آل باتشينو: يسهُل خداع العين أما التحايل على القلب فهو الأصعب

عد ظهوره في فيلم المخرج الأمريكي كونتين تارنتينو الأخير حدث ذات مرة في هوليود، يتابع محبيّ الممثل الأمريكي ألفريدو جيمس باتشينو، آل باتشينو «1940» دوره في فيلمه الأخير The Irishman الرجل الإيرلندي الذي طال انتظاره، منذ قرابة عامين بعد أن أعلن مخرجه مارتن سكورسيزي عن بطولة مشتركة تجمع باتشينو وروبريت دي نييرو، هذه الشراكة التي استغرق التخطيط لها قرابة ثلاثة عقود وأثمرت عن الفيلم الذي سوف يعرض على شبكة الأفلام والمسلسلات الأمريكية نتفليكس، وفي دور السينما في العالم قريبًا. يشارك باتشينو للمرة الأولى في فيلمٍ من إخراج سكورسيزي، الأخير اسم مكرّس وواحد من أساطير الإخراج السينمائي، والأول غني عن التعريف والتقديم. لكن ما هي أهم الأدوار التي قام بها باتشينو، من أشهر المخرجين الذين تعامل معهم، والأدوار التي عُرف بها وميزت مسيرته؟
بعد بدايته المسرحية، التقى بالمخرج جيري شاتزبرغ في بداية السبعينيات، ونتج عن لقائهما فيلمين، أحدهما هو The Panic in Needle Park ذعر في نيدل بارك، عُرف بالمشاهد الصامتة خلال سيره في المتنزه إلى جانب الممثلة كيتي وين التي شاركته البطولة. التقى بعدها باتشينو بالمخرج فرانسيس فورد كوبولا، وصور معه شخصية مايكل كورليوني في ثلاثية العراب The Godfather ، الدور الخالد الذي لعبه في شبابه، عُرفت هذه الشخصية بدقة حركة الجسد والتجسيد وقدرة الممثل على نقل العالم الداخلي للشخصية عن طريق الوضعيات والحركة والتحكم بالصمت. لعب بعدها باتشينو على شخصية أخرى مختلفة تمامًا في فيلم سيربيكو للمخرج سيدني لوميت صاحب تحف عديدة في تاريخ السينما، ظل دوره في هذا الفيلم علامة على احترافيته وقدرته على تجسيد شخصيات عديدة بملامح ومضمون متناقض.
يعود إلى كوبولا ليصور الجزء الثاني من فيلم العراب، ومن ثم يتابع تعاونه مع المخرج سيدني لوميت في فيلم dog day afternoon ويؤدي شخصية سوني سارق البنك الذي تتحول حكايته إلى حكاية إشكالية على مستوى كبير. لتأتي بعدها أعماله المتتالية في أواخر السبعينيات، دور محامي يجبر على الدفاع عن مذنب في فيلم and justice for all. وشخصية المؤلف المسرحي الذي عليه تحمل أعباء إنتاج مسرحية في برودواي إلى جانب تربية أبناءه في فيلم Author! Author! ثم يؤدي شخصية طوني مانتانا في مشاركته الأولى مع المخرج يراين دي بالما وعبقري السينما أوليفر ستون، في فيلم Scarface.
في بداية التسعينيات يختم ثلاثية العراب بالمشاركة بالجزء الأخير. ومن ثم يلعب دور رجل أعمى في واحد من أكثر أفلامه شهرة خلال تلك الفترة، فيلم Scent of a Woman للمخرج مارتن بريست وقد أوصله هذا الدور للحصول على جائزة أوسكار على أداءه عام 1991. كذلك تعرف له مشاركته في كتابة الفيلم الوثائقي البحث عن ريتشارد وإخراجه، وفي وقت لاحق شارك في كتابة وإخراج الفيلم الوثائقي أيضًا سالومي وايلد فعندما أراد إخراج الأفلام عاد إلى النص المسرحي ربما اعترافًا بالجذر المسرحي لخبراته وتأثير الدراما المسرحية في مسيرته.
لعب باتشينو العديد من الأدوار في بداية الألفية، وتعامل مع مخرجين متنوعين، من أمثال كريستوفر نولان وستيفن سودربرغ، وصولًا إلى تعاونه مع المخرج ديفيد غولدن غرين في فيلم Manglehorn ومرورًا على تعاونه مع الكاتب المسرحي ديفيد ماميت في فيلم Phil Spector، الذي صور فيه باتشينو شخصية المنتج الموسيقي المضطرب الشهير فيل سبيكتور. وختامًا فيلمه الأخير مع مارتن سكورسيزي الذي سماه البعض بالحلم السينمائي.
بقيت إلى اليوم أداءات باتشينو لشخصيات مختلفة ومتناقضة، وقدرته على الابتكار والتجسيد، علامة من علامات الأداء التمثيلي في هوليود والعالم، تلك البراعة التي تزينت خلال سنوات الشباب في ثلاثية العراب، بقيت من أهم مرجعيات الأداء في عالم التمثيل.

