هل يمكن عقد جلسات المحاكم مع سريان أثر المادة السادسة؟

عبد الكبير طبيح

بمصادقة مجلس المستشارين يوم 12/5/2020 على مشروع القانون رقم 23.20 المتعلق بالمصادقة على المرسوم بقانون رقم 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية، في انتظار نشره في الجريدة الرسمية،تكون مقتضيات المرسوم بقانون رقم 2.20.292 قد انتقلت من حضن السلطة التنظيمية للحكومة، وأدخلت إلى حظيرة السلطة التشريعية تطبيقا للفصل 71 من الدستور.وبالتالي أصبحت محصنة بمقتضيات الفصل 6 من الدستور الذي تنص الفقرة الأولى منه على:

«القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو «اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.
وتنص الفقرة الثالثة منه على:
«تعتبر دستوريةالقواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة.
ومن المفيد لفت النظر إلى أن البرلمان لم يصادق على المرسوم بقانون رقم 2.20.292. لأن هذا الأخير صادقت عليه فقط لجنتا الداخلية والصحية في البرلمان. ولكن البرلمان صادق على مشروع القانون 20.23. الذي أصبح هو الذي ينظم الأحكام الخاصة بحالة الطوارئ الصحية حاليا ومستقبلا.وهو الذي أصبح ملزما للجميع باعتباره نصا قانونيا.
فمصادقة البرلمان إذن أخرجت المقتضيات المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية من مجال السلطة التنظيمية للحكومة ، ووضعها تحت جبته كسلطة تشريعية وفقا للصلاحيات التي أسندها له الدستور بمقتضى الفصل 71 منه. وبالتالي تم تحصين تلك المقتضيات من أي مراقبة إدارية. مع استحضار إمكانية المراقبة الدستورية له في إطار القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية رقم86.15. الذي لم يفرج عليه بعد.
وما يهمنا من قانون 20.23 المشار إليه أعلاه هو المادة السادسة منه التي تنص على ما يلي:
«يوقف سريان مفعول جميع الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية «والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها،»ويستأنف احتسابها ابتداءمن اليوم الموالي ليوم رفع حالة الطوارئ المذكورة.
«تستثنى من أحكام الفقرة الأولى أعلاه آجال الطعن بالاستئناف الخاصة بقضايا»الأشخاص المتابعين في حالة اعتقال،وكذا مدد الوضع تحت الحراسة النظرية «والاعتقال الاحتياطي.
من المعلوم أن تعليق انعقاد جلسات المحاكم تم بعد ما توصل الرؤساء الأولون ورؤساء المحاكم بالرسالة الصادرة عن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمؤرخة في 16/3/2020. والتي حملت صيغة محكمة حرصت على ألا تمس باستقلال القاضي الذي يترأس جلسة المعنية ، وهي الصيغة المتسمة بما يلي:
1-إن الرسالة غير موجة للقاضي كمؤسسة للحكم والبت في القضايا التي كلف بها.
2-إنها موجهة إلى الرؤساء الأولين ورؤساء المحاكم في إطار سلطتهم في تنظيم انعقاد الجلسات وليس في انعقاد الجلسات اوفي تسييرها.
3-إنها استحضرت كون المجلس الأعلى للسلطة القضائية لم ينص لا الدستور ولا القانون التنظيمي المتعلق به على إمكانية توجيه تعليمات للقضاة الأحكام فيما يقومون به من مهام وعلى رأسها تسيير وتدبير الجلسة.
خلافا للنيابة العامة التي نص الفصل 110 من الدستور على التزام أعضاء النيابة العامة بتعليمات رئيس النيابة العامة الكتابية وقانونية.
هذا لا يعني عدم وجود رقابة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على القاضي في تسيير وتدبير جلسة التي يكلف بها.بل إن تلك المراقبة موجودة ولكنها مراقبة بعدية أي عندما يثبت ان القاضي ارتكب إخلالا بما يوجبه عليه القانون بخصوص تسيير الجلسة التي يترأسها.
فهل يمكن إعادة انعقاد جلسات المحاكم بدون إلغاء أو تعديل المادة السادسة
المشار إليها أعلاه ؟
مرد هذا السؤال هو أن المادة السادسة من قانون 20.23 المشار إليها أعلاه استعملت صيغة «وقف سريان الآجال «على إطلاقها وبدون أي تخصيص لأجل بعينه، حتى يمكن التمييز بينها.وأمرت بإيقاف سريانها خلال فترة الطوارئ الصحية. وهو ما يعني أن إرادة القانون اتجهت لوقف كل الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية بدون أي استثناء، ما عدا ما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية من تلك المادة.
