محمد منصور، الرجل ذو القبرين (13) : المسافة بين الفداء والمقاومة في وعي محمد منصور

تقول عنه زوجته، ورفيقة درب حياته، في رحلة عمر امتدت لأكثر من 70 سنة، السيدة فريدة آكاردي كالودجيرو منصور:
«لو سمح الله للملائكة أن تمشي في الأرض وتتزوج، لكان سي محمد منصور واحدا منها».
إنه المقاوم والوطني والمناضل التقدمي الراحل محمد منصور، الذي سنحاول هنا رسم ملامح سيرة حياته، بما استطعنا إليه سبيلا من وثائق ومعلومات وشهادات. فالرجل هرم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حكم عليه بـ 3 إعدامات و مؤبدين في الإستعمار واعتقل وعذب في الإستقلال من أجل الكرامة والديمقراطية.
هو المساهم والمنفذ لأكبر عمليات المقاومة ضد الإستعمار الفرنسي (عملية القطار السريع بين الدار البيضاء والجزائر يوم 7 نونبر 1953. وعملية المارشي سنطرال بالدار البيضاء يوم 24 دجنبر 1953)، أول عامل للحسيمة سنة 1957، وأول رئيس للغرفة التجارية بالدارالبيضاء سنة 1960.
محمد منصور، هرم، يصعب جديا الإحاطة بسيرته بالشكل المنصف تاريخيا، على الأقل لسببين:
أولهما أن الرجل كان صموتا جدا، يرفض بحزم، البوح أبدا بالكثير من التفاصيل الدقيقة كشهادة أمام التاريخ، بسبب من ثقافته السلوكية، التي ظلت تتأسس على أن ما كان يقوم به، كان يقوم به بنكران للذات من أجل الصالح العام.
ثانيهما طبيعة السرية التي حكمت عمله النضالي ضد الإستعمار وفي أجزاء كثيرة من زمن الإستقلال من أجل العدالة الإجتماعية ودولة الحق والقانون والحريات.
وإذا كانت هناك من خصلة ظلت مميزة عند محمد منصور فهي خصلة الوفاء. الوفاء لرفاق الطريق الخلص، الوفاء للفكرة الوطنية، الوفاء لقرار نظافة اليد، الوفاء للمبدئي في العلائق والمسؤوليات، مما يترجم بعضا من عناوين الجيل الذي ينتمي إليه رحمه الله، الذي يتصالح لديه الإلتزام السياسي مع السقف الوطني، وأن السياسة ليست مجالا لبروز الذات، بل مجالا لتطوير الجماعة في أفق بناء، تقدمي وحداثي (الحداثة هنا هي في تلازم المسؤولية بين الحق والواجب).
محمد منصور، ستكتب عنه كل صحف فرنسا الإستعمارية (ونقلت صدى ذلك صحف باريس أيضا)، يوم وقف أمام القاضي العسكري بالمحكمة العسكرية بالدار البيضاء سنة 1954، كي يفند التهم الموجهة إليه ويفضح تهافت جهاز الأمن الفرنسي في كافة مستوياته الأمنية والعسكرية والمخابراتية، حين أظهر لهم كيف أنهم يحاكمون سبعة مواطنين مغاربة ظلما بتهمة تنفيذ عملية «القطار السريع الدارالبيضاء – الجزائر»، بينما هو منفذها، مقدما تفاصيل دقيقة أخرست القاعة والقضاة والأجهزة الأمنية. وقدم مرافعة سياسية جعلت مستشارا قضائيا فرنسيا يجهش بالبكاء، حين رد على القاضي، الذي اتهمه بالإرهاب: «سيدي القاضي، نحن وطنيون ندافع عن بلدنا، ولسنا إرهابيين، نحن نقوم فقط بنفس ما قام به الشعب الفرنسي لمواجهة النازية الألمانية لتحرير فرنسا. فهل ما قام به أبناؤكم إرهاب؟».
هنا محاولة لإعادة رسم ذلك المعنى النبيل الذي شكلته سيرة حياته، من خلال مصادر عدة، من ضمنها عائلته الصغيرة (زوجته السيدة فريدة منصور، ونجله الأخ زكريا منصور، وابنته السيدة سمية منصور)، وعشرات الوثائق الموزعة بين مصادر عدة فرنسية ومغربية، دون نسيان الأيادي البيضاء المؤثرة للأخ الدكتور فتح الله ولعلو، في تسهيل إنجاز هذه السيرة كوثيقة تاريخية.

