خلال حلقة من برنامج «مباشرة معكم» .. خبراء يناقشون ما بعد قرار محكمة العدل الأوروبية المتعلق باتفاقية الصيد البحري مع المغرب

استضاف الزميل جامع كولحسن ثلة من الخبراء والمتخصصين ضمن حلقة جديدة من برنامج «مباشرة معكم» لمساء الأربعاء 28 فبراير 2018، الذي تبثه القناة الثانية، والذي تم تخصيص تيمته لتداعيات قرار محكمة العدل الأوروبية المتعلق باتفاق الصيد البحري، على العلاقة التي تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي، حيث تمت استضافة كل من الموساوي العجلاوي، الباحث بمعهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط ، وعبد الحميد جماهري، مدير تحرير يومية الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب محمد الشرقي المحلل السياسي والاقتصادي، ونوفل البوعمري المحامي والناشط الجمعوي.
قرار محكمة العدل الأوروبية الذي أسال الكثير من المداد، وخلق نقاشا واسعا في الأوساط المغربية، أكد الموساوي العجلاوي أنه يمكن وضعه في إطار قرارات صدرت منذ دجنبر 2012، خاصة القرار الذي ألغى الاتفاق مع المغرب في دجنبر 2015، ثم أٌلغي في فبراير 2016، وبالتالي فهو جزء من هذه الحلقات التي توظف محكمة العدل الأوروبية فيما يخص العلاقات التجارية مع المغرب، مبرزا أن الأصل في النازلة أنها أوروبية أوروبية، نسجت تفاصيلها جمعية في المجتمع المدني بريطانيا، هي متخصصة في استعداء المغرب.
وشدّد العجلاوي على أنه ليس هناك سلطة لهذه المحكمة على القرارات السيادية المغربية، لأن الأمر هو عبارة عن استشارة موجهة للمفوضية الأوروبية، التي عليها أن تراعي أو تكيف هذا القرار مع تعاملاتها التجارية، إلا أن هذا لايلغي ضرورة وضع القرار في مستويات ثلاثة، تنطلق من بيان المدعي العام الذي طالب بإلغاء اتفاق الصيد البحري مع المغرب، ثم قرار المحكمة، وأخيرا قرارات المفوضية التي دعت إلى استمرار في الشراكة الاستراتيجية، وبالتالي فهو مشكل أوروبي أوروبي بالأساس، وإن كانت له إسقاطات على العلاقة مع المغرب وله امتدادات سياسية.
الخبير المغربي، أبرز كذلك أن القرار المكون من 19 صفحة هو بحيثيات كثيرة وعيوب على مستوى المضمون وعلى المستوى السياسي، موضحا في هذا الصدد ميثاق تأسيس الاتحاد الأوروبي وعلاقاته الخارجية، هي تقوم على العمل على استتباب الأمن والسلم والتنمية الاقتصادية والحكامة والديمقراطية … الخ، في تناقض تام مع القرار الذي يخص اتفاقية الصيد البحري، الذي لم يأخذ بعين الاعتبار دور المغرب في استقرار وأمن الاتحاد الأوروبي، إذ اعتبر المغرب وكأنه لاسلطة له على منطقة الصحراء، وهو مايخالف كل قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار الأخير في أبريل 2017 ، والتقرير الذي قدمه غوتيريس إلى مجلس الأمن فيما يخص دور المغرب على مستوى التنمية الاقتصادية في منطقة الصحراء ومسألة حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن حيثيات هذا القرار هي تنفي كل أدبيات الأمم المتحدة، ولم يستحضر خطب الملك محمد السادس بشأن الصحراء، خاصة خطاب العيون، الذي أكد أن ملايير الدراهم ستستثمر في مشاريع في الصحراء.
الموساوي العجلاوي شدّد على أن عيوب القرار ستعود على بريطانيا، داعيا إلى عدم التعامل معه بردة فعل، وإلى الانتباه إلى أن المغرب والمفوضية الأوروبية قد صادقا في 31 يناير 2018 على آليات لتنفيذ الاتفاق الفلاحي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وبالتالي التفكير في تجاوز هذه الإشكالات التي تطرح، لكن مع ضرورة التساؤل عن طبيعة الآليات المحققة لذلك، وإلى أي حدود يمكن أن تمس بالسيادة الوطنية لعدم التجاوز بما هو مسموح به. بالمقابل نبّه الخبير المغربي إلى أن القرار سيكون سابقة خطيرة إذا ما طبق على الاتفاق الفلاحي المقبل، إذ بدأ الحديث عن هذه المنتجات القادمة من الصحراء وقيمتها، وبالتالي فالخطر بحسبه، هو يكمن إذا ما تم الاستمرار في هذه الخطوات، لهذا وجب التركيز على موقف مغربي صارم فوري، حتى لايعطي أملا للآخر لكي يفتح ملفات أخرى، مشيرا إلى أن أعداء الوحدة الترابية والوطنية المغربية اتجهوا لاستنزاف المغرب على المدى البعيد باعتماد القانون الدولي، سعيا وراء مشروعية سياسية للجبهة كطرف يمثل سكان الصحراء، والحال أنه لا أحد يعترف بهذه الجمهورية، ولا جهة طرحت سؤال مشروعية السيادة المغربية في المنطقة.
