الأمن القانوني والقضائي دعامة أساسية للنموذج التنموي المنتظر

عبد الكبير طبيح

 

قد لا يختلف الناس حول أن المراد بالنموذج التنموي، الذي أعلن عنه في الخطاب الملكي الأخير، هو شيء آخر مختلف عن أي برنامج لأي حكومة معينة والتي هي بطبيعتها الدستورية مؤقتة، بينما النموذج التنموي له بعده المستقبلي المستدام والناقل للمجتمع من المرحلة التي هو فيها إلى مرحلة جديدة. فهو اقتصادي وسياسي وثقافي ، أي مجتمعي وشامل لكل كما يدور حول المواطن. فهو بالضرورة ليس برنامجا انتخابيا تطغى عليه العمومية من جهة، والرغبة في استجلاب المواطن من جهة أخرى.
وإذا كان من غير المنازع فيه أن صلب النموذج التنموي ونواته هو اقتصادي بالدرجة الأولى، أي منظور إليه من جانب كيفية خلقه للثروة ، فهو كذلك مجتمعي بالضرورة، أي منظور إليه من جانب كيفية توزيع تلك الثروة توزيعا عادلا ومكافئا للعمل والعطاء والجهد و الاجتهاد. وكيفية حمايته للحقوق الفردية والجماعية وكيفية تنفيذه للحقوق و الالتزامات التي أتى بها الدستور. فهو بهذا المنظور كذلك سياسي و ثقافي.
فشموليته هي التي تضفي عليه طابع النموذج التنموي ، الذي يشجع على تعزيز وتوطيد الثقة في المواطن المغربي ليعكس بدوه تلك الثقة في كل ما يدور حوله في مجالات حياته اليومية.
لذا فإن مقاربة أحادية لهذا النموذج بدون استحضار أنه يجب أن يؤدي إلى تغيير يجعل المواطن يشعر بأنه انتقل من الوضع الذي يوجد عليه اليوم إلى وضع آخر، يجعله يشعر بكون فاعلا ومسؤولا في الحركية اليومية للمجتمع الذي يعيش فيه.
وكمثال على المراد بالشعور بالتغيير:
– إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة التي شكلت حدثا فريدا في تاريخ المغرب عندما قبلت الدولة أن يحاسبها الجيل الذي مارست عليه كل الممارسات الماسة بأبسط حقوق الإنسان. -مدونة الأسرة التي نقلت المرأة من الوضع الذي كانت عليه منذ بداية الاستقلال بأن أخرجتها من قبضة سلطة الطلاق التي كانت في يد الزوج ، علما مع الأسف ، بأن بعض قرارات محكمة النقض أفرغت عدة حقوق أتت بها المدونة من محتواها.
-قانون الذي أعطى الحق للمرأة في إسناد جنسيتها لمولوها.
هذه المبادرات، هي التي تجعل المواطن يشعر بأنه معني بما تقوم به الدولة لأنها تهتم بحل المشاكل التي يعيشها يوميا.
وليس كالمادة 2 من مدونة الحقوق العينية التي أعطت لمن يمسك عقدا مزورا الحق في أن يفرغ صاحب العقار الأصلي من ملكه بدعوى ما يسمى بحسن النية، والذي يعتبر نصا قانونا ظالما.
غير أن تاريخ البشرية عرف الناس طريقين لخلق الثروة في أي مجتمع من المجتمعات، كما عرفوا طريقتين لتوزيع تلك الثروة بعد جمعها.
الأولى : أسندت للفرد ولحريته مهام خلق الثروة وكذا توزيعها في إطار حرية مطلقة،وأعطى
لهذا الخيار اسم النظام الرأسمالي بكل تلاوينه ومدارسه.