 

 

يحكي محمد منصور تفاصيل مهمة حول نوعية العمليات التي نفذها تنظيم المقاومة، الذي كان ينتمي إليه بالدار البيضاء، ضد السلطات الإستعمارية ما بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، والخلفية التي تحكمت في تلك العمليات، على مستوى الفكرة والتهييئ والتنفيذ. مميزا بين مستويين منها، واحد فردي قام به شباب وطنيون مغاربة كرد فعل ضد التصعيد الفرنسي خلال سنوات بداية الخمسينات، وهو هنا يقدم تفاصيل عن نموذج العملية التي قام بها الشهيدان عبد اللطيف بنقدور وكينكو. ثم عمليات وصفها ب «النوعية»، أنجزها فريق من الوطنيين المغاربة، بشكل مدقق ومحدد سلفا، وفي تواريخ مختارة بعناية، الغاية منها توجيه رسالة سياسية ذات دلالة (كما يقول) إلى العالم، وليس فقط إلى المستعمر الفرنسي. مقدما كدليل العمليات الكبرى النوعية التي نفذت في ما بين نونبر 1953 و يوليوز 1954، منذ عملية القطار السريع الدار البيضاء – الجزائر العاصمة التي نفذها هو رفقة محمد السكوري، حتى اغتيال الدكتور إيرو مدير مجموعة «ماس» الصحفية الإستعمارية التي نفذها الشهيد أحمد الحريزي والمرحوم إبراهيم فردوس.
بخصوص عملية الشهيدين عبد اللطيف بنقدور وكينكو، يؤكد محمد منصور، أنهما شابان من درب السلطان، عايشا الأحداث الدامية العنيفة بدرب الكبير الفاسي العفو يوم 7 أبريل 1947، المعروفة ب «ضربة ساليغان»، وأنهما حرفيان بسيطان كانا يقاومان من أجل كسرة خبز نظيفة، لكن وعيهما الوطني كان عاليا، بدون أي تأطير جمعوي أو حزبي. وأن امتلاكهما لوعي سياسي لن يتحقق سوى بعد اعتقالهما، واحتكاكهما بسجن «غبيلة» (السجن المدني) مع مجموعة الشهيد أحمد الراشدي، ثم مسار محاكمتهما بما صاحبه من مرافعات وتنسيق مع المحامين. أما في البداية، فإن فعلهما لم يكن سوى رد فعل عنيف ضد رموز السلطة الإستعمارية، الممثلة في عناصر الشرطة الفرنسية. والسبب في اختيارهم لعناصر تنتمي إلى ذلك الجسم الإستعماري، هي الأخبار التي كانت تنتشر حول الإعتداءات المتواصلة التي كانت بعض مجموعات العناصر الأمنية التابعة ل «بونيفاص»، بصفته قائد منطقة الدار البيضاء العسكري والأمني، ضد المواطنين المغاربة العزل (للإشارة، كان بونيفاص قد أعيد إلى منصبه ذاك، يوم 28 نونبر 1952 بعد أن أحيل شهرا قبل ذلك على التقاعد، كما يشير إلى ذلك ألبير عياش في مقالة له أعيد نشرها بتاريخ 8 دجنبر 2011 بيومية «الإتحاد الإشتراكي» المغربية). ومن ضمن تلك الإعتداءات ما سجل بالحي الصناعي عين السبع من تصفية مواطنين مغربيين من قبل شرطيين فرنسيين، كانا عائدين من عملهما ليلا، والتي لم يتابع فيها أحد بدعوى الدفاع عن النفس.
مما يؤكده سي محمد منصور، أنه لم يكن يعرف الشهيدين بنقدور وكينكو ولم يسبق له أن التقى بهما أبدا. لكن الذي حكى له تفاصيل قصتهما هو الشهيد أحمد الراشدي، حين وضع معه في زنزانة واحدة بسجن «غبيلة» (حين تذكر منصور بعض تفاصيل علاقته بالشهيد الراشدي، وكيف أنه اكتشف بالسجن أنه من أقاربه من جهة أخواله ووالدته، بكى بكاء حارا طويلا. كان منصور متوجسا في البداية من الشهيد الراشدي حين تم وضعه معه في الزنزانة، حيث كان يعتقد أنه مجرد معتقل مندس يريد استدراجه في البوح والكلام، فبقيت علاقتها فاترة باردة لأيام).
