أحمد أوعياش رئيس كومادير: المغرب معني جدا بتحدي توفيرالأمن الغذائي لبلادنا أولا و للبلدان التي نصدر إليها ثانيا

– بعد تسع سنوات من تفعيل مخطط المغرب الأخضر، وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت ، مازالت الفلاحة الوطنية رهينة التساقطات المطرية .. كيف تفسرون ذلك؟

– التقلبات المناخية حقيقة نعيشها في المغرب منذ 30 سنة، إذا استثنينا السنوات العجاف السلبية جدا، فإننا ننظر إليها كمعطى بنيوي وهيكلي قائم، الذاكرة الحية مازالت تحتفظ بمخلفات السنوات العجاف في الثمانينات والتسعينات من فقر ومديونية، ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا لحظة أن المغرب يتواجد في منطقة مهددة أكثر من غيرها بمخاطر الجفاف وكذلك هو شأن دول الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط التي يغلب عليها المناخ الصحراوي ،الجديد اليوم هو أننا لم نعد وحدنا نعاني من تبعات هذه التقلبات المناخية بل أصبحت جميع دول المعمور ضحية لظاهرة الاحتباس الحراري ومخلفاته الكارثية ،بالنسبة لنا في المغرب تعاطينا مع الجفاف وندرة المياه منذ زمن طويل، و يعرف الجميع كيف انطلقت سياسة السدود في عهد الملك الراحل الحسن الثاني و كيف كانت حكومة التناوب سباقة الى فتح الحوار الوطني حول الماء والذي وضع الأصبع على مواقع الخلل، وتبين بأن المغرب إذا لم يأخذ التدابير اللازمة، فإنه مهدد بالشح المائي حيث يتراجع نصيب الفرد من المياه بشكل مسترسل مع النمو الديموغرافي . الآن نحن في طور المرور إلى مرحلة أصعب تقتضي سياسة دقيقة لتدبير ندرة المياه ، وفي إطار المخطط الأخضر انطلقت العديد من البرامج الهادفة إلى اقتصاد مياه السقي و التحول التدريجي من السقي التقليدي إلى أساليب اقتصادية كالسقي الموضعي ، وفي هذا الإطار، لا يمكن أن ننكر بأن الدولة قدمت –ولاتزال – إعانات كبرى تصل إلى مائة في المائة لإدخال هذه التقنيات وهو ما نسجله بكل اعتزاز .كما أن المخطط اتجه نحو التقليص من بعض الزراعات المستهلكة للمياه واستبدالها بزراعات ملائمة للخارطة المناخية للبلاد . اليوم أصبح هذا الموضوع هو الشغل الشاغل لصناع القرار السياسي في العديد من الدول بعدما حصلت القناعة بأن العالم دخل مع هذه التقلبات المناخية في مرحلة عصيبة يجب التعامل معها بطريقة هيكلية، عام 2030 سنكون 9 ملايير على سطح الكوكب مع ما يعنيه ذلك من تحديات توفير مواردنا الغذائية، ونحن في المغرب معنيون جدا بتحدي توفير الأمن الغذائي لبلادنا بالدرجة الأولى و للبلدان التي نصدر إليها بدرجة ثانية. لذلك فإن المغرب ملزم بتطوير فلاحة نظيفة ومستدامة ، والفلاح هو من يجب أن يكون في قلب المعادلة ويشارك في تهيئ القرار السياسي ويؤخذ برأيه عند صياغة السياسات التي تهم الفلاحة و تدبير المياه و الأمن الغذائي.
– راهن مخطط المغرب الأخضر على النهوض بأوضاع المعيشة في العالم القروي، إلا أن المقاربة الشمولية والمندمجة التي تمزج بين التنمية الفلاحية والتنمية القروية، مازالت متعثرة في الوصول الى الحياة اليومية لساكنة البوادي، هل ترون أن هناك حاجة ماسة إلى مراجعة النموذج التنموي للسياسات العمومية في هذا المجال؟