الثانية : كانت رد فعل على الأولى، بعدما وقفت بعض المجتمعات على أن الرأسمالية لم
تنجح في حماية ضعاف المجتمع، كيف ما كان نوع الضعف، فتراجعت عن حرية المطلقة و قلصت من مبادرته وحريته وأسندت مهام خلق الثروة و وتوزيعها للدولة باعتبارها الأكثر عدلا وحيادا في توزيع تلك الثروة، والتي تسهر هي نفسها على خلقها.
لكن، خارج هاتين النظريتين ، لم يستطع الفكر البشري بعد أن يبدع في خلق طريق آخر مختلف نوعيا وكميا على النظريتين المذكورتين. وإن اجتهد مفكرو الطريقتين في البحث عن الوسائل التي تجعل من كل طريقة أكثر إنسانية، أي أكثر قربا من المواطن الذي هو اللبنة الأولى التي لا بديل عنها للوجود الفعلي لأي مجتمع.
وإذا كان ما سبق بيانه ليس بالعلم الجديد ولا بالشيء المبتكر، فإن الجواب المنتظر من اللجنة ، التي شكلها جلالة الملك من بين خيرة أبناء وطننا، تقديمه والذي ينتظر الجميع ما ستعلن عنه وما ستقترحه حول:
كيفية إنتاج وخلق ثروة في المغرب، الذي لا ثروة طبيعية له.
كيف تجعل من المواطن لبنة لخلق تلك الثروة باعتباره ثروة بشرية لا تنضب. إذا ما تم تملك استخدامها تملكا عقلانيا وأخلاقيا ومنصفا. بمعنى باحترام إنسانية ذاك المواطن واعتباره.
3-كيف سيتم إعادة توزيع تلك الثروة توزيعا عادلا ومنصفا.
لأنه لابد من أن نستحضر أن المغرب عرف عدة تجارب اقتصادية منذ استقلاله،انطلاقا من الإعلاء من الحرية الفردية، إلى سياسة التخطيط الخماسي، ثم إلى الرجوع مرة أخرى إلى الحرية الفردية بنظرة أخرى ، في تدبير الشأن الاقتصادي.
وبطبيعة الحال، فإن الخيارات المتاحة أمام اللجنة ستستحضر،أكيد ، انخراط المغرب في النظام الاقتصادي الدولي واستحضار التزاماته مع باقي الفرقاء والفاعلين الدوليين والمؤسسات الدولية، الذين أصبحوا أكثر تأثيرا على الاختيارات الكبرى، ليس فقط على المغرب، بل على كل دول العالم.
وإن كان من مثال قوي على خضوع كل الدول، كبيرها وصغيرها، للنظام الدولي الاقتصادي الحالي، هو تراجع دولة في حجم الدولة الفرنسية عن تطبيق قانون صوتت عليه الجمعية العمومية الفرنسية، أي برلمانها أخيرا ، و الذي أرادت فرنسا أن تفرض به ضرائب على الشركات الأمريكية الكبرى المشتغلة في ميدان التواصل الاجتماعي، إلا أنها أوقفت تطبيق القانون الذي صوت عليه برلمانها، بعد بضع كلمات صدرت عن الرئيس الأمريكي، عندما هدد رئيس الدولة الفرنسية بعقوبات اقتصادية كرد فعل إذا ما نفذت فرنسا قانون بلادها المذكور.
والنموذج الأكثر إثارة هو اضطرار دولة الصين، صاحبة أقوى اقتصاد في العالم والتي وصل نموها الداخلي في السنوات الماضية إلى أكثر من 10 في المئة من الناتج الداخلي، إلى التوقيع على اتفاقية فرض فيها الرئيس الأمريكي عليها أن تشتري سلعا من أمريكا بملايير الدولارات ، بالرغم من عدم حاجة الصين إليها. بل إنها تعرف اليوم إنتاجا متزايدا في العرض أمام تدني التجارة الدولية بسبب الأزمات المشتعلة اليوم وعلى الخصوص ما يقع في الشرق الأوسط.
