اتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة، وتحصّن الوطن والمواطنين، من أية تداعيات غير مرغوب فيها.


الكاتب : وحيد مبارك

  

بتاريخ : 12/03/2020

//