صاحب الأداء المسرحي في تركيب المشاهد السينمائية، ونجم ثلاثية فرانسيس فورد دي كوبولا «العراب» الذي لفظته مسارح برودواي، بيتمه وفقره، بعيدًا قبل أن يلتئم شمله إلى السينما. لاعب شخصية الكوبي «توني مونتانا» نجم «سكارفيس» الذي طبع به أوليفر ستون سينما الثمانينات ببصمته، بل وحالة سياسية عبرت الولايات المتحدة بأكلمها. وأحد أبرز وأكثر الوجوه تكريسًا في أفلام لم تخب من وعي العالم على مدار 4 عقود، هذا ما يمكن أن يتيسر في تقديم وجه آل باتشينو، الذي ننقل ترجمة هذا الحوار معه حول تجربته وأخطائه وموقفه من الفن والاشتغال فيه.

n سيد آل باتشينو، كيف تتعامل مع حجم إنجازاتك وثقلها؟

pp لا أعرف. أنت لا تفكر في الأمر بهذه الطريقة. لا تفكر في تلك الأجزاء على أنها إنجازات. بل تفكر في الأدوار التي تلعبها واللوحات التي صنعتها. أعني، تخيل ممثلًا يقول: «لا أريد الاستمرار بعد الآن لأنني لا أستطيع تقديم أفضل من الفيلم الأخير الذي صنعته، قد أستقيل الآن». ندعو ذلك الاستناد إلى أمجادك، والاكتفاء بما حققته وأظن أنه ليس من المفترض أن تفعل ذلك. لكن في الحقيقة أنا أؤيد ذلك بشدة! الاكتفاء بأمجادك، تحصل على شيك كبير لطيف، ثم تتجه لممارسة مهنة أخرى، ولكن لسبب ما، أرغب بالعودة والقيام بهذه الأشياء.

n هل لأنك ترغب في تجربة شيء جديد؟
pp نعم، إذا وجدت شيئًا أشعر أنه يمكنني المساهمة فيه بطريقة ما، وأشعر كما لو كنت داخله، وأنا أقول شيئًا ما، أيًا كان معنى ذلك. فما يعنيه ذلك هو أنني كما يقول شكسبير: «أحمل المرآة أمام الطبيعة». إذا كنت أعبر عن شيء أشعر بأنه وسيلة لاستخدام موهبتي والمساعدة في إيصال دور، إنسان في فيلم، سأحاول القيام بذلك. لن أقول كلمة «تقاعد» لأنها كلمة غريبة بالنسبة لفنان أن يقول «تقاعد».
n يقول الفنان كريستو إن الفنانين لا يتقاعدون، إنهم يموتون.

pp لكن هناك فنانين تقاعدوا. مثل فيليب روث، لعب دورًا في فيلم استند إلى كتابThe Humbling. لقد ترك الكتابة وهو سعيد للغاية! هكذا يقول. إنه ينطلق لفعل ما يشاء. أستطيع فهم ذلك. يكتسب الأمر بعضًا من الرتابة. إذ تحصل على النص، ثم يكون عليك قراءة النص، ودراسته. عليك أن تمر بتلك العملية مرة أخرى. لذلك، فأنت تبحث عن الأشياء الأخرى، مثل المخرج الذي يريد استخدامك.