إذ أنه في زمن الاتحاد السوفياتي، الذي كان يتقاسم مع الغرب النظام الاقتصادي والسياسي و العسكري ، كان هذا الوضع يتيح للدول الصغيرة إمكانية اللعب بين النظامين بحثا عن تحقيق مصالح اقتصادية لنفسها ومحاولة الاستفادة من تناقضات وتوزع العالم إلى قطبين سياسيين و اقتصاديين.
هذا الوضع الاقتصادي والسياسي، لم يبق له وجود اليوم ، وهو ما أصبح يفرض على الدول الصغيرة أن تبرمج اختياراتها الاقتصادية أخذا في الاعتبار الإكراهات التي يفرضها الاقتصاد المهيمن اليوم ، أي الاقتصاد الغربي.
مع استحضار واقع جديد ، أصبح يثير الانتباه و يفرض نفسه على كل مفكري و فلاسفة الرأسمالية الذين يربطون تطور الرأسمالية بوجود نظام سياسي مبني على التعددية الحزبية ، هذا الواقع هو المتمثل في دولة الصين التي تعيش على نظام غير ديمقراطي بالمفهوم الغربي ، استطاعت أن تطور نظاما اقتصاديا رأسماليا منتجا للثروات بنسبة نمو لم تصل لها أي من الدولة الغربية، و ذلك خارج النظام السياسي المبني على التعددية الحزبية، بل وفي إطار دولة شمولية مبنية على حزب وحيد من جهة، بل حزب شيوعي من جهة ثانية.
غير أن المغرب اليوم الذي نجح منذ بداية الاستقلال في إبعاد أي تفكير في إخضاع الدولة للحزب الوحيد ولو كان حزب الدولة، كما وقع في جل الدول العربية، فإن هذا الاختيار جعله ينتقي من الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية ومن الأنظمة الاشتراكية ما اعتبره مفيدا في كل مرحلة من مراحل تكوين الدولة بعد الاستقلال.
هكذا جرب المغرب أغلب النماذج الاقتصادية ، من تخطيط خماسي إلى إطلاق الحرية الفردية في جميع المجالات ، ليجد اليوم نفسه مضطرا إلى البحث عن نموذج تنوي جديد يواكب التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع المغربي من جهة و تتلاءم مع الإكراهات الدولية على الخصوص، منها السياسية التي تؤثر في القرارات الكبرى للمؤسسات المالية الدولية التي لا محيد للمغرب عن التعامل معها.
فالسؤال المطروح اليوم على هذه اللجنة، وهي تقوم بالمهام التي أسندت إليها هو سؤال :
ليس أين هي الثروة، وإنما كيف ستخلق الثروة في مغرب لا يتوفر على ثروة طبيعية مثل باقي الدول الأخرى.
ثم السؤال الثاني:
كيف ستبدع وستخلق اللجنة الطريق الأمثل لتوزيع عادل متكافئ للعمل و الاجتهاد ، لهذه الثروة على قلتها. أي كيف ستضع القواعد والآليات لتدبير الندرة. كما يقول الاقتصاديون، أي تدبير ثروة قليلة على حاجيات وانتظارات متعددة.
الجواب عن هذه الأسئلة، هو ما ينتظره المواطن من عمل اللجنة. أي بتعبير علماء الاجتماع الذين يأخذون من التراث الصيني أفكارهم، على اللجنة أن تبدع و تبتكر كيف يتعلم الناس صيد السمك و ليس أن نهديهم السمك.
ما أعتقد أن اللجنة ستخصص وقتا كبيرا للتشخيص الذي أعفى الخطاب الملكي اللجنة منه، عندما وقف أن أوجه الخصاص هو في الإدارة بجميع مستوياتها وفي المجالس المنتخبة وفي الجماعات الترابية، أي بصفة واضحة ومباشرة في آلية الوساطة التي بين المواطن وممثليه من جهة وبين مؤسسات الإدارة بكل مستوياتها من جهة أخرى.