من جهته عبد الحميد جماهري، مدير تحرير يومية الاتحاد الاشتراكي، أوضح أن الأمر يتعلق باستشارة وبحالة بريطانية، لأن الدعوى رفعت ضد وزارة الفلاحة والتغذية ومصلحة الضرائب والإيرادات، وبالتالي فالأمر ربما يتعلق بخطة لها ما بعدها كتوجه لدى انفصاليين والداعمين لهم من أجل تحصيل مجموعة من الموارد المالية الجديدة عند الاتحاد الأوروبي وأن يكون للبوليزاريو دور فاعل، مبرزا أن اتفاقية الصيد البحري ستبقى سارية المفعول إلى غاية منتصف يوليوز المقبل، وقد سبق للمغرب أن دبر هذه العملية فيما يتعلق بالاتفاقية الفلاحية في 2016، وكان هناك تدبير لبنود الاتفاقية من جديد، مشددا على أنه لايمكن بأي حال من الأحوال أن يقبل المغرب باتفاقية ترتب سيادته على بلاده، وأن يسري ترتيب السيادة هذا على المغرب.
جماهري نبّه إلى أن القرار لايتضمن ماينص على وجود ترابين، الأول معترف بالتعامل معه وآخر غير معترف به، مبرزا أنه إذا ماكان هناك منطق، فإن المطلوب أن تعود الاستشارة التي طلبتها المحكمة البريطانية إلى المحكمة الأوروبية، وهذا سيحيل على نقاش آخر، والمتمثل في موقع بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، دون إغفال أن المغرب لم يسع لأن يكون سباقا للرد على هذا القرار لوحده، بل عمل على ذلك من خلال البلاغ المشترك الذي يثبت ان المغرب والاتحاد الاوروبي يوجدان في نفس الخندق ولهما نفس القراءة وينظران إلى أن المستقبل يجب أن يتم تدبيره بشكل مشترك، وبالتالي فالمطلوب هو كيف يمكن أن يجعل المغرب من هذه الفترة إلى غاية نهاية اتفاق الصيد البحري فرصة لإعادة النظر في تكييف قرار لاتشوبه شائبة، مشيرا إلى أنه حتى الاتحاد الأروبي بنفسه، في تقييمه المتعلق بمردودية هذه الاتفاقيات على الساكنة يعترف بأن 67 في المئة من هذه الموارد تستفيد منها ساكنة الاتحاد.
وأوضح مدير تحرير الاتحاد الاشتراكي، أن التعامل لحد الآن مع القرار يطبعه تأرجح مابين تثمين السياق الذي أعقبه، من خلال البيان المشترك بين المغرب والممثلة السامية للاتحاد الأوربي المكلفة بالعلاقات الخارجية الذي اعتبر أن الطرفين هما معا في خندق واحد، وبأن القرار لم يعارض ولم يشكك ولم يبطل قدرة المغرب على اتفاقية الصيد البحري، هذا الأخير المدعو إلى ان يبذل مفاوضه مجهودا أكبر. ولفت جماهري الانتباه إلى ماوصفه بـ “حصان طروادة القانوني”، الذي بدأ منذ إطلاق فكرة توسيع صلاحيات المينورسو لمراقبة حقوق الإنسان، وآنذاك كان التنبيه والانتباه لهذه الخطوة، قبل الوصول لقرار محكمة العدل الأوروبية، حيث كانت هناك جمعيتان تنشطان تحت يافطة حقوق الإنسان المزعومة، حولتا بريطانيا إلى ساحة لمناهضة المغرب، وليس صدفة، يقول جماهري، أنه قبيل وضع الطعن كانت إحداها قد أطلقت حملة دعم تقرير المصير وفقا لما أسمته، وبالتالي هناك مسعى لكي يكون الغطاء القانوني هو حصان طروادة للعودة إلى الاستفتاء. وأبرز جماهري، أنه في كل بلاغات الإشادة التي صدرت عن الانفصاليين، اعتبرت أنه من الضروري وقف الاتفاق والتجارة إلى حين تطبيق الاستفتاء، وعليه فإن القراءة على المدى البعيد تبرز أن الاستنزاف القانوني هو آلية من أجل الوصول إلى الهدف الأساسي الذي تريده، لهذا على المغرب أن يدافع من موقعه على أنه ليس هناك أي هيئة دولية محترمة طالبته بتقرير المصير، وبأن كل ما يتعلق بتدبير الملف السياسي والحل السياسي هو تدبير أممي ومن اختصاص مجلس الأمن، وهو مايجب أن يقوي موقف المغرب، مستنكرا كيف ان جمعية بسيطة بدعم من 20 برلمانيا يمكن أن تستدرج المغرب إلى محفل كالاتحاد الأوروبي ومحكمة كمحكمة العدل الأوروبية، وتفرض عليه البحث عن جواب.