وإذا ما عدنا إلى المسطرة المدنية ، باعتبارها نصا تشريعيا ، وهي المسطرة التي تطبق في القضايا المدنية والتجارية والإدارية والاجتماعية الأسرية، نجد أن الآجال المنصوص عليها تلك المسطرة متعددة ومرتبطة بانعقاد الجلسة من جهة وبتسييرها من جهة أخرى. ومنها تلك المنصوص عليها في الفصول 39و40 و47 و56 و60 و61 و62و 63و 72و 74و 77و 92و 95و 97و 130و 134و 137و 139و 148و 153و 161و 162و 164و 167و 179. والتي بالرجوع إلى ما تنص عليه من مقتضيات سنجدها تتعلق، على الخصوص، ب:
1-الأجل الواجب احترامه عند استدعاء المدعى عليه.
2-الأجل الواجب احترامه لاعتبار تبليغ المدعى عليه قانونيا عندما يرفض التوصل بالاستدعاء.
3-الأجل المتعلق باستدعاء الشهود لحضور البحث.
4-الأجل المتعلق بإنجاز الخبرة.
5-الأجل لممارسة الطعون.
هذه الآجال وغيرها هي التي يتحكم بعضها في انعقاد الجلسة. ويتحكم البعض الآخر في كيفية تسييرها. لأن المحكمة لا يمكنها أن تعتبر المدعى عليه قد توصل بالاستدعاء لحضور الجلسة لمجرد تبليغه الاستدعاء، لأن الأجل المعطى له للجواب عن المقال الافتتاحي المنصوص عليه في الفصل 40 او الأجل المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من الفصل 39 في حالة رفض التوصل، هو أجل متوقف بقوة القانون تطبيقا للمادة السادسة من القانون 20.23 المشار إليه أعلاه.
وإنه من غير المنازع فيه وأن تلك الآجال يجب على المحكمة تطبيقها وعدم تجاوزها. وإلا كان حكمها باطلا من جهة. ويكون القاضي قد ارتكب خطأ جسيما بمفهوم المادة 97 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساس للقضاة الذي يعتبر أن أي خرق خطير لقاعدة مسطرية يعتبر خطأ جسيما. إذ ورد في تلك المادة ما يلي:
«يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه إذاتوبع جنائيا أوارتكب خطأ جسيما.
«ويعد خطأ جسيما:
«الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف؛
«لخرق الخطيرلقانون الموضوع؛
«الإهمال…….
ومن المفيد الإشارة إلى أن القانون:
– يسند لرئيس المحكمة، كيف ما كانت درجتها،الاختصاص في تنظيم انعقاد الجلسات في المحكمة التي يترأسها في بداية السنة القضائية عن طريق الجمعية العمومية، أو خلال السنة القضائية بصفة فردية.
– كما يسند للقاضي اختصاص تسييرالجلسة التي يترأسها.
فإن القانون يسند الاختصاص في انعقادها الجلسة، من الناحية القانونية ، وليس الفعلية ، للمدعي صاحب المقال الافتتاحي وصاحب المقال الاستئنافي. إذ ينص الفصل 31 من قانون المسطرة المدنية الذي نجده يتضمن ما يلي:
«ترفع الدعوى إلى المحكمة الابتدائية بمقال مكتوب موقع عليه من طرف المدعي أو «وكيله أو بتصريح يدلي به المدعي شخصيا ويحرر به أحد أعوان كتابة الضبط ….
«تقيد القضايا في سجل معد لذلك حسب الترتيب التسلسلي لتلقيها وتاريخها مع بيان أسماء «الأطراف «وكذا تاريخ الاستدعاء.
كما انه بالرجوع إلى الفصلين 328 من نفس القانون نجده ينص على ما يلي:
«تودع مقالات الاستيناف وفقا لمقتضيات الفصلين 141 و142 وتسلم دون تأخير إلى كتابة ضبط المحكمة المرفوع إليها الاستيناف حيث تقيد مع الملف والنسخ المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل 142 وتطبق مقتضيات الفقرة الأخيرة من هذا الفصل.
كما أنه بالرجوع إلى الفصل 329 نجده ينص على ما يلي:
«يعين رئيس المحكمة الابتدائية أوالرئيس الأول لمحكمة الاستيناف مستشارا مقررا «يسلم إليه الملف في ظرف أربع وعشرين ساعة.