ثم إن الخطاب الملكي حدد كذلك أهم آلية على اللجنة أن تفرض وضعها في جميع مراحل تحرك المؤسسات المنتخبة والإدارة ومؤسسات الدولة لضمان نجاح النموذج التنموي ألا وهي آلية ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالنموذج التنموي، هو سؤال يتوجه إلى السلطة التنفيذية، وبالتبع لذلك للسلطة التشريعية باعتبار هذه الأخيرة هي الآلية الدستورية التي تستعملها السلطة التنفيذية لتنفيذ ما التزمت به تجاه المواطنين الذين اختاروا الحزب الذي منه عين جلالة الملك رئيس الحكومة.
لكن، هل السلطة القضائية معنية أو غير معنية بالخطاب الملكي؟ وهل هي معنية أو غير معنية بالنموذج التنموي المطلوب خروجه للوجود؟
إن الجواب عن هذا التساؤل، نجده في صلب الخطاب الملكي، الذي خص له فقرة بكاملها، أتت بعدما تناول قضايا الصحة والشغل والتعليم ، ليتم الانتقال إلى دور القضاء بكل وضوح عندما نص على ما يلي:
« وهم (أي المواطنون) يحتاجون أيضا إلى قضاء منصف وفعال وإلى إدارة ناجعة «تكون في خدمتهم، وفي خدمة الصالح العام، وتحفز على الاستثمار، وتدفع بالتنمية «بعيدا عن كل أشكال الزبونية والرشوة والفساد.
إن قراءة هذه الفقرة، وما أتى به الخطاب الملكي بخصوص دور القضاء كدعامة في إنجاح النموذج التنموي الجديد، تدفع إلى استحضار مقتضيين أساسيين:
المقتضى الأول: وهو الفصل 124 من الدستور.
المقتضى الثاني: هو الرسالة الملكية التي وجهت إلى المؤتمر الدولي الأول لاستقلال السلطة القضائية الذي عقد بمراكش في 2/4/2018.
وبخصوص المقتضى الأول، وهو ما ينص عليه الفصل 124 من الدستور، فإن قراءة عادية لذلك الفصل لا تسعف في غور ومعرفة ما حمله من تغيير في طريقة إصدار القاضي لأحكامه بين المتقاضين المواطنين. وليس فقط في النطق به في افتتاح الجلسة وفي تضمينه صدور الأحكام.
ذلك أنه بالرجوع إلى كل الدساتير التي عرفها المغرب من 1962 و1970 و1972 و1992 و1996 سنجدها كلها لا تلزم القاضي إلا بإصدار حكمه باسم الملك.
غير أن التحول الذي حمله الدستور 2011 لا يقتصر فقط على أهم مستجد في النظام السياسي المغربي واما حتى على الصعيد الإقليمي، الذي ينص على أن جلالة الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يختاره المغاربة ويعطونه أكثرية أصواتهم.
هو التعيين المرتبط بقدرة الشخص المعين على تكوين أغلبية برلمانية تسند حكومته لكي يتم تنصيبها بشكل نهائي من قبل البرلمان، وفقا للقواعد الدستورية الجديدة. وهو ما لم يستوعبه البعض مع الأسف، والذي قد نعود له في مناسبة أخرى.
بل إن دستور 2011 تدخل كذلك في المجال القضائي الذي ومع رفعه للقضاء إلى مرتبة سلطة إلى جانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، إلا أنه ألزم على القاضي أن تنحصر مهمته في تطبيق القانون. لذلك نص الفصل 124 من الدستور لأول مرة في تاريخ كل الدساتير التي عرفها المغرب على أن الأحكام تصدر باسم الملك وطبقا للقانون.
وأن التفسير الواضح والوحيد للفصل 124 يعني بكل بساطة أن الحكم الذي لا يطبق القانون لا يمكن أن ينسب للملك.
أن هذا التحول ليس لغويا وليس في صياغة الفصل الدستوري فقط، كما قد يظهر للبعض، بل إنه تحول في عمق كيفية إصدار الأحكام القضائية بين المتقاضين.