تتلخص عملية بنقدور وكينكو الفدائية، في استفرادهما بضابط شرطة فرنسي في مكان قفر بالحي المحمدي، حيث اعتديا عليه بالسلاح الأبيض فأردياه قتيلا وحصلا على مسدسه وعدد من الرصاصات الحية. اختفيا عن الأنظار مدة، ثم قررا تكرار المحاولة، بذات الطريقة وفي ذات الحي، مع مفتش شرطة فرنسي آخر، حاولا تصفيته بالمسدس الذي أصبح بحوزتهما، لكن المحاولة لم تنجح تماما، بسبب سوء التخطيط لها، وأن عملياتهم يحركها رد الفعل فقط، فكان أن جرح ذلك المفتش، الذي تمكن من التعرف على ملامحهما ولباسهما، فأطلقت حملة سريعة مشطت المنطقة، فوقعا بسرعة في الأسر.
كان ذلك في نهاية سنة 1952، أياما قليلة، بعد الأحداث الدامية بالحي المحمدي وزنقة لاصال بوسط المدينة، التي سقط فيها العشرات من المواطنين المغاربة العزل، رجالا ونساء بالرصاص الحي (ضمنهم والدة الفنان والممثل المغربي محمد مفتاح، التي قتلت برصاصة وهو لما يزل رضيعا على ظهرها، وكم حكى لي كيف أنه كان يلعب بدم أمه الفائر دون أن يكون واعيا بمأساة حياته). وصادف أن قاضي التحقيق الذي كلف بإجراء البحث القضائي معهما، هو القاضي الفرنسي «جيليزو»، الداهية المستقدم خصيصا من الجزائر للتحقيق مع الوطنيين والنقابيين والمقاومين المغاربة وطبخ الملفات ضدهم. وبعد أيام من المحاكمة صدر في حقهما حكم الإعدام في بداية سنة 1953، ولم ينفذ فيهما سوى بعد نفي السلطان محمد بن يوسف بأسابيع، في أكتوبر من سنة 1953، بمنطقة خلاء بحي العنق بالدار البيضاء، قرب منار المدينة الكبير، غير بعيد عن حي «المخازنية» الشهير، حيث تم إيقافها قبالة المحيط فجرا ونفذ فيهما الإعدام رميا بالرصاص. لكن، قبل تنفيذ ذلك الحكم بلحظات، وكان حاضرا (كما تفرض ذلك ضوابط الإجراءات القانونية) فقيه مغربي والقاضي الذي أصدر الحكم وممثل السلطات المدنية والعسكرية والأمنية، وكذا قاضي التحقيق «جيليزو». فالتفت إلى قاضي التحقيق ذاك، الشهيد عبد اللطيف بنقدور (الذي يحمل اسمه منذ سنوات واحد من أهم شوارع وسط الدار البيضاء بحي آنفا)، قائلا له:
«السيد جيليزو. إني أنتظرك هناك في الجهة الأخرى. لن أتزحزح حتى تأتي بدورك إلى هناك».
ارتعب قاضي التحقيق ذاك، وتراجع إلى الوراء.
أما بخصوص العمليات النوعية الكبرى، التي نفذتها مجموعة محمد منصور للمقاومة المسلحة، فإنها تعكس وعيا آخر في مستوى المواجهة التي بلغها النضال الوطني للمغاربة حينذاك، ميزته الأساسية هي الدقة في التنظيم وفي اختيار الأهداف وفي الرسائل ذات الدلالات الموجهة من خلالها. لقد قدم ذلك المستوى التنظيمي الذي بلغه الكفاح الوطني، الصاعد من أوساط عمالية وحرفية مدينية، الدليل على انعطافة في مسار الحركة الوطنية المغربية منذ بداية احتلال المغرب في مارس 1912، وحتى قبلها منذ احتلال الدار البيضاء سنة 1907 ووجدة سنة 1908. إذ، علينا الإنتباه، هنا، أنها مرحلة تصاعدية للمواجهة، انطلقت مدينيا منذ بداية الثلاثينات مع صدور الظهير البربري سنة 1930، بشكل سلمي من خلال مطالب سياسية إصلاحية، لكنها ووجهت دوما بالرفض والعنف والسجن والنفي والإعتقال. وأن ذلك الرد الإستعماري هو الذي شكل الأرضية لعودة للمقاومة المسلحة ضد المحتل، في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات (خاصة في المرحلة ما بين 1952 و 1956)، تماما مثلما كانت المقاومة الأولى للمغاربة في المرحلة الأسبق، ما بين 1912 و 1936، مقاومة مسلحة عنيفة وقوية قدم بخصوصها أرقاما كبيرة المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان، تجاوزت 200 ألف قتيل مغربي وما لا يقل عن 112 ألف قتيل في صفوف القوات الإستعمارية الفرنسية (بما فيها قوات الكوم). لكن نقطة الإختلاف بين المقاومة المسلحة الأولى، البكر، التي كانت عبارة عن «هبات جهادية» بما ملكته اليد من وسائل مقاومة وأسلحة عتيقة، عن المقاومة المسلحة لسنوات بداية الخمسينات، هو أن الأولى كانت قبلية، بدوية وفلاحية بخلفية دينية، بينما الثانية هي مقاومة شبابية عمالية مدينية، بخلفية حداثية، متساوقة مع منطق المقاومة ضد الإستعمار تحرريا، كما هو متحقق في الكثير من الجغرافيات بالعالم، في آسيا وإفريقيا.
هذا معطى سوسيو تاريخي، جد هام، لم يسلط عليه الضوء كثيرا في الدراسات التاريخية المغربية الخاصة بالمقاومة المسلحة ضد الإستعمار. بالتالي، فإن جيل محمد منصور، والمجموعات التي كان ينتمي إليها كخلايا للمقاومة بمدينة عمالية مثل الدار البيضاء، وبحي استراتيجي بها، هو حي درب السلطان (له مكانة سياسية بحكم تواجد القصر الملكي فيه. وله مكانة اجتماعية من خلال تواجد المحاكم الشرعية به، ثم استقرار فئة كبيرة من التجار والحرفيين والعمال بأحيائه)، إنما يندرج ضمن ذلك التحول المسجل في البنية الاجتماعية للمغاربة، وفي ما بلوره واقع التراكم السياسي والتنظيمي والنضالي في حياتهم، وهم يسعون للحصول على حريتهم وقرارهم السيادي الوطني كدولة قائمة لها شرعية تاريخية وعمق حضاري ممتد على قرون، من مستوى تنظيمي عقلاني، له منطلقات واضحة وله أهداف محددة. وأن شعار تلك الأهداف، كما منحه تطور الصراع مع الإقامة العامة الفرنسية، أصبح هو: «بن يوسف إلى عرشه».
لقد أصبح الشعار ذاك هو المغزى الممثل لمعنى السيادة المغربية ولمعنى القرار الوطني المغربي، شعبيا. وأن كل التفاصيل المتراكبة حوله، هي التي شكلت ما عرف ب «ثورة الملك والشعب»، التي بقيت خالدة كاجتهاد مغربي في معنى استحقاق القرار الوطني المستقل، الحر، ضمن مهرجان أشكال المقاومات الشعبية والوطنية التي أفرزتها جماعات بشرية ومجتمعات أخرى عبر العالم، من قبيل الثورة الجزائرية والمقاومة الفيتنامية والمقاومة الفلسطينية وغيرها كثير.
كان ذلك الشكل النضالي المغربي، هو العلامة المغربية التحررية ضمن باقي علامات النضال التحرري بالعالم. فولد أبطال جدد من خلاله، بخصوصية مغربية، هي حركة مقاومة وطنية، شعبية، منسقة ومتكاملة مع وطنية ملك أدرك أن شرعيته التاريخية والسياسية لا تكتمل بغير شرعيته الوطنية والشعبية. فولد جيل محمد منصور ومحمد الزرقطوني إلى جانب قائد وطني كبير، كان رجلا لحظة الإمتحان أمام المقيم العام وأمام «قوة فرنسا الإستعمارية»، هو الملك الوطني محمد الخامس. كان ذلك تدشينا لرمزيات مغربية خالصة.


الكاتب : لحسن العسبي

  

بتاريخ : 15/07/2019

أخبار مرتبطة

سيبحر معنا القارئ من خلال هاته الحلقات في ملفات تتسم بالرعب جراء أفعال إجرامية قام بها متهمون أدانهم القضاء نهائيا

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ كانت مصادفةً أَن أكونْ ذَكَراً … ومصادفةً أَن أَرى قمراً شاحباً مثلَ ليمونة يَتحرَّشُ

يتحصل مما أسلفناه أنه بتثميننا لهذا التوجه إنما نؤشر إلى محاولات لتنشيط المخيال تعمل على زحزحة الحدث التاريخي بناء للحدث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//