هل قانون 1920 أرحم من قانون 2020؟

 

انشغل الرأي العام الحقوقي والاقتصادي والمالي بالقرار الذي اتخذته الحكومة بحشر قاعدة قانونية لا تدخل في اختصاص القانون المالي، في قلب قانون المالية لسنة 2020، وما خلف ذلك من ردود أفعال قوية تجاوزت ما كان منتظرا، إلى درجة تنظيم وقفة احتجاجية من قبل نقباء المحامين، الذين أرادوا دق ناقوس الخطر قبل دخول تلك المادة حيز التطبيق .
ومن المفيد التذكير بكون هذه القاعدة القانونية التي سبق للحكومة أن أرادت حشرها في القانون المالي السابق غير أنها تراجعت عنها تحت تأثير رد الفعل الذي ووجهت به آنذاك (يرجى الاطلاع على مقال سابق بخصوص المادة 8 من قانون المالية الأسبق (.
ومما زاد في حالة الاحتجاج هو أن تلك القاعدة المحشورة في قانون المالية، تم التصويت عليها بالإجماع، وهو ما سيعقد إمكانية التراجع عنها .
إن الأمر يتعلق بالمادة 9 من قانون المالية لسنة 2020 الذي تنص، وفقا للصيغة التي صوت عليها مجلس النواب بالإجماع، على ما يلي :
يتعين على الدائنين الحاملين لأحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة والجماعات التر ابية ومجموعاتها ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارات العمومية والجماعات الترابية المعنية .
في حالة صدور حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ، يلزم الدولة أو جماعة ترابية أو مجموعاتها بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل تسعين( 90) يوما ابتداء من تاريخ الإعذار بالتنفيذ في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية لهذا الغرض، وفق مبادئ المحاسبة العمومية، وألا يتم الأداء تلقائيا من طرف المحاسب العمومي داخل الآجال المنصوص عليها بالأنظمة الجاري بها العمل في حالة تقاعس الآمر بالصرف عن الأداء بمجرد انصرا م الأجل أعلاه .
وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة، على أن يقوم الآمر بالصرف وجوبا بتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانية السنوات اللاحقة، وذلك في أجل أقصاه أربع (4) سنوات
وفق الشروط المشار إليها أعلاه. دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية.
فما هي إذن آثار دخول هذه المادة حيز التنفيذ وهل ستحمي حقا الدولة من تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها .
في ما يخص خرق الحكومة للقانون التنظيمي للمالية، من المعلوم أن المغرب منذ أن اختار التصويت بإجماع الأمة على دستور سنة 2011، قد اختار أن يؤطر عمل وتصرف مؤسسات الدولة في إطار من القانون يمنع تجاوز سلطة على أخرى ويمنع تدخل سلطة وأخرى، وفقا لما ينص عليه الفصل الأول من ذلك الدستور الذي أكد على ما يلي :
« يقوم النظام الدستوري للمحكمة على فصل السلط وتوازنها وتعاونها.. .
وانطلاقا من هذا المبدأ تم تحديد جغرافية وحدود اختصاصات كل سلطة من السلط الثلاث المحكومة
كلها بالنظام الدستوري للمملكة .
ومن بين الآليات التي يتم بواسطتها تحديد تلك الاختصاصات الدستورية هو القانون التنظيمي للمالية، علما أن أي قانون تنظيمي كيف ما كان فهو مكمل للدستور، وهو بالتالي يرتب في درجة أعلى من القانون العادي، بمعنى أن القانون العادي يجب ألا يتناقض مع القانون التنظيمي ولا يخالفه .