«يصدر هذا المستشار فورا أمرا يقضي بتبليغ المقال الاستينافي للطرف الآخر، ويعين «تاريخ النظر في القضية في جلسة مقبلة مع مراعاة الظروف الخاصة بها، وكذلك «مراعاة الآجال النسبة للمسافة المحددة في الفصلين 40 و41 إن اقتضى الحال.
«يبلغ هذا الأمر إلى المستأنف عليه ويعلم بيوم الجلسة العلنية التي خصصت للقضية «مع الإشارة إلى وجوب تقديم مذكرات الدفاع والمستندات المؤيدة قبل الجلسة وفي ظرف أجل يحدده.
«إذا تعدد المستأنف عليهم ولم يقدم بعضهم مستنتجاته في الأجل المحدد، نبهه المستشار «المقرر عند حلوله إلى أنه إن لم يقم بتقديمها داخل أجل جديد، اعتبرت المسطرة «حضورية بالنسبة لجميع الأطراف. ويبلغ هذا التنبيه إلى الأطراف غير المتخلفة.
«يبت في القضية بعد انتهاء هذا الأجل بقرار بمثابة حضوري بالنسبة لجميع الأطراف.
«يبلغ المستأنف عليهم الأمر المنصوص عليه في الفقرة الثانية أعلاه وفقا للشروط «المنصوص عليها في الفصول 37، 38 و39 وتسلم لهم في الوقت نفسه نسخ المقالات «المقدمة من طرف المستأنفين.
«يشار في الملف إلى التبليغ والإشعار وكذا إلى جميع التبليغات والاشعارات اللاحقة.
هكذا يتبين بكل وضوح أن انعقاد الجلسة في المرحلة الابتدائية هو متوقف على توصل المحكمة بالمقال الافتتاحي من جهة وتبليغه للمدعى عليه من جهة أخرى للجواب عليه. وكذلك الشأن بالنسبة لانعقاد الجلسة أمام محكمة الاستئناف.
بل إن صياغة الفصول المشار إليهما تبين أنها لا تعطي الخيار للمحكمة او لرئيسها في تبليغ أوعدم تبليغ المقال الافتتاحي اوالاستئنافي. بل إن تبليغ المقالين هو واجب قانوني ،علما ان القانون وصف الامتناع عن البت في دعوى معينة بكونه إنكارا للعدالة.
وعندما نعيد قراءة تلك الفصول سنلاحظ بكل وضوح أن الآجال هي التي تحكم في تحريك الدعوى أمام القاضي وبالتالي هي التي تتحكم في انعقاد الجلسة من عدمه. علما بأن المقصود بانعقاد الجلسة ليس هو دخول القاضي للقاعة المحكمة بل إن المقصود بالجلسة هو الظرف الزمني، وليس المكاني، الذي يشرع فيه القاضي في تجهيز القضية التي كلف بها لكي يصدر حكمه فيها.
لأن القاضي عندما يأمر بتبليغ المقال الافتتاحي للمدعى عليه فهو ملزم بانتظار انتهاء الأجل المنصوص عليه في الفصل 40 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على ما يلي:
«يجب أن ينصرم ما بين تبليغ الاستدعاء واليوم المحدد للحضور أجل خمسة أيام إذا «كان للطرف موطن أو محل إقامة في مكان مقر المحكمة الابتدائية أو بمركز مجاور «لها ومدة خمسة عشر يوما إذا كان موجودا في أي محل آخر من تراب المملكة تحت «طائلة بطلان الحكم الذي قد يصدر غيابي.
بل إن ذلك الأجل سيزاد فيه بعشرة أيام في حالة رفض المدعي عليه التوصل بالاستدعاء ، و ذلك وفقا الفقرة الرابعة من الفصل 39 التي تنص على ما يلي:
«يعتبر الاستدعاء مسلما تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من «الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء
ومن غير المنازع فيه أنه عندما نريد إعادة انعقاد الجلسات من جديد بعد قرار تعليقها، فإنه يجب احترام نفس الآجال لكي تكون الجلسة مطابقة للقانون ويكون القاضي غير مواجه بالفصل 97 المشار إليه أعلاه.
لكن بما أن المادة السادسة مازالت سارية المفعول نظرا لكون القانون 20.23 ربطها بالفترة التي تكون فيها حالة الطوارئ الصحية معلنة. فإن النتيجة القانونية هي ان كل الآجال المشار اليها أعلاه مازالت متوقفة بقوة القانون. ومنها بالأساس الأجل المنصوص عليه في الفصل 40 من قانون المسطرة المدنية والأجل المنصوص عليه في الفصل 329 من نفس القانون.المتعلقين بجواب المدعى عليه أو المستأنف عليه.
