دراسات قرآنية : رأي المعتدلين فيما ورد من ألفاظ مع‍ّربة في القرآن الكريم

التفكير في النص القرآني، وشرحه وتفسيره وحصر معناه، ليس انشغالا عربيا، فقد دأب المستشرقون، ومعهم الدارسون القرآنيون، على محاولة تفكيك الخطاب القرآني وارتياد علومه ومباحثه ولغاته، وتحديد نوازله ومفاتيح فهمه، وذلك في مواجهة التيارات الدينية التي تحاول فرض أساليبها بمنطق استغلاقي واحتكاري وإيماني، لا يستقيم الآن مع تعدد المناهج وطرق البحث العلمية التي تنبني على التشخيص والتحليل والتدقيق والتمحيص واستدعاء القرائن العلمية المادية والتاريخية.

 

بعد أن استعرضنا آراء القائلين بأنّ القرآن الكريم قد احتوى على ألفاظ أعجمية، وآراء المنكرين له، لابد من عرض آراء المعتدلين الذين وقفوا على هذا الخلاف، وخرجوا بآراء توافقية، ووازنوا بين آراء الفريقين من السلف الصالح، وانتهوا الى القول بعربية هذه الألفاظ بعد أن عرّبتها العرب.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 223هـ) «والصواب من ذلك عندي – ولله أعلم – تصديق القولين جميعاً… فمن قال إنّها عربية فهو صادق ومن قال عجمية فهو صادق «وقد برر أبو عبيد ما ذهب إليه بأنّه» فسر هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم الى الجهل ويتوهم عليهم أنّهم أقدموا على كتاب لله جلّ ثناؤه بغير ما أراده لله جلّ وع‍زّ، وهم كانوا أعلم بالتأويل وأشدّ تعظيماً للقرآن». ومال الجواليقي (ت 540 هـ) الى قول أبي عبيد القاسم بن سلام فذكر «إن المعربات أعجمية باعتبارالأصل، عربية باِعتبار الحال، وإنّ الكلمات الأعجمية التي وقعت للعرب فعرّبوها بألسنتهم، وحوّلوها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظهم أصبحت عربية».
وذهب ابن الجوزي (ت597هـ) الى ما ذهب اليه أبو عبيد القاسم بن سلام، والجواليقي.
بعد أن عرضت آراء العلماء القدماء والمحدثين كل حسب طريقته اتضح لي انّ القرآن الكريم احتوىعلى ألفاظ أعجمية وهذا أمر طبيعي لا خوف منه بل هو وسيلة من وس‍ائل النمو اللغوي لأنّ القرآن الكريم نزل بلس‍ان العرب ولس‍انهم نطق واس‍تعمل المفردات الأعجمية قبل نزول القرآن الكريم وبعده ولايزال. وما دام القرآن الكريم محتويا على علوم الأولين والآخرين وللناس كافة فلا عجب من احتوائه على مفردات أعجمية قد تعامل بها العرب مع غيرهم من الأمم لتيس‍ير أمورهم المادية والفكرية، والأرجح، ما ذهب إليه الصحابة والتابعين من أنّ القرآن الكريم فيه مفردات أعجمية، ولو تدبرنا دلالات الألفاظ الأعجمية في المواقع التي اس‍تخدمت فيها لوجدناها قد أضافت معان عميقة ودقيقة وفصاحة راقية لو اجتمع فصح‍اء العالم وأرادوا اس‍تبدالها بألفاظ أخرى بمعانيها التي وردت لعجزوا عن ذلك.
هذا الإحتواء شجّع الكتّاب والأدباء والش‍عراء على اس‍تخدام الألفاظ الأعجمية كلما اقتضت الحاجة إليها بعفوية ودون جهد لأن الس‍احة اللس‍انية قد اتسعت والألفظ الأعجمية قد ازدادت وأصبح تداولها مألوفا لاغرابة فيه لأسباب منها:
-1 العرب قبل الإسلام عرفوا شيئا من معارف العلوم الطبيعية وتعمق هذا الإتجاه عند العرب الذين نزحوا عن شبه الجزيرة العربية وأقاموا حضارات راقية في وادي الرافدين ووادي النيل وبلاد الشام وعنوا عناية بالغة بالمعارف الطبيعية والرياضية والطبية، ونجد أنّ هذه الحضارات قد تفاعلت مع الحضارات اليونانية والفارسية وأثرت فيها وتأثرت بهما تأترا كبيرا من خلال ما تناقلا المعارف والعلوم بينهم.
-2 إنّ الجدل الديني والمناظرات التي بدأ العرب المسلمون يدخلون فيها مع بعضهم من جهة ومع أصحاب الديانات الأخرى من جهة ثانية جعلتهم بحاجة ماسة إلى معرفة ما عند الأمم الأخرى مما يفيدهم في رفد الثقافة العربية الإسلامية.
-3 اتس‍اع الدولة الإسلامية وانشغال العرب المسلمين بالفتوحات هيأ للأعاجم الذين دخلوا في دين الإسلام موقعا متميزا في بناء الفكر وتطويره واتساعه وازدهاره لأسباب قد تكون ذاتية لشعورهم بنقص أحسابهم وإحساسهم بأنهم دخلاء محاولين استكمال مهابتهم بغرس ما يثمر النفع للبلاد من جهة ولرغبتهم في نقل علومهم وما تميزت به حضاراتهم من نضج في كافة المستويات، السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية للتفاخر بها.
-4 تشجيع ولاة أمر المسلمين العلماء على نقل وترجمة الكثير من المعارف كالكيمياء والطب والفلك والتاريخ والآداب والفلسفة والمنطق وغيرها من المعارف وأوفدوا الوفود إلى مختلف البلدان للبحث عن الكتب وجلبها للإفادة منها في دعم الحركة العلمية والثقافية، وبهذا العمل توسعت آفاق العلماء في المعرفة ووقفوا على الكثير من المعارف التي توصل إليها من سبقهم، كما أغنت اللغة العربية بالمصطلح العلمي والمعرب من الألفاظ وبهذا العمل امتزجت الثقافة المترجمة بالثقافة الأصلية ورفدتها بعناصر جديدة كان لها أثرها في تنوع الثقافة العامة والعلوم وغيرهما. وعند الوقوف على العصر العباسي نجده قد تميز بالإزدهار الثقافي الموصول بمراكز المدنيات القديمة كالبابلية والآشورية والسريانية والساسانية وهذا التمازج خلق بيئة متنوعة الإصول والثقافات، ووجدت كل هذه الثقافات مناخا مناسبا للنمو والتطور في كافة مناحي الحياة.

 

 


الكاتب : حميد البديري

  

بتاريخ : 30/06/2020