وقانون المالية الذي صوت عليه مجلس النواب أخيرا بالإجماع، هو قانون عادي وبالتالي يجب أن يخرج عن الاختصاصات التي حددها له القانون التنظيمي، وإلا سيصبح قانونا مخالفا للفصل 6 من الدستور الذي يعتبر تراتبية القوانين لها طابع دستوري .
لكن أهمية القانون التنظيمي لا تظهر في علاقته مع الدستور، بل تفرض نفسها في علاقتها مع القانون العادي، باعتبار أن هذه العلاقة مبنية ومؤسسة على كون البرلمان، الذي أصبح يحتكر مهمة التشريع وفقا لما ينص عليه الفصل 71 من الدستور، لا يحق له أن يصدر قاعدة قانونية في إطار القانون
المالي، خارج الاختصاصات التي حددها القانون التنظيمي للمالية، وهو ما يلزمنا الرجوع إلى القانون التنظيمي للمالية للبحث هل يسمح للحكومة والبرلمان بأن يفرضا ويلزما المغاربة بقاعدة قانونية لم يدخلها القانون التنظيمي للمالية في اختصاص قانون المالية .
وبالرجوع إلى القانون التنظيمي للمالية نجده يتضمن في المادة 1 تحديد و تعريف ما هي المجالات التي يحق للقانون المالي التشريع فيها وتنظيمها، إذ تنص تلك المادة على ما يلي :
«يحدد قانون المالية بالنسبة لكل سنة مالية، طبيعة ومبلغ وتخصيص مجموع موارد وتكاليف الدولة، وكذا التوازن الميزانياتي والمالي الناتج عنها وتراعي في ذلك الظرفية
الاقتصادية والاجتماعية عند إعداد المالية وكذا أهداف ونتائج البرامج التي حددها هذاالقانون « .
إن حدود اختصاصات قانون المالية ستؤكد عليه المادة 6 من نفس القانون التنظيمي والتي تنص على ما يلي :
لا يمكن أن تتضمن قوانين المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط لتحصيل المداخيل ومرا قبة استعمال الأموال العام، وأنه يتبين من المادتين انهما تتضمنان مقتضيات ذات طبيعة قانونية أي تخلق أعباء والتزامات على المواطن من جهة، ومقتضيات ذات طبيعة تدخل في مجال السياسة الاقتصادية للحكومة، من جهة
أخرى، والتي لها طبيعة تدبيرية وملاءماتية تتغير بحسب الزمن السياسي، مثل نصها على ضرورة الحفاظ على التوازن الميزا نياتي أو تحسين شروط تحصيل المداخيل ومرا قبة استعمال المال العام، لكن يتبين من المادتين أن القانون التنظيمي للمالية حصر مجال تدخل القانون المالي في تنظيم الموارد، أي ما ستستخلصه مؤسسات الدولة، وتنظيم في التكاليف، أي ما تصرفه مؤسسات الدولة، وهذا الاختصاص له طبيعة قانونية لأنه يحدد موارد الدولة كالضرائب وغيرها، أي يخلق التزامات تمس مصالح
المواطن.
لكن الحكومة حشرت المادة 9 في قانون المالية، مع أنها لا تدخل في اختصاص القانون المالي وإنما تدخل في مجال الفصل 458 من قانون المسطرة المدنية، الذي يحدد الأموال غير القابل للحجز عليها، في الباب المتعلق بالتنفيذ الجبري للأحكام القضائية والمقرارات التحكيمية.
وهكذا تبين أن المادة 9 من قانون المالية أتت مخالفة للمادة الأولى من القانون التنظيمي للمالية، أي مخالفة للفصل 6 من الدستور، باعتبار أن القانون المالي وضع نفسه فوق القانون التنظيمي للمالية وتجاوزه،مما تكون معه المادة 9 من قانون المالية مخالفة للقانون التنظيمي أي غير دستورية .