فهو تغيير ينهل مما حمله الدستور 2011 ، الذي أكد على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء أو بصفة مباشرة بواسطة ممثلها ، الذين يختارهم بالاقتراع، إذ تنص المادة 2 من الدستور على ما يلي:
« السيادة اللازمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. «تحتار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم.»
وعندما نعود إلى الفصل 6 من الدستور، نجده خص الأمة كمصدر للقانون، عندما اعتبر أن القانون هو التعبير عن إرادة الأمة. إذ تنص الفقرة الأولى من الفصل 6 من الدستور على ما يلي:
« القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والمجتمع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين «بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال»
فالقانون إذن، ليس هو تعبير على إرادة الأمة فقط، بل هو التعبير الأسمى عن إرادة الأمة، أي أنه يوجد في الدرجة الأعلى فوق الأشخاص الذاتيين والاعتباريين والسلطات العمومية، ويلزم هؤلاء جميعهم بالامتثال إليه وهم متساوون أمامه.
لهذا، لا يعتبر حكما قضائيا، الحكم الذي يصدر بشكل غير مستند على نص من القانون، لأنه لا يطبق ما ارتضته وتوافقت عليه الأمة، وبالتبع لذلك لا يصدر وفقا للفصل 124 من الدستور.
وإذا كان المواطنون متساوين أمام القانون كما ينص على ذلك الفصل 6 من الدستور المشار إليه أعلاه، فإن نفس المواطنين يجب أن يكونوا، بالتبع لذلك، متساوين في الأحكام القضائية.
وإن هذا الفهم للتحول في مجال القضاء الذي أتى به دستور2011، وإن لم يحظ بعد بما يستحق من نقاش وافر ومتعدد، على الخصوص من قبل الفاعلين القانونيين والمشتغلين بالقانون ومن رجال الفكر القانوني، إلا أنه سنلاحظ تجلياته في الرسالة الملكية التي وجهت إلى كل دول العالم في المؤتمر الأول لاستقلال السلطة القضائية الذي نظم بمراكش في 2018/04/02.
وهذه الرسالة ستتضمن المقتضى الثاني الذي أشرت إليه أعلاه، والذي أتى ليوضح أدوار ومهام السلطة القضائية من جهة ومفهوم استقلال السلطة القضائية من جهة أخرى، كما أرادها جلالة الملك باعتباره، كذلك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية وفقا للفصل 107 من الدستور.
وبالفعل، فإنه بالرجوع إلى الفقرة 12 من تلك الرسالة، سنجدها تناولت الجواب عن النقاش حول الآلية التي يجب على القاضي استعمالها في إصداره للأحكام، إذ ورد في تلك الفقرة ما يلي:
حضرات السيدات والسادة:
«بغض النظر عما حققه المغرب من إنجازات في بناء الإطار المؤسساتي «لمنظومة العدالة، فإنه يبقى منشغلا مثل كل المجتمعات التي تولى أهمية قصوى «للموضوع بالرهانات و التحديات التي تواجه القضاء عبر العالم.
«وياتي في مقدمة هذه التحديات ضمان تفعيل استقلال السلطة القضائية في «الممارسة والتطبيق باعتبار أن مبدأ الاستقلال لم يشرع لفائدة القضاة، وإنما لصالح المتقاضين وأنه إذ يرتب حقا للمتقاضين فكونه يلقي واجبا على عاتق القاضي.
«فهو حق للمتقاضين في أن يحكم القاضي بكل استقلال وتجرد وحياد وأن يجعل «من القانون وحده مرجعا لقراراته ومما يمليه عليه ضميره سندا لاقتناعاته
«وهو واجب على القاضي الذي عليه أن يتقيد بالاستقلال والنزاهة والبعد عن أي «تأثير أو إغواء يعرضه للمساءلة التأديبية أو الجنائية.