– أعتقد أن البادية مازالت في حاجة إلى مخطط تنموي شامل، صحيح أن هذا المخطط الفلاحي قد أعطى نفسا جديدا للاقتصاد، وساهم في تحسين مجموعة من السلاسل الإنتاجية، كما ساهم إلى حد ما في الرفع من دخل العديد من الفلاحين، غير أننا نؤمن بأنه لا تنمية قروية بدون تنمية فلاحية، كما أنه لاتنمية فلاحية بدون تنمية قروية، وجميع السياسات العمومية التي وجهت لهذا القطاع، منذ الاستقلال الى اليوم، تمحورت حول أربعة أهداف رئيسية، أولها تلبية حاجيات البلاد من المواد الغذائية الأساسية، وثانيها جعل الفلاحة رافعة لجلب العملة الصعبة عبر التصدير، وثالثها رفع دخل الفلاح وتحسين قدرته الشرائية لحفظ كرامته، و أخيرا عصرنة البادية وتحديث بنياتها. إلا أننا في هذه النقطة الأخيرة بالذات، مازلنا متأخرين، وقد كانت حكومة التناوب قد انتبهت إلى هذا التأخر و إلى ضرورة الربط العضوي بين السياسات العمومية الموجهة للفلاحة من جهة، وتلك الموجهة للنهوض بالعالم القروي من جهة أخرى، وهو ما جعلها تباشر هذا الملف بمقاربة شمولية عبر خلق وزارة “الفلاحة والتنمية القروية”، غير أنه مع مرور الوقت وتعاقب الحكومات حصل نوع من الفتور في تطبيق هذه المقاربة المندمجة. وبغض النظر عن الفلاحة، نجد أن العالم القروي مازال يشكو من خصاص كبير على مجموعة من المستويات ، ففي العديد من البوادي ما زال هناك تأخر ملحوظ في فك العزلة عن الساكنة ، وما زال ثمة نقص كبير في العديد من البنيات التحتية والمرافق الأساسية. ونلاحظ اليوم كيف أن السياسة الحكومية الحالية متجهة بشكل أقوى نحو تنمية الحواضر و المدن التي تبتلع القدر الأكبر من الاستثمارات العمومية، حتى أن هذه الحكومة فكرت في تخصيص وزارة تعنى بسياسة المدينة في حين أنها أغفلت إحداث وزارة تعنى بسياسة القرى ، فالسكن الاجتماعي حكر على المدن، كما لو أن سكان القرى في غنى عن هذا النوع من السكن، وقس على ذلك في قطاعات التمدرس والصحة وغيرها،صحيح أن هناك مجهودا استثماريا كبيرا يبذل منذ سنوات في هذا الاتجاه، إلا أن الاستثمار في البوادي مازال دون مستوى طموحات وانتظارات سكان المناطق القروية والجبلية، الذين يستشعرون حجم الخصاص، فهناك فرق شاسع في المعيشة ما بين المدينة والبادية، بل وحتى بين البادية والبادية، مازالت هناك تفاوتات مجالية هائلة، نحن في حاجة ماسة إلى الاجتهاد و إلى تطوير سياسات مبتكرة ،لماذا مثلا لا تتم تنمية السياحة الخضراء الموجهة نحو الجبال و القرى التي تحفل بثروات سياحية هائلة مازالت ،للأسف، مهمشة..؟ ومع ذلك أملنا كبير في إنجاح مشروع الجهوية المتقدمة، لقد حان الموعد للدخول في سياسة هادفة لجر القرى والمناطق النائية للالتحاق بركب الحداثة والعصرنة، وبالتالي يجب أن تكون هذه هي أولوية الأولويات خلال العشر سنوات القادمة، حتى نقلص من حجم التفاوتات والتناقضات الصارخة بين مناطق المملكة.


الكاتب : حاوره عماد عادل

  

بتاريخ : 18/04/2017