فهي مخالفة للدستور ليس لأنها تمس باستقلال القضاء، كما ذهب إلى ذلك البعض عن غيرة على ضرورة تحصين الأحكام القضائية، لأن المادة 9 لا تتوجه لقاضي الحكم، بل تتوجه للجهة المكلفة بتنفيذه، أي كتابة الضبط و من ورائها المستفيد من ذلك الحكم القضائي. فالمادة 9 تتعلق بتنفيذ الحكم وليس بإصداره، فهي تنصب على إجراء لاحق لصدور الحكم، وهو التنفيذ الذي لا يدخل في مهام واختصاص قاضي الحكم، وإنما هو من مجال اختصاص كتابة الضبط التي تعتبر إدارة تابعة للسلطة التنفيذية .
فمخالفتها للستور نابعة من كونها مخالفة للقانون التنظيمي للمالية عندما لم تحترم ترا تبية القوانين التي هي دستورية وفقا لأحكام الفصل 6 من الدستور.
لكن هل يمكن إلغاء هذه المادة ما دام انها أتت مخالفة للدستور؟
أخشى أن يكون الجواب بالنفي، أي أنه قد يكون من المستحيل إلغاؤها، وأنها ستدخل فعلا لحيز التنفيذ بدخول سنة 2020، ما دام أن الجهة الوحيدة المؤهلة لإلغائها باعتبارها مخالفة للدستور هي المحكمة الدستورية، وأن استحالة إلغائها من طرف المحكمة الدستورية يعود لسببين:
السبب الأول: هو أن قانون الدفع بعدم الدستورية الذي يمكن أي مواطن مغربي من التمسك بعدم دستورية المادة 9 من قانون المالية، مازالت المحكمة مصرة على عدم إخراجه للوجود، وبالتالي لا يملك أي مواطن عرض المادة 9 من قانون المالية على المحكمة الدستورية.
والسبب الثاني، هو أنه حتى أعضاء مجلس النواب لا يمكنهم عرضه على المحكمة الدستورية لكونهم صوتوا على تلك المادة بالإجماع، من جهة، ولكون الفصل 132 من الدستور يشترط لعرض قانون عادي على المحكمة الدستورية أن يتقدم به خمس أعضاء مجلس النواب أو أربعون
عضوا من مجلس المستشارين، وهو الأمر غير ممكن ما دام أن مجلس النواب صوت بالإجماع ويظهر إن لم يتأكد بعد هل مجلس المستشارين سيلغي تلك المادة أم لا .لكن يجب استحضار أن مجلس المستشارين إذا ألغى المادة 9 المذكورة فإن كلمة الفصل النهائية ستكون لمجلس النواب في القراءة الثانية طبقا للفصل 84 من الدستور .
حول آثار دخول المادة حيز التنفيذ:
من أهم الآثار السلبية التي ستنتج عن دخول المادة 9 حيز التنفيذ ما يلي :
1- توقف المقاولات الوطنية والدولية عن التعاملات مع الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها ما لم تتوصل نقدا وقبل بداية الأشغال بمقابل الصفقات أو الخدمات التي
ستقدمها لمؤسسات الدولة هذه، لسبب بسيط أنه لا يوجد أي مقاول سيتعامل مع الدولة أو الجماعات الترا بية ومجموعاتها، وهو يعلم بكونه لا يمكنه أن ينفذ الأحكام التي قد يحصل عليها في حالة نزا ع مع إدارات الدولة .
2- أن المادة 9 لا تنص على أن القروض التي تحصل عليها المقاولة من البنوك أو الفوائد والصوائر البنكية ستتوقف هي كذلك إلى حين تنفيذ الأحكام ضد الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها .
3- أن المادة 9 لا تنص على أن إدارة الضرائب ستوقف استخلاص ما تنص عليه مدونة الضرا ئب من واجبات على المقاولات من تحملات ضريبية محسوبة على رقم المعاملات سواء منها الضريبة على القيمة المضافة أو الضريبة المهنية أو سدس من رقم المعاملات السنوي، وهي مستحقات تؤدى للدولة كل شهر وكل سنة.
4- أن المستثمر الأجنبي الذي تدعي الحكومة أنه سيتسابق من أجل الاستثمار في المغرب لن يجازف برؤوس أمواله وخبرات أطره وهو يعلم أن الدولة والجماعات الترابية