لكن بالتأكيد أن جميع المخرجين يريدونك.

pp قبل الفيلم الأول من «الأب الروحي»The Godfather لم يكن أحد آخر يريدني. لكن فرانسيس فورد دي كوبولا أرادني! لقد أرادني فقط، ولم أفهم ذلك. لم تردني الاستوديوهات، ولم يكن أحد يريدني، لم يكن أحد يعرفني. أعتقد أنه عندما يهتم أحد المخرجين، فإنني أميل للمشاركة بدلاً من التراجع. إنك تتطلع إلى مخاطرة يمكنك تحملها، إلى تحدٍ جديد، إلى حقيقة أنك تسقط وتنهض وتستمر.
n وما تفسير ذلك؟

pp عندما تمارس ذلك لفترة طويلة كافية، فأنت ترغب في البقاء منفتحًا، لا تريد الانغلاق لأنه من المهم الاحتفاظ بضعفك الإنساني. لا يجب أن يصبح جلدك ثخينًا، وأن تتوقف عن التأثر والالتفات لما يقوله الآخرون. كما يقول بريخت في تلك المسرحية العظيمة، التي كتبها في سن مبكرة أيضًا. إذ جاء على لسان إحدى شخصيات مسرحيته «في أحراش المدن» القول: «إن جلد الإنسان رقيق للغاية في مواجهة هذا العالم». لذلك يرى أنه يزداد سمكًا، حتى يصل في نهاية المطاف إلى عدم الإحساس بالأشياء التي يصطدم بها.
n هل تندم على أي من الأفلام التي قمت بها بسبب رغبتك في دفع حدودك الخاصة؟
pp لست نادمًا على أي شيء. أشعر أنني قدمت ما أصفه بالأخطاء. اخترت الفيلم الخطأ، أو لم أبحث عن شخصية أو لعبت دور شخص ما وقمت ببعض الخيارات، ولكن كل ما تفعله هو جزء منك، وتحصل على شيء منه. أعني أن فكرة وإثارة وجودك في هذه المواقف والأماكن، إنها أكثر من مجرد ذكريات، فهي تُطلعك على حياتك. لذا لا أندم على أي شيء.

n ولا حتى رفض فيلم حرب النجوم Star Wars؟
pp نعم! حرب النجوم كان أول خطأ كبير لي.
n وماذا عن سيناريو تيرانس ماليك؟
نعم، منذ وقت طويل أراد تيري أن أكون في أحد الأفلام، وكنت أتمنى ذلك دائمًا. هذا خطأ آخر من أخطائي الكثيرة. إنها في متحف الأخطاء! كل النصوص التي رفضتها!

n هل تقول بأن لديك نهجًا مختلفًا للتعامل مع التمثيل مقارنة بذي قبل؟

pp نعم، أتخيل أنني أفعل. لم أكن لأتمكن من الاستمرار في هذا الأمر لفترة طويلة بطريقة مختلفة. نحن نمر بدورات حياتنا ونحن نعيش وأعتقد أن العمر له علاقة بذلك. أعتقد أننا اليوم هنا، ثم سنختفي من هذه النقطة! نحن نمر عبر دورات في حياتنا.
n هل تستمتع بهذه الدورة من حياتك؟
pp أتعرف، عندما تفكر في ذلك، هل نصف الكوب فارغ أم نصف ممتلئ؟ هذا هو الحال بالنسبة لنا جميعًا، حقًا، هناك أيام أستمتع بها حقًا. ولكن هناك أيام لا أفعل ذلك. إذا كنت رسامًا لا أحد سيسألني عن عمري. «أنا أرسم! أنا فنان! «أنا أكره قول ذلك، لا أحب قول ذلك، هذا شيء تعلمته في وقت مبكر. قالت امرأة عشت معها، «أيًا كان ما تفعله، لا تخبرهم بأنك فنان». قلت: « أعرف! أنا لا أفعل»! سأتفادى ذلك. ولقد تجنبت ذلك لسنوات عديدة. لنقل الأمر بهذه الطريقة، أعتقد أنني فنان، أتمنى أن أكون كذلك، لكن أعتقد أنني لو كنت رسامًا، فإن الأسئلة ستكون مختلفة.

n لكن لدى جميع الممثلين المشكلة ذاتها.
pp بسبب الشيء المرئي. بسبب الصورة. لأنه يجب أن نتعامل مع صورنا، على الرغم من أننا نلعب شخصيات مختلفة، إلا أن الصورة موجودة دائمًا. إذن هذا جزء من سبب وجود نوع من الادعاء في القول بأنك فنان، لأنه في النهاية أنت نجم سينمائي، وهذا خطأ أيضًا! هذا ادعاء أيضًا، أنا نجم سينمائي! إذن ماذا عليك أن تقول؟


//