وشدّد جماهري على أن هذا القرار في القراءة العامة هو لم يمس سلم القيم، وسلم العدالة والقانون الدولي فقط، وإنما مس مبدأ الواقع لأن المغرب واقعيا موجود، داعيا إلى مواجهة الأمر في المنبع وليس في المصبّ، وبتعزيز الآليات الدبلوماسية سيّما في الحلقة الأنجلوسكسونية، بالنظر للتحول في منصة عمل خصوم المغرب، وهو مايفرض أن يتوفر المغرب على خارطة متحركة ، محذرا في نفس الوقت من تداعيات القرار الذي قد يصبح ذريعة للفوضى، مستدلا على ذلك بما وقع من قرصنة لسفينة مغربية من طرف جنوب إفريقيا، بذرائع قانونية في مياه دولية، وبالتالي شرعنة القرصنة ومنح ذرائع للتدخلات لحركات يائسة الأفق لسياسي لايلائمها، وثبت بالتقارير أنها إما حاضنة انفصالية أو أبرمت اتفاقات وشراكات إرهابية في الساحل وإفريقيا الخ، وبالتالي فإن من شأن تشريع هذا الباب فتح الأفق على المجهول؟
محمد الشرقي وخلال مساهمته في الحلقة، أكد أن القرار هو سياسي، ويظهر أن الاتحاد الأوروبي كهياكل ومؤسسات هو غير متفق عليه، مستعرضا مراحل تكوين الاتحاد الأوروبي وأهدافه والفرق بين محكمته ومحكمة العدل الدولية، مبرزا أنه لايجب أن يمنح للقرار أكثر من حجمه مع عدم التقليل من قيمته، مؤكدا أن رأي المحكمة يظل مجرد رأي للسلطة القضائية للاتحاد الأوروبي.
ونبه الخبير المغربي إلى أن البواخر الأوروبية ليست هي الوحيدة التي تصطاد في المياه المغربية إذ أن هناك بواخر روسية، يابانية، اليابان، صينية الخ، في إطار اتفاقيات، وبالتالي فالشرعية القانونية هي متوفرة ولايمكن البتة التشكيك فيها أو في سيادة المغرب على ترابه، مؤكدا أن موضوع الصيد البحري مطلب للأوروبيين وأن المغرب يقدم خدمة اجتماعية..
من جهته نوفل البوعمري، أكد أن جميع الحيثيات التي اعتمدت في تفسير الاتفاقية هي حيثيات سياسية وأن توصيفها سياسي، مجال مناقشتها داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وليس محكمة العدل الأوروبية التي تناقش ماهو قانوني، مشددا على أن محكمة العدل الأوروبية قفزت على المطلوب منها في هذا الصدد. وأوضح المحامي والناشط الجمعوي، أن البوليساريو لم ترفع الدعوة بشكل مباشر ولجأت لجمعية لأن هناك سابقة إذ محكمة العدل الأوروبية في مرحلة سابقة أوضحت انه لا صفة قانونية للجبهة للترافع أمام المحاكم الأوروبية، وبالتالي فهي وعت أنها إذا رفعت دعوى من جديد ستفقدها وستكرس أنها لاتمثل الشعب الصحراوي، وبالتالي فهو محاولة للهروب، مؤكدا أن هناك مصاعب عند المغرب بدرجات متفاوتة، تجاوزها يجب أن يكون من خلال مسار سياسي وقانوني.
البوعمري دعا إلى البحث عن السبل التي تمكّن من تحويل هذه اللحظة من سلبية إلى قوة إيجابية، بالنظر إلى أن القرار يضم نقطتين يمكن للمغرب استغلالهما مستقبلا، الأولى تكمن في كونه لم يصفه بقوة احتلال، عكس رأي المدعي العام الأوروبي، والنقطة الثانية تتمثل في السعي الحثيث للبوليساريو للجوء إلى استراتيجية التقاضي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من أجل استصدار حكم واحد يضفي الشرعية عليه كممثل وحيد شرعي لما يسمى بالشعب الصحراوي، وهو الأمر الذي لم تتمكن من تحقيقه لحدّ الساعة، وبالتالي هناك فرص يمكن الاستفادة منها من خلال قراءة أخرى للقرار. وأكد البوعمري أنه يجب استغلال الحكم من أجل نقاش جدي مع الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى أن المغرب شريك استرتيجي في الجانب السياسي والهجرة والإرهاب والأمن، لكن وجب طرح جل القضايا الاستراتيجية والحيوية التي تهم المغرب في تجديد الاتفاقية والمصالح المرتبطة بالوحدة الترابية والوطنية وبما هو اقتصادي، وبالتالي تحصين الاتفاقية في تجديدها من الجانب القانوني، مشددا على أن المغرب حقق تراكما سياسيا مقابل نقص في الجانب القانوني وجب بذل مزيد من الجهد فيه.


الكاتب : وحيد مبارك

  

بتاريخ : 02/03/2018