ومجموعاتها لن تنفذ الأحكام القضائية التي قد تكون مضطرة لاستصدارها ضد هذه المؤسسات، في حالة وقوع خلاف حول تنفيذ تلك المشاريع .
5- أن دخول هذه المادة حيز التنفيذ سيعطي حجة أخرى للمستثمر الأجنبي على عدم ثقته في أحكام القضاء المغربي، عندما سيتبين له من المادة 9 أن الحكومة أخرجت مؤسساتها من سلطة القضاء، ضدا عن الفصل 126 من الدستور .
فكيف يمكن للحكومة أن تشجع الاستثمار الداخلي والخارجي بينما هي تحصن نفسها من تنفيذ أحكام السلطة القضائية عن طريق سن المادة 9، علما أن الأحكام القضائية هي التي تثبت إخلال الدولة ومن معها بالتزا ماتها القانونية أو التعاقدية في مواجهة المتضررين من أعمال الشخص العام .
في ما يخص عدم جدوى المادة 9 من القانون المالي:
إن الوجه الأول لعدم جدوى المادة 9 من القانون المالي يتبين من كون التبرير الذي قدمته الحكومة لحشر تلك المادة في قانون المالية وهو ما عبر عنه وزير المالية من كون مبلغ الأحكام التي تنتظر التنفيذ وصل الى 10 مليارات درهم، لكن عندما يدخل قانون المالية حيز التنفيذ في سنة 2020 فهل ستخرق الحكومة مرة أخرى الدستور لكي تطبق تلك المادة على المغاربة ضدا على مبدأ عدم رجعية القوانين ؟
إن هذا السؤال مشروع لأن الدستور ينص في الفصل 6 منه على مبدأ عدم رجعية القوانين، أي أن أي قانون يجب أن لا يطبق على الحقوق والالتزامات السابقة لدخوله حيز التنفيذ، وبالتالي فإن المادة 9 لكي تحترم الحكومة الدستور في فصله رقم 6 يجب أن لا تطبق على الأحكام القضائية السابقة أي تلك التي نتجت عنها 10 ملايير درهم التي صرح بها وزير المالية، وإنما ستنفذ على الأحكام التي ستصدر بعد سنة 2020، وليس الأحكام القضائية التي صدرت وأصبحت نهائية قبل سنة 2020 .
وأنه لا يمكن التذرع بكون المادة 9 هي قاعدة إجرائية، لسبب بسيط هو أنه لم ينص عليها في قانون اجرائي، أي في الباب المتعلق بالتنفيذ في المسطرة المدنية وإنما نص عليها في قانون موضوعي و هو قانون المالية .
وفي جميع الأحوال سيكون تطبيق تلك المادة على الأحكام القضائية الصادرة قبل سنة 2020 موضوع مقررات صادرة عن السلطة القضائية التي أرادت الحكومة أن تتهرب من سلطتها .
الوجه الثاني لعدم جدوى المادة 9 من قانون المالية يتمثل في كونها نقلت الالتزام بتنفيذ الأحكام القضائية من كاهل مسؤولية الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها، وحملتها للآمر بالصرف، عندما ألزمته باتخاذ التدابير اللازمة لتوفير الاعتمادات المالية لتنفيذ الأحكام القضائية .
وإن نقل هذا الالتزام من الدولة والجماعات الترابية إلى الآمر بالصرف سيؤدي إلى مقاضاة الآمر بالصرف أمام القضاء لأن المادة 9 تحمي أموال الدولة من الحجز ولا تحمي الآمر بالصرف من القضاء، والذي سيكون معرضا للحكم عليه بغرامات تلزمه بتطبيق ما ألزمته المادة 9 من توفير الاعتمادات المالية لتنفيذ الأحكام القضائية. كما هو جار به العمل من قبل كل المحاكم الإدارية التي تعاقب مسؤولي الإدارة على عدم تنفيذ التزاماتهم القانونية، علما أن ما تنص عليه المادة 9 بخصوص توفير الاعتمادات لتنفيذ الأحكام هو التزام قانوني يقع على كاهل الآمر بالصرف، ولا يوجد في المادة 9 ما يعفيه و لا ما يحميه من ذلك.