كما أن تعزيز الثقة في القضاء باعتباره الحصن المنيع لدولة القانون والرافعة الأساسية للتنمية يشكل تحديا آخر يجب رفعه بتطوير العدالة وتحسين أدائها لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها مختلف المجتمعات.»
وهنا يتبين بكل وضوح أن وجه القضاء المستقل اليوم، لا يمكن أن يشع إلا بالقانون باعتباره هو التعبير أسمى للإرادة الأمة.
هذا هو التحول الدستور لمهام القاضي وكيفية اشتغاله الذي فسرته الرسالة الملكية المشار إليها أعلاه التي حملت توجيهات لأعلى سلطة في البلاد. وهو الورش الذي ينتظر المغاربة أن يفتح كذلك. وما ستقدمه اللجنة من وسائل عمل وآليات وموارد مالية وبشرية تجعل من القاضي ذلك الملجأ الحصين الذي يلجأ إليه المغاربة بكل ثقة لرفع أي ظلم عنهم.
من الصعب، بكل موضوعية، مسايرة من يطالب الآن، بتقييم ما يقوم به المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو ما تقوم به النيابة العامة المستقلة، لأنهما معا مازالا في تثبيت أسس استقلالهما من وزارة العدل التي طبعت تاريخ القضاء منذ بداية الاستقلال.
وإنه مما يدفع إلى الاطمئنان إلى أن هذا المشروع الفريد في العالم العربي أو حتى في بعض الدول الأخرى، هو أن جلالة الملك عين على رأس كل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية و رئاسة النيابة العامة شخصين مشهود لهما بما يجب توفره فيمن يتقلد مثل تلك المهام الجسام.
وهذا التكليف يضع على عاتقهما معا شرط النجاح في مهامهما. بطبيعة الحال يجب على الجميع أن يدعم المجهودات التي يقومان بها من أجل ضمان نجاح هذه التحدي الوطني المغربي.
لكن، إن القبول بالتريث في وضع تقييم لتجربة المغرب هاته، لا يعني الاستكانة عن عدم المطالبة بإخضاع أحكام القضاء للقانون والقانون وحده، كما ذكرت بذلك الرسالة الملكية.
إذ مازلنا نرى أن بعض الأحكام لم تنخرط بعد في هذا التحول الدستوري الملزم بتطبيق القانون وحده.
و مازلنا نرى اللجوء إلى ما سمي بالسلطة التقديرية التي لم تبق تستعمل فقط في مجالها الطبيعي، وهو في تحديد مدة العقوبة في المجال الجنائي أو تحديد مبلغ التعويض في المجال المدني، بل أصبحت بعض الأحكام تستند إليها حتى في الفصل في جوهر الحقوق والالتزامات، التي ينظمها القانون . وقد تستعمل تلك السلطة التقديرية للحكم لطرف، وتستعمل هي نفسها للحكم ضد طرف آخر.
بل هناك أحكام تضع القانون جانبا وتعلن عن ذلك في حيثياتها ويحكم القاضي برأيه هو ضدا على نص القانون. بل إن استعمال السلطة التقديرية انتقل في بعض الأحيان حتى إلى المجال المدني والتجاري والإداري. والأمثلة موجودة وموثقة ببعض الأحكام في حالات مثل:
-قبول الطعن من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالنزاع.
– تبرئة متابع بالرغم من كون القانون يعتبر فعله يشكل جريمة.
بينما الحكم يجب أن ينص في حيثياته على الفصل القانوني الذي اعتمده فيما قضى به من إعطاء الحق لشخص أو نزعه من شخص آخر. حتى لا يتشكك المعني به في كون القاضي ظلمه بما قضى به عليه. إذ هو نفسه عندما يعود إلى القانون الذي اعتمده القاضي سيجد أن هذا الأخير كان عادلا في حكمه.
