الشاعر عبد الرحيم الخصار لـ»الاتحاد الاشتراكي» يحلم الشاعر عادة بشيء واحد ، هو أن يصير العالم أقل ضراوة قصائد النثر في المغرب من أجمل ما يكتب في العالم العربي

يعد الشاعر عبد الرحيم الخصار أحد الأصوات الشعرية الجديدة في المغرب . وقد لاقت تجربته الشعرية اهتمام عدد من الكتاب والنقاد في المغرب والعالم العربي ، إذ تناولت عدة مقالات نقدية تجربته مما أتيح لي الاطلاع عليه في بعض المجلات والجرائد إضافة إلى متابعات نقدية وتنويهات بنصوصه المترجمة في الصحافة الأجنبية .

أصدر ابن مدينة آسفي الشاعر عبد الرحيم الخصار أربع مجموعات شعرية نذكر منها «أخيرا وصل الشتاء» و»أنظر وأكتفي بالنظر» و «نيران صديقة» و»بيت بعيد» . ولخص عبد الرحيم الخصار توجهه في الكتابة بقوله «إنني أكتب حياتي على الورق» .
حول كتابته ، وحول رأيه وزارة الثقافة في المغربية في ظل وافد جديد على رأسها ، وكذا حول القصيدة عن القصيدة والصيف وما إلى ذلك كان لنا هذا الحوار مع الشاعر عبد الرحيم الخصار .