الوجه الثالث لعدم جدوى المادة 9 من قانون المالية يتمثل في الصياغة التي اعتمدت في كتابتها والتي تمكن بكل سهولة من عدم تحصيل الغرض منها، وهي الصيغة الحاملة للعيوب التالية :
1- إن الفقرة الأولى تتكلم عن الجماعات الترابية و «مجموعاتها «، بدون أن تحدد ما المقصود بكلمة « مجموعاتها «، فهل عدم تنفيذ الأحكام القضائية ستستفيد منه كذلك الشركات التجارية التي تفوض لها الجماعات الترابية تدبير بعض المشاريع الاقتصادية، بالرغم من طبيعتها ونشاطها التجاري؟ وهل سيحرم من يتعامل مع تلك الشركات من تنفيذ الأحكام التي ستصدر لفائدتهم ؟
إنه لا أحد سيملك الجواب على تلك الأسئلة بعدما تدخل المادة 9 إلى حيز التنفيذ، ما عدا أحكام القضاء التي قد تتعدد وقد تختلف وقد تناقض في تأويل المادة 9 بسبب الغموض
الذي صيغت به .
2- إن صياغة الفقرة الثانية من المادة 9 التي تتكلم عن أجلين هما 90 يوما و 4 سنوا، وهي صياغة تدفع للنتيجة التالية :
إما أن المادة 9 صيغت بدون معرفة بالأثر القانوني للكلمات التي اختيرت في صياغتها، أي ما سينتج عن تطبيقها، و في هذه الحالة سيكون الواقع مؤسفا لأن الأمر يتعلق بالمشرع المغربي الذي لا يفترض فيه الخطأ .
وإما أن الصيغة التي كتبت بها المادة 9 تم اختيار كلماتها بكل عناية وبكل وعي وإرادة، وفي هذه الحالة فإن نية الحكومة الحقيقية هي عدم تنفيذ أي حكم قضائي كيف ما كان، وأن أجل 90 يوما أو 4 سنوات وضعا للاستهلاك الإعلامي، وأن تلك الآجال ليس لها أي تأثير أو ضغط على الجهة المعنية بتنفيذ الحكم القضائي .
أي أن الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها هي من ستقرر في نهاية المطاف متى ستنفذ أي حكم ولمن ستنفذ ذلك الحكم، لأنه لن تكون هناك أي قاعدة قانونية تلزمها على تنفيذ أي حكم في أي وقت كان.
إن هذه الخلاصة ليست مستوحاة من الخيال أو من التشاؤم وإنما هي منصوص عليها، بكل وضوح، عندما نقرأ الفقرة الثانية مع الفقرة الثالثة المكونة للمادة 9 . ذلك أن عدم احترام أجل 90 يوما أو أجل 4 سنوات المنصوص عليهما في الفقرة الثانية لا يعني أنه بعد انتهاء ذلك الأجل ولم تنفذ الدولة أوالجماعات الترابية والمجموعات التابعة لها الحكم القضائي أنه يمكن الحجز عليها، بل بالعكس من ذلك فالمادة 9 حسمت بصفة نهائية في المنع المطلق للحجز على أموال تلك المؤسسات، حتى ولم بعد مرور أجل 4 سنوات المذكورة في الفقرة الثانية، وهو ما يتبين بكل وضوح من آخر الفقرة الثالثة من تلك المادة التي تضمنت ما يلي :
«إذا أدرجت ………..أعلاه، بدون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية».
وانه يتبين بكل وضوح أن الكلام عن أجل 90 يوما او أجل 4 سنوات ما هو إلا للاستهلاك الإعلامي بدون أن نعطي له وصفا آخر.
الوجه الرا بع لعدم جدوى المادة 9 يتمثل في كونها تتعلق فقط بالأحكام القضائية. وهو ما يعني أن باقي المقررات التي تقضي لأي متعاقد مع الدولة بأي مبلغ يمكنه الحجز على أموال الدولة .
وبالفعل فإنه من المعروف أن المغرب انخرط في الدينامية الدولية حول البدائل العصرية لفض المنازعات وعلى رأسها التحكيم .
إن صياغة المادة 9 لا تمكن من منع الحجز على أموال الدولة والجماعات الترابية عندما يتعلق الأمر بمقرر تحكيمي قد تجد هذه المؤسسات معنية به لسبب من الأسباب، ما دام أن المادة 9 تتكلم فقط عن الأحكام القضائية.