وكذاك الآجال المعطاة للمدعي او المستأنف للتعقيب على جواب المدعى عليه أو جواب المستأنف عليه. والأجل المحدد للخبير في وضع تقريره. وباقي الآجال التي تتحرك بها الدعوى أي تتحرك بها الجلسة.
فالمادة السادسة إذن هي التي تعطل قانونا انعقاد جلسات المحكمة.
إذ يمكن أن تعقد جلسة معينة بالرغم عما تنص عليه المادة السادسة. لكن إذا لم يحضر المدعى عليه او لم يقدم جوابه فإن إصدار حكم عليه سيكون فيه خرق للفصل 40 وغيره. ونفس الأثر القانوني سيكون بالنسبة للخبير الذي لم ينجز تقريره اوغير ذلك من الإجراءات المشار إليها أعلاه.
ومن جهة أخرى فان الجلسة أمام المحكمة لا يمكنها ان تنعقد مع استمرار منع تنقل كل من المدعي والمدعى عليه قصد الحضور فيها. علما ان عدم حضورهما ليس راجعا لإرادتهما. وإنما هو راجع لقرار المنع من التنقل الذي أصدرته عن وزارة الداخلية وحصنته المادة الثالثة من مرسوم بقانون 2.20.292 الذي أصبح قانونا يحمل رقم 20.23 في انتظار نشره.
وانه بالرجوع إلى كل البلاغات الصادرة عن وزارة الداخلية يتبين منها أنها حددت بصفة حصرية من لهم الحق في التنقل سواء داخل نفس المدينة أو بين المدن.
وانه ومن الواضح من تلك البلاغات أن الأشخاص المسموح لهم بالتنقل لا يوجد بينهم المتقاضون الذين يريدون الانتقال إلى المحاكم. علما بأن مهمة رجل الأمن المكلف بتطبيق قرار المنع هي محصورة في التطبيق الحرفي لقرار المنع. وليس له أي سلطة في السماح لغير الأشخاص المذكورين في بلاغ الوزارة بخرق قرار المنع من التنقل.
ومن المفيد الإشارة إلى أن كلمة «الآجال» المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة السادسة القانون 20.23 لا تتعلق فقط بآجال الطعن وإنما تتعلق بجميع الآجال بكل أصنافها ومددها وهو الأمر الثابت من الفقرة الثانية من نفس المادة التي استثنت صراحة آجال الطعن بالاستئناف في قضايا المعتقلين. وهوالاستثناء الذي يؤكد القاعدة العامة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من نفس المادة.
وهو ما يعني أن الفقرة الأولى من نفس المادة تتعلق بكل الآجال بجميع أصنافها المنصوص عليها في النصوص التشريعي والتنظيمية كما سبق بيانه.
وإن نفس الملاحظات يمكن تسجيلها بخصوص جلسات القضايا الجنحية و القضايا الجنائية لغير المعتقلين التي تخضع هي كذلك لآجال استدعاء أطراف الدعوى العمومية و غيرها من الآجال.
كما أن المادة السادسة المذكور لا تطرح فقط إشكال انعقاد الجلسات. بل ستطرح في الأيام المقبلة أشكال آخر أكثر صعوبة. إذ ستوجد في تعارض مطلق مع الرفع التدريجي لحالة الطوارئ. الذي هو الطريقة الطبية الصحيحة التي تنصح بها المنظمة الدولية للصحة ويأمر بها ذوو الاختصاص.
والمغرب لن يخرج عن هذه القاعدة.بالتالي عندما تزول الظروف التي بررت إعلان حالة الطوارئ الصحية سيتم البدء في الرفع التدريجي للإجراءات القانونية المتخذة حاليا الصحية.
وعندما نقول الرفع التدريجي فإن ذلك سيترجم على أرض الواقع برفع الإجراءات التي فرضتها حالة الطوارئ بالأسبقية على المدن التي تحققت فيها ضمانات للحماية من إعادة انتشار الوباء، تم تأتي مدن أخرى إلى أن ترفع على كل التراب الوطني.
وعملية التدرج هذه سيتم تدبيرها بمراسيم تتخذها الحكومة وذلك وفقا لأحكام المادة الثالثة من القانون 20.23 والتي تنص على ما يلي:
«على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة، «خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه «الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير «وبلاغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية «للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم
علما بأن آلية المراسيم هي آلية سلسة تمكن الحكومة، كما هو الأمر في كل الدساتير ، من أن تتأقلم مع المتغيرات اليومية ولا تحتاج لا إلى مصادقة أو تصويت من البرلمان. إذ بواسطة المرسوم يمكن رفع حالة المنع من التنقل في مدينة والإبقاء عليه في مدينة أخرى. او إعادة فرض حالة المنع من التنقل على نفس المدينة حسب تطور الوباء عبر المدن.