o تم مؤخرا تعيين حكومة جديدة برئاسة سعد الدين العثماني وضمنها وزير جديد أسندت إليه حقيبتا «وزارة الثقافة ووزارة الاتصال» دفعة واحدة . في هذا السياق ، ما هي انتظاراتك من وزارة الثقافة ؟
n لا أنتظر من وزارة الثقافة شيئا ، ذلك أنني على العموم لا أنتظر من أحد شيئا. الكاتب لا ينتظر. عليه أن يسير على قدميه ، وألا ينتظر مرور قطار أو حافلة لتوصله . لذلك فإذا ما تلقيت دعوة لركوب القطار أو الحافلة أستجيب شاكرا ، وإن لم أتلقَّ أواصل المسير مغتبطا بحركة القدمين .
o أنت عضو في بيت الشعر في المغرب ومراسل ثقافي لبعض الصحف العربية «السفير – الأخبار « حدثنا عن هذا الجانب من متابعتك للأنشطة الثقافية ؟
n أكتب باستمرار مقالات وتغطيات عن الحركة الثقافية في المغرب ، وأحيانا أعمدة للصحافة العربية، خصوصا في لبنان: «النهار»، «السفير»، «الأخبار»، و»العربي الجديد» في فترة من الفترات ، وقبل ذلك كله «القدس العربي» . كان رهاني دائما هو أن يكون المغرب الثقافي حاضرا في المشرق ، ثم إنه شغل بالنسبة إليّ . عموما الصحافة الثقافية هي طريقتي الوحيدة تقريبا كي تكون الكتابة سلوكا يوميا .
o نلاحظ حضورك القوي على الشبكة الافتراضية «فيسبوك» في حين نلمس حضورك المحتشم في الجرائد الورقية مثلا ، بماذا تفسر هذا الحضور الغياب ؟
n في التسعينيات كنت أنشر بغزارة في الصحافة الوطنية . في «العلم» و»الاتحاد الاشتراكي» و»الميثاق» و»المنعطف» و»النشرة» و»المنظمة» وغيرها . وحين بدأت «المساء» كان لديّ فيها تقريبا مقال كل أسبوع . آخر عهدي بالصحافة الوطنية كان مع علي أنوزلا في «الجريدة الأولى»، حيث كنت أكتب عمودا أسبوعيا في الصفحة الثقافية ، وأعدّ مجموعة من الملفات .
لا أعرف ما علاقة الفايسبوك بالكتابة . هو فقط وسيلة تواصل ضمن وسائل أخرى . وغالبا ما أنشر فيه روابط المقالات والنصوص المنشورة في جرائد ومجلات ومواقع إلكترونية .
o أنت دائم الحضور على الفيسبوك وكأنك كائن فيسبوكي لا ينام، خصوصا وأنك قد تجيب صديقا ترك رسالة في الرابعة صباحا كما قد ترد على تعليق في ساعة متأخرة من الليل . ألا يلهيك كل هذا الحضور في الفيسبوك عن الكتابة والحياة ؟
n هذا الانطباع حاضر لدى العديد من أصدقائي ، فأنا أنشر الكثير من التدوينات في أعماق الليل ، ذلك فحسب أني كائن ليلي . وهذا مضر بالصحة كما تعرفين ، لكنه يخدم مزاج الأدب . أنا لا أقيم في الفايس بوك . أطل من حين لآخر، أدخل الفضاء الأزرق كي أستريح في محطاته العابرة من قراءة أو كتابة ما.
الفايسبوك قدم لي أشياء مهمة ، كسبت عبره صداقات كثيرة ومتابعات لما أكتبه ، وهذا جيد . ثم إنني أشتغل كثيرا عبر الفايسبوك في الجانب الصحافي . عموما الفايس بوك قد يأخذ بعض الوقت ، لكنه لا يأخذ كل الوقت .
o أعرف أنك عاشق كبير لأم كلثوم . من أين اكتسبت هذا الشغف الجميل ؟
n بالنسبة لي كانت أغنية لأم كلثوم مع كأس شاي بعد منتصف الليل تكفي لأشبع من الدنيا. يملك القروي من الصبر والزهد والهدوء ما يملكه ربان سفينة دربته السنوات على عدم الاكتراث لهزات الموج .
هذه الموسيقى لم تعد ممكنة في عصرنا ، أتساءل كيف كانوا يكتبون تلك الكلمات ؟ وكيف كانوا يصنعون هذه الألحان؟ تملك أم كلثوم مجرة من الأصوات في حلقها، لذلك فالذين لحنوا وكتبوا غالبا ما كانوا يهيمون داخل هذه المجرة ، يشبه ذلك سكرة إغريقية يتنادم فيها العشاق ويشربون من كأس واحدة .
بالنسبة لأم كلثوم لم أكن أسمع الموسيقى ، كنت أراها: الكونترباص هو العاشق الحاني بصوته الرخيم، أما الكمان فهو تلك الأنثى المرهفة التي تلمع الرقة في أناملها، الإيقاع هو صوت حوافر الأحصنة الأربعة التي تجر عربتهما، الأصابع التي تسحب خيوط القانون ربما هي الأصابع نفسها التي تحيك فستان الزفاف . الأكورديون لحظة احتضان، والأنفاس التي تندفع في جسد الناي وتخرج من نوافذه تشبه أسراب طيور أُثقل ريشها بالألم ، العود هو الذي يروي الحكاية ، أما صوت أم كلثوم فكان يأتي كغابة جرفتها مياه الحب ، أو كرعشة يعقبها الفقدان .
o وماذا عن أحلام الشاعر ؟
n يحلم الشاعر عادة بشيء واحد ، هو أن يصير العالم أقل ضراوة . عدا ذلك فلا شيء يستحق أن تتعب روحك من أجله ، يقول أقربائي ورفاقي إن أعصابي مطمورة في القطب المتجمد ، لقد دربت نفسي على الهدوء . لماذا سأملأ بالصخب حياةً جاءت من الهدوء وستعود إليه ؟
*نلاحظ أن عددا كبيرا من الشعراء المعروفين بكتاباتهم الجيدة يعيشون في مدن هامشية في حين يختار بعض الشعراء الإقامة في المركز أو بالقرب منه ، كيف تنظر لهذا التوزيع في الخريطة الشعرية المغربية ؟
لا أنتبه كثيرا لهذه المسألة . في الكتابة ليس هناك مكان مركزي وآخر هامشي . مرة كتبتُ مقالا عنوانه «المركز الثقافي هو حاسوبك المحمول». لقد زرت أمريكا في أكثر من مناسبة . والكتاب الكبار والصغار أيضا لا يقيمون في واشنطن بالضبط . إنهم يهربون إلى الغابات والأرياف .
o أنت تقطن في إقليم آسفي في منطقة قريبة من البحر ، لماذا لا يظهر هذا البحر في قصائدك ؟
n البحر حاضر في قصائدي . بل إن تيمة البحّار تحضر في الكثير من التشكيلات الشعرية الأثيرة لديّ .