ما هو الفرق بين قوانين المستعمر وقوانين الحكومة؟

بعدما تم تفصيله أعلاه حول الماد ة 9 وما قد يترتب عنها، أعود إلى عنوان هذه المقال، الذي لم يكن من ورائه الرغبة في الإثارة أو التلميح ضد الحكومة، بل الغرض منه علمي محض يرمي إلى المقارنة كيف تعامل المستعمر مع الأحكام المغربية الصادرة ضد الدولة وكيف تريد الحكومة التعامل مع نفس الأحكام، ليقرر القارئ من الأرحم، هل المستعمر أم الحكومة ؟
نحن في سنة 1944، أي في قلب الحرب العامية الثانية فرنسا تعيش الغزو الألماني ضدها، وكل أموالها موجهة إلى ميزانية الحرب التي هي حرب وجود بالنسبة إلى دولة كفرنسا، الدولة المستعمرة (بكسر الميم) للمغرب ولغيره من الدول الإفريقية، ولكنها في هذه المرحلة هي الدولة المستعمرة)بفتح الميم) من قبل النازية الألمانية. وبالتالي فهي في حاجة ماسة للأموال للدفاع على نفسها .
في 14 / 9 / 1944 سيصدر ظهير ينص في فصله الأول على ما يلي:
«إن الأحكام والقرارات التي تكون بمقتضاها الخزينة العامة أو أحد الصناديق التابعة للإدارة عمومية ملزمة بالأداء لا يمكن تنفيذها في حالة ما إذا طلب فيها النقض إلا تحت مسؤولية الأطراف الذين حصلوا عليها بإعطائهم ضمانات حسب الشروط المقررة في هذا الظهير».
وإنه يتبين من ذلك الظهير أنه منع تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة فقط إلى حين يطلب فيها النقض في انتظار أن يبت المجلس الأعلى في حالة الطعن فيها بالنقض المرفوع إليه . لكن ذلك الظهير لا ينص على أن أموال الدولة أوالجماعات الترابية ومجموعاتها غير قابلة للحجز.
فمن هو الأرحم بمن يتوفر على حكم قضائي قابل للتنفيذ ؟ هل هو ظهير 1944 أم القانون المالي لسنة 2020 ؟
يظهر بأن جواب السؤال واضح ولا يحتاج لمن يوضحه، غير أن الوطنية التي تسكن المغاربة وحب بلدهم واستعدادهم لتحمل أعبائه الطارئة يمكن أن تجعلهم يقبلون بإجرا ء يحصن المالية العامة ويدافع عنها .
لذا فإنه انطلاقا من هذا المبدأ، في تقديري المتواضع، يمكن أن تنص المادة على منع الحجز على أموال الدولة فقط لفترة محددة حتى تتمكن الدولة من تنفيذ الأحكام القضائية، لكن بعد مرور تلك الفترة دون أن يتم تنفيذ الحكم القضائي، يسترجع المستفيد منه حقه في تنفيذه بكل الطرق القانونية بما فيها الحجز على أموال الدولة، لأن المقاول هو كذلك متابع من قبل الأبناك باسترجاع قروضها له، متابع من من إدارة
الضرائب بأداء الضرائب وغيرها المستحقة عليه، متابع من قبل الأجراء بأداء مستحقاتهم .
أما الجماعات الترابية فإنها لا يجب أن تستفيد من هذه القاعدة بل يجب أن تتحمل مسؤولية تدبيرها للمرفق العمومي الذي ترشحت لتسييره، وتتحمل مسؤولية ضبط التصرف في أموال ذلك لمرفق العمومي وأن تتحمل مسؤوليتها السياسية أمام ناخبيها ومسؤوليتها المدنية والجنائية تجاه من تتعاقد معهم لإنجاز المشاريع التي تخطط لها، وأن تحملها لهذه المسؤولية سيساعد على الشفافية والتخليق، الذي هو اليوم مطلب شعبي، لذا لا يجب أن تخلق لها القواعد القانونية التي تختفي وراءها لتتصرف في المال العام في غير ما أعد له تحت ذريعة المادة 9 .
علما كذلك أن المادة 9 لا تبين كيف سيتم تنفيذ الأحكام في أجل 90 يوما أو في أجل 4 سنوات.
وهل سيتم ذلك في إطار الشفافية وتنفيذ الأحكام بأسبقية صدورها، أم أنها ستخضع هي كذلك للمحسوبية والمساومة في التنازل عن جزء من الدين، كما يمارس ذلك اليوم في الحالات التي يكون فيها المستفيد من الحكم في وضعية الحاجة التي تلزمه بالقبول بأقل مما حكم له به .
يتبين إذن أن العنوان ليس فيه أي إثارة وإنما يترجم الحالة التي تريد الحكومة أن تضع فيها من يريد أن يقاضيها أمام المحكمة على حقه المشروع تجاها، بينما كان عليها أن تختار سن قواعد من نوع آخر لحمايتها من غلو بعص الأحكام القضائية في التعويضات التي يحكم بها على الدولة والإدارات العمومية والجماعات الترابية .


الكاتب : عبد الكبير طبيح

  

بتاريخ : 26/11/2019

أخبار مرتبطة

من هو ويليام جي بيرنز مديرا لـ «CIA» المرتقب؟   قال ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» إن الرئيس المنتخب

  لكن بعد مرور62 سنة على اغتيال عبان رمضان عاد اسمه إلى الواجهة مع تظاهرات الحَراك الشعبي في الجزائر الذي

  عندما تتقاطع العلاقة بين جدلية الوطني والقومي أو القُطْري والعروبي، بين قضية الوحدة الترابية من جهة والقضية الفلسطينية، فإني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//