فالمادة الثالثة أهلت الحكومة لاتخاذ الإجراءات في إطار السلطة التنظيمية التي تملكها ،أي بمراسيم وغيرها، تمكنها من تطبيق تلك الإجراءات على مدن معينة، ولا تطبقها على مدن أخرى.
لكن مقتضيات المادة السادسة هي مقتضيات قانونية وليس تنظيمية ، تتسم بطابعها العام و المجرد الذي لا يقبل التمييز في تطبيقها. بل يجب تطبيقها على جميع المغاربة وفي جميع المدن في نفس الوقت. فهي إما أن تطبق على الجميع أو لا تطبق على أي أحد. لان القانون لا يميز بين المواطنين المغاربة. ولا يميز بين المدن المغربية.
وانه ينتج عن ذلك ان المادة السادسة ستطرح مشكلا عندما يتم الرفع التدريجي لحالة الطوارئ على مدينة معينة.
فهل مقتضيات تلك المادة ستطبق في تلك المدينة وحده ام يجب الانتظار إلى حين الرفع الكلي لحالة الطوارئ على الصعيد الوطني.
علما بأن الآجال التشريعية لا علاقة لها بالمجال ترابي، وإنما هي مرتبطة بالدعاوى الشخصية للمتقاضي والذي قد يكون محل سكناه،إذا كان شخصا ذاتيا في مدينة وتكون له دعوى في مدينة أخرى. وإذا كان شركة قد يكون مقرها الاجتماعي في مدينة معينة وتكون لها عدة دعاوى أمام جميع المحاكم في جميع المدن بالمغرب.
فهل ستطبق عليه مقتضيات تلك المادة أم لا بالتجزئة ؟
بل إن محكمة واحدة قد يمتد نفوذها ليشمل عدة مدن. فهل هذه المحكمة ستوقف الآجال بالنسب لبعض الملفات ولا توقفه بالنسبة للبعض الآخر ؟
وإذا توفرت شروط الارتباط والضم بين ملفات معينة فما هو الإجراء الذي يجب عليها اتخاذه ؟
هذه الإشكالات غير موضوعة على القضاء ليبحث لها على الحل، وإنما هي موضوعة على الحكومة.
وأظن أن الحل ، من بين حلول أخرى قد تظهر، هو في تقديم مشروع قانون يقضي بحذف المادة السادسة من القانون 20.23. وترك تدبير الآجال في حالة الطوارئ الصحية بمقتضى مراسيم في إطار السلطة التنظيمية للحكومة. وفقا للصلاحيات التي أسندتها لها المادة الثالثة من القانون 20.23. التي أعطتها صلاحيات على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
وأنه لا يرد على الخيار بكون الحكومة باعتبارها سلطة تنفيذية ستتدخل في القضاء الذي هو سلطة قضائية مستقلة.
إن هذا التخوف ليس له موضوع لأن الحكومة لن تتدخل في سلطة القاضي ولا في سلطة المحكمة.وإنما ستتدخل وتمارس ما هو في صلب اختصاصها المتعلق بإصدار القانون.لان الذي ينظم الآجال ويحدد مددها هو القانون.
علما بأن الحكومة تدخلت بمرسوم في منع المواطن من التنقل الذي هو حق منصوص عليه في الدستور. مما يحق لها أن تتدخل بمرسوم كذلك بخصوص ما يتعلق بالقانون والذي هو،أي القانون ،اقل درجة من الدستور.
وبما أن إصدار مشروع القانون هو من اختصاص الحكومة طبقا للفصل92 من الدستور.وان إصدار القانون هو من اختصاص البرلمان طبقا للفصل 71 من الدستور. فأن حذف المادة السادسة من قانون 20.23 بمبادرة من الحكومة.
وهذه المبادرة ستجنب طرح الإشكالات المشار اليها أعلاه حاضرا ومستقبلا. بل ستساعد على انعقاد الجلسات بدون إخلالات قانونية، لن يتردد بعض الأطراف في الطعن في الأحكام التي ستصدر بالاستناد إليها. مما سيعرقل السير العادي للعدالة ويطيل المساطر والإجراءات التي يشتكي منها الجميع.

 

الكاتب : عبد الكبير طبيح - بتاريخ : 19/05/2020

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.