ما حال وضعية العالقين « المعلقة » ؟ !

جلال الطاهر

لقد أصبح مقرراً أن المغرب واجه جائحة كورونا، بطريقة استباقية، كانت ربما من الأسباب التي حدت نسبياً من مضاعفات انتشار الوباء بشكل أكبر مما وقع، الأمر الذي لم ينج منه كثير من الدول المتقدمة علمياً، والثرية اقتصادياً، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية.

كما أن المنظومة الصحية بالمغرب واجهت آثار الوباء، بفعالية مشهودة، رغم التحفظات التي أظهرها البعض في البداية، والتخوفات من عدم القدرة على مواجهة المنظومة الصحية التي تتميز بضعف إمكانياتها اللوجيستيكية والبشرية… التي لا تتناسب مع قوة اكتساح الوباء، والسرعة التي ينتشر بها، إلا أن الإرادة الجماعية التي عبرت عنها كل فعاليات المجتمع، كانت عاملاً حاسماً في امتصاص الآثار المدمرة للوباء المذكور.
وفي مقدمة هذه الفعاليات، كانت الأسرة الطبية التي ضربت أروع الأمثلة، في التضحية إلى حد الاستشهاد، والروح الوطنية العالية، التي عكسها الحماس والاستعداد للبذل والعطاء….
هذا بالإضافة إلى الأسرة الأمنية والإدارية والعسكرية بكل مؤسساتها، وعلى جميع المستويات، يضاف إلى ذلك تجاوب كل شرائح المجتمع مع القرارات والتدابير الاحترازية، التي فرضتها حالة الطوارئ التي قررتها الحكومة، رغم قساوتها وحدتها، وطول مدتها، وخاصة بالنسبة لبعض الفعاليات الهشة، داخل الأوساط الشعبية، يضاف إلى ذلك الدعم المادي للأسر المعوزة…
كل هذه القرارات والإجراءات والتدابير التي اتخذتها الحكومة، بكل مكوناتها المدنية والعسكرية، بقيادة ملك البلاد، نالت رضى من الداخل وتقديراً من الخارج، إلا ما لا يمكن فهمه، هو أن الحكومة ذهبت عكس هذا التيار الإيجابي بالنسبة للمواطنين بداخل الوطن، وذلك بموقفها السلبي إزاء المغاربة العالقين بالخارج، الذين وجدوا أنفسهم لاجئين خارج وطنهم، بقوة إكراه الواقع الذي فرضه عليهم قرار إغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية.

ذلك أنه رغم مرور أكثر من 60 يوماً، مازالت أوضاع العالقين (( عالقة ))، في أذهان الحكومة، تواجه المجهول الذي يأتي أو لا يأتي، الأمر الذي يعتبر تناقضاً مع التدابير الإيجابية بالنسبة لمواطني الداخل، مما يشكل تمييزاً غير مفهوم في التعامل التمييزي بين المواطنين الذين جعلهم الدستور سواسية، ويزداد الأمر سوءاً، عندما يعلم هؤلاء المواطنون العالقون أن كل الدول قد سخرت كل الإمكانيات لإرجاع مواطنيها إلى بلدانهم، آخرهم مجموعة من الإسرائيليين.
لكن إذا كانت الحكومة قد تعاملت مع القضية بكثير من تجاهل و قليل من كرم العرفان، الذي قد يوصف بالإهمال الثابت بمقتضى الواقع، فأين دور البرلمان الذي قيل في الدستور إنه يمثل المواطنين في السراء والضراء، فهل هناك أكبر من هذه الضراء التي يقاسيها المواطن خارج وطنه، التي تتطلب وضعيته بذل كل الجهود لرفع هذه الضائقة، التي تكاد أن تصبح (( وباء)) آخر يضاف إلى فزع وباء كورونا.
إن وضعية المواطنين العالقين خارج المغرب، تفرض المسؤولية أن تنظر في قضيتهم بالجدية اللازمة، والإحساس الإنساني بمعاناتهم، والنظرة الدونية التي يمكن أن يصبحوا عرضة لها في المجتمعات التي يوجدون بها، هذا قبل أن تصبح القضية قضية عار وطني عامة، وعلى مؤسساته الدستورية بصفة خاصة، هذا إذا كانت هناك بقية من حمية وغيرة على كرامة المواطن، هذه هي المسؤولية التي لن تبقى معها إلا المحاسبة الدنيوية أولاً، والإلهية بعد ذلك.

الكاتب : جلال الطاهر - بتاريخ : 22/05/2020

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.