o كيف ترى قصيدة النثر في المغرب وفي العالم العربي اليوم ؟
n قصائد النثر في المغرب هي في الحقيقة من أجمل ما يكتب الآن في هذا الجنس في العالم العربي .
o قلت في أحد المهرجانات في فرنسا إنك تكتب حياتك على الورق ، ماذا كنت تقصد بالضبط ؟
n نعم حدث ذلك قبل ثماني سنوات في مهرجان شعري في فرنسا حين سألتني سيدة : «ألا ترى أن كل شيء قد كُتب ، فماذا ستكتب أنت؟» . كان السؤال صادما إلى حد ما. قلت لها ، «فعلا كلّ شيء قد كتب باستثناء شيء وحيد ، هو حياتي . لا أحد سيكتب حياتي ، لذلك سأكتبها أنا. وهذا ما أفعله في الشعر، أكتب على الورق تفاصيل من حياة عشتها وأعيشها . أفكاري الصغيرة وأحلامي وهواجسي ومخاوفي، تفاصيل الحياة ونظرتي إلى هذه التفاصيل كلها أشياء تتحول من طين إلى آنية فخار داخل المسكن الشعري.
o هل تشبه هذه الآنية تلك الجائزة التي حصلت عليها وأنت طفل في الخامسة ابتدائي ؟
n نعم ، كنتُ طفلا في عامي السابع حين كتبت ما يشبه الشعر على أوراق متفرقة في مذكرة صغيرة . كان ذلك مطلع الثمانينيات ، درست سنتين في الكتّاب قبل الوصول إلى المدرسة ، وكانت عربيتي آنذاك أطول من قامتي وأكبر من سنّي. في السنة الخامسة ابتدائي حصلت على جائزة أحسن نص أدبي في المدرسة ، وقد كانت أول مرة أصعد فيها إلى المنصة لأتسلم شيئا مقابل شيء آخر صنعته . كانت الجائزة آنية كبيرة من الفخار، ظلت معي في البيت ربما عشر سنوات ، مازال لونها الأزرق يلمع من حين لآخر في ذاكرتي .
o يشتغل والدك في صناعة تقليدية نادرة اليوم وهي صناعة البنادق «لمكاحل» التي تستعمل في الفروسية . كيف تنظر إلى والدك ؟ وكيف هي علاقتك بيديه التي تصنعان أشياء جميلة وذات قيمة؟
n من والدي تعلمت أشياء كثيرة ، الصبر مثلا ، والزهد ، وحب الشاي ، والروح السعيدة رغم كل النكد المحيط بها . تعلمت أيضا عدم التسرع في الكتابة ، وإعطاء النص وقته وحقه ومزاجه ، فوالدي يستغرق من أسبوعين إلى ثلاثة في العمل اليومي الدؤوب من أجل صناعة بندقية بارود واحدة جميلة وأصيلة ومتينة أيضا .
o بما أننا في فصل الصيف ، كيف يقضي الشاعر عبد الرحيم الخصار عطلته الصيفية ؟ وماذا تقرأ في الصيف ؟
n الصيف بالنسبة لي فصل كتابة . أكتب في الصيف أكثر مما أكتبه في مجموع الفصول الأخرى .
أما بالنسبة للسفر فأتجه غالبا إلى المدن البحرية ، أقيم هذه الأيام في مدينة الوليدية . ومن داخل المصطاف أجد وقتا ومزاجا جيدين للكتابة ، أحب المدن الساحلية الصغيرة ، إنها مدن ملهمة بالنسبة إلي.
في الصيف أقرأ غالبا الروايات وكتب التاريخ ، فضلا عن المتابعة اليومية لعدد من المقالات الأدبية والسياسية .
o ماهو النص الذي تحلم بكتابته ؟
n كتبت لحد الآن أربع مجموعات شعرية «أخيرا وصل الشتاء» ، وبعدها «أنظر وأكتفي بالنظر» ثم «نيران صديقة»، «بيت بعيد». لكني أعتقد أني كتبت في الحقيقة نصا واحدا، طفل يريد أن يقول شيئا للعالم ، طفل يعرف أنه سيظل طفلا رغم تعاقب السنوات ، يعرف أيضا أن سجادة العمر قصيرة ، وستُطوى بسرعة ، لذلك يريد أن يقول شيئا لهذا العالم قبل أن يغادره . هذا هو النص الذي بدأته في الكتب السابقة والذي سأواصل كتابته في ما سيأتي .
o استعدادا للموسم الثقافي المقبل ، ما هو مشروعك الشعري القادم ؟*
n أشتغل منذ أربع سنوات على عمل شعري سيكون بمثابة نص واحد طويل ، عنوانه «عودة آدم»، وهو يحتاج أمرين : الوقت والمزاج . والمشكل هو أنه حين يحضر أحدهما يغيب الآخر.


الكاتب : حاورته: شهرزاد عجرودي

  

بتاريخ : 02/08/2017