ذلك أن الوسيلة الناجعة لتقليص اللجوء إلى المحاكم والحد من الطعون وعلى الخصوص الطعن بالنقض الذي أصبحت محكمة النقض اليوم مثلها مثل أي محكمة استئنافية، ليس هو وضع شروط لممارسة الطعن بالنقض أو فرض رسوم قضائية عالية لممارسته بل هو توحيد الاجتهاد المبني على نص قانوني معلوم ، يمكن للمتقاضي أن يرجع إليه و يقرأه بنفسه ليتأكد أن القاضي لم يظلمه.
لكن أكبر كارثة حلت بالقضاء هي ما سمي بالزمن الافتراضي لكل قضية، و كأن القاضي يوجد في معمل لصنع الدمى من البلاستيك التي لا يتغير زمن صنعها. وأصبح يقاس عمل القاضي ليس بالأحكام العادلة التي أنصف فيها المتقاضين، وإنما بعدد الأحكام التي أصدر. ولا أحد اليوم يتكلم عن القضاة المجتهدين في أحكامهم لأن اجتهادهم يأخذ منهم وقتا أطول وبالتالي يوجدون في أسفل سلم الإحصائيات. فالسرعة، التي تتطلب من القضاة إصدار الأحكام بها، تعرف اليوم سرعة غير مسبوقة تتناقض مع أبسط متطلبات قواعد النجاعة القضائية واحترام حقوق الدفاع، التي هي شرط صحة في الحكم العادل. علما بأننا عندما ننتقل إلى فرنسا مثلا، نجد أن التأخير في القضايا قد يصل إلى سنة ونصف بين أول جلسة والجلسة التي يدرج فيها الملف للمداولة، كما أن النطق بالحكم يعطى فيه للقاضي الوقت الكافي لكي يكون مسؤولا عن الحكم الذي سيصدره، وليس بعد أسبوع أو في آخر الجلسة.
بل يجب تمكين القضاة من الوسائل التي تشجع على الاستقرار الاجتهاد القضائي في جميع درجات التقاضي. وهو الاستقرار الذي لا محيد عن تطبيق نص القانون في كل ما يصدر عن القضاء، وذلك بالنص على الفصل الذي اعتمده القاضي حتى يطمئن المعني به لعدالته.
لأنه إذا نص الدستور على أن المغاربة هم متساوون أمام القانون، طبقا لأحكام الفصل 6 من الدستور، فإنه بالتبع لذلك، يجب أن يكون المتقاضون متساوين في أحكام القضاء.
هذا لا يعني لجم فكر القاضي عن التفكير و الاجتهاد ، لان الاجتهاد القضائي الحقيقي هو عندما يتدخل القاضي ليوفق بين نصيين قانونيين، من أجل الحفاظ على المراكز القانونية للأطراف، كما ذهبت إلى ذلك المحكمة الإدارية للرباط الرائدة في تثبيت الاجتهاد الحامي لحقوق الأفراد على الإدارة.
وهذه المساواة في أحكام القضاء هي الآلية الوحيدة للاستقرار ولتحقيق الأمن القضائي أو الاقتصادي أو المجتمعي.
لكن عندما نجد بعض الأحكام يعتمد فيها على السلطة التقديرية ، التي تتغير بتغير القضاة لأنهم بشر ولكل إنسان حدود في الملكات الفكرية و له إيجابيات ونقائص، فإن استقرار العمل القضائي سيهتز لدى المواطن ولدى المستثمر، وستهتز الثقة التي أشارت إليها في الرسالة الملكية بين المتقاضين الذين يلاحظون أنهم في نفس وضعية خصومهم لكن لا يستفيدون دائما من نفس الأحكام.
حقا، إن القضاة اليوم مازالوا يشتغلون بقوانين هي سابقة على دستور2011، ومازالوا مطوقين باجتهادات لتفسير للقانون، سابقة على دستور سنة 2011، أي مازال تعليلهم للأحكام يتحكم فيه ما يعرف بالاجتهاد القضائي المبني على قواعد قانونية سابقة عن دستور 2011.
كما أن الاجتهاد القضائي مازال لم يعرف بعد استقرارا واضحا ومستداما يسهل عمل قضاة الدرجات الأولى ويضمن استقرار المعاملات التجارية والمدنية،ويمكن من إعطاء الفتوى القانونية التي تعفي المتقاضي من اللجوء أصلا إلى المحاكم.
لكن إن تم حصر هذا النقص في كيفية إصدار الأحكام فقط ، لن يكون ذاك عادلا ، لأن جودة الأحكام، مرتبطة بجودة النصوص القانونية التي يطلب من القاضي تطبيقها، وهي مرتبطة كذلك بالأدوار التي أسندت لمؤسسة أخرى هي مؤسسة المحاماة.
إن الحديث عن القضاة لا يعفي المحامي من المسؤولية حول جودة الأحكام وفي المساعدة الفعلية في إنتاج العدالة. إذ أن كل ما يقع على القاضي من التزامات يقع في المرحلة الأولى السابقة لصدور الحكم على المحامي. إذ هما معا يشاركان في إنتاج النجاعة القضائية المنشودة.
وللمساهمة الفعالة في النموذج التنموي المنتظر، لابد من أن نستحضر آليتين أساسيتين يجب عليهما معا أن ينخرطا، دون تأخير، في تفعيل دستور 2011 وتفعيل الرسالة الملكية، ألا وهما:
-الحكومة التي عليها أن تفتح ورش مراجعة للقوانين لملاءمتها مع الحقوق و الالتزامات التي أتى بها دستور 2011 ، مثل الورش الذي فتح ما بين 1996 و 2007 الذي استطاع به المغرب أن يتوفر اليوم على منظومة قانونية في مجال المال و الأعمال تضاهي مثيلاتها على الصعيد الدولي.
تلك الملاءمة التي تجعل القوانين التي يطلب من القاضي تطبيقها منسجمة مع الدستور ومع الاتفاقات الدولية التي صادق عليها المغرب، في مجال الحريات الفردية والجماعية، في مجال الحقوق و الالتزامات. وواضحة وغير ملتبسة أو متناقضة مع بعضها.
-محكمة النقض، التي أهلها القانون لوحدها في توحيد الاجتهاد القضائي وفقا لأحكام المادة 518 من قانون المسطرة الجنائية التي ورد فيها في الفقرة الأولى:
يتولى محكمة النقض النظر في الطعون بالنقض المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن المحاكم الزجرية وسهر على التطبيق الصحيح للقانون ويعمل على توحيد الاجتهاد القضائي.
وهي نفس المهمة التي يجدها في قانون المسطرة المدنية في الفقرة الثانية من الفصل 369 الذي تلزم محكمة الإحالة بأن يلتزم بالنقط القانونية التي بتت فيها محكمة النقض، إذ تنص تلك الفقرة على ما يلي:
«إذا بنت محكمة النقض في قرارها في نقطة قانونية تعين على المحكمة التي أحيل «عليها الملف أن تتقيد بقرار محكمة النقض في هذه النقطة»
إن توحيد الاجتهاد في القضايا الكبرى والعامة هو السبيل للحد من تكاثر الملفات لأن المتقاضي سيعرف رأي القضاء في نزاعه قبل أن يضع مقاله في المحكمة.
إن عدم تحقيق توحيد فعلي ومستمر ودائم للاجتهاد القضائي في جميع المراحل ، هو الذي يشجع من لا حق له في اختبار حظه في الحصول على حكم يعطيه ما لاحق له فيه، بالاستناد على حكم آخر يسمى « اجتهادا « مع أنه قد تكون لا علاقة له بالحق الذي يطالب به.
إن الأمن القانوني والقضائي، هو واحد من أهم الركائز التي سيبنى عليها النموذج التنموي المنتظر. إذ بدونهما سنكون كمن يبني صرحا بدون اسمنت يشد الحجر لبعضه.
وللحديث بقية.

الكاتب : عبد الكبير طبيح - بتاريخ : 13/02/2020

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//