أحمد الشهاوي: «أتحدث باسمك ككمان» .. بين مجاز الذاكرة ومجاز اللغة

منذ تعرفت على الشاعر الشهاوي منتصف الثمانينات بمراكش، وأنا أجده مهووسا بكتابة قصيدة مختلفة، تمتح من كنوز الشعر العربي، من التراث، ومن المتن الشعري الصوفي أساسا. من ذاته وهو أمام مرآة الشعر وفيها. مسكونا بلغة الحب والعشق الإلهي. وهذا ما تشير إليه مختلف عناوين الكتب الشعرية التي أهداها إلي بمراكش أو بالقاهرة: “كتاب العشق “، “كن عاشقا”، “سماء باسمي”، “لا أراني” وغيرها.
شاعر منشغل بالشعر وبالمعرفة العالمة في مختلف صنوفها؛ وبالحدث الصوفي، من حيث الكيانات والرموز والقاموس الصوفي. وأنا أتقرى لغته الشعرية في مختلف نصوصه الشعرية، لا تشدني رومانسية القصيدة في انسيابها وموسيقاها، أو في شرارتها الداخلية وفي احتراقها الضوئي، ولكنني غالبا ما أبحث في مسوغات النص الشعري لدى الشهاوي، متخيله الشعري، وصنعته في القول الشعري، دون أن تطغى الجملة الصوفية على العمق الشعري، وحفره الكبير في آلام الإنسان وذاته المخفية خلف هشاشة الشاعر، ولغته في التعبير عن مشاعره تجاه قضايا الواقع والعالم.
هكذا يعلن الشاعر عن دوره في الواقع وفي الحياة. باحثا عن نورٍ ضاع في الظلام. غابَ بغياب سراجه في الحياة، الأم التي حلمتْ به. غابت الأم، وبقي الشاعر متشبثا بالحلم. بالبحث عن نور في الظلام. أليس الشعر كتابة الألم بالحلم، ببصيرة الشاعر، بمشكاته يخترق الظلام؟!
” حدَّقتُ في الظلام لأرى النورَ الذي غابَ
وأدخلَ النسيجَ الذي حلمتْ به أمِّي”ص101.
في الحب حياة أخرى، يكتمل بها نقصان، وفراغ تركته الأم. من خلال ذلك يمكن أن أتحدث عن الكتاب الشعري الجديد للشاعر المصري أحمد الشهاوي، “أتحدث باسمك ككمان”، كتجربة جديدة في مساره الشعري الغني، وفي ديوان الشعر العربي.
ثمة دائما نقصان ما يحس به الشاعر، وربما فراغ تتركه الأم، أو ربما امرأة في قيمة الأم، يدفع الشاعر إلى الكتابة. إذ في لقاء الحب تكمن حياة أخرى للذات وللآخر. في النص وفي الحياة. والشعر غالبا، لا يوجد على الطرقات، ولكنه يختار الهامش، والفراغ والصمت.
من هذه الملاحظة أو الفرضية يمكن قراءة تجربة الشهاوي، في هذا العمل على اعتبار أن ما يميزه انطلاقا من عنوانه، هو متغير الكمان، كآلة موسيقية تسبق اللغة في التعبير عن المشاعر والإحساس بها، والبوح بأنغام الذات في آلامها وتشوفها إلى المحبوب. أليست الأوتار كلمات الداخل في تموجها وفي ذبذباتها نحو الأعلى؟! من هنا تتماهى الكتابة بالنفَس الشعري وبتحولاته، وتصل الذات إلى درجة الحلول والصفاء الشعري.
لا يتغيا النص الشعري لغة التصوف، في أغلب نصوص الشهاوي الشعرية والنثرية، وفي هذا الكتاب أساسا، أو يسعى إلى استدعائها لقول حالة شعرية ما، ولكنه يبحث عن كيفية تجعل معجم الجسد قاموسا يقود اللغة إلى الشطح، ويخفي الزمن في جيب سري. ذلك مبتغى الشاعر وبحثه عن المعنى.

“أتحدثُ باسمكِ ككمانٍ خرجَ على المعتادِ
وهجرَ الأوتارَ
ولا أسندُ كلماتٍ لي في اللحظة صِفر
أو في ذروةِ شطفِ النار لذهبٍ لي
ولا أحتاجُ لدحرجةِ الصخرةِ
فالسهلُ معي والقمةُ
وطريقُ الدلتا والنهرُ بكاملِ وِرده
واللغةُ مُصفاةٌ”ص17

يوجز هذا المقطع ميثاق الشاعر مع القارئ، وفكرة الكتاب الشعري للشهاوي وبؤرته التي منها تتمدد ذبذباته وتموجاته في النصوص كلها. منها تنطلق وإليها تعود وتتعالى في سمفونية شعرية صامتة تقولها اللغة، وينساب منها ماء الكمان. وهو لربما كمينُ الشعر في عشقه الروحي وفي حاله الشعري المختلف.
وحين يتحدث الشاعر الشهاوي شعريا عن الجسد، وعن علاقته بالمرأة، رغم أنه يبحث في تفاصيلها، وفي تضاريس الجسد، فإنه لا يتوقف عند ذلك. وكأنك تصادف في قصيدته إيروتيكا شعرية، كما لدى عدد من الشعراء. ولكنني أطابق بين علاقته بالجسد، وعلاقته باللغة في أسمى معانيها وتعبيراتها الروحية.
يقول الشاعر الشهاوي في وصايا الكتابة: “يفشل الشاعر إذا عول على الظاهر والواقع، كذلك يفشل العاشق الذي لا يرى من امرأته إلا جسدها فيغرق فيه مُلتذاً لذائذ مؤقتة لا تدوم و لا تتعمق، لأنه لم ير ما وراء الجسد”.
وفي لحظة الحب، كما يقول أدونيس، يتجاوز كل من الرجل والمرأة فرديته، في وحدة يشعران فيها أنهما أكثر مما هما، أنهما الواقع والمطلق، الوجود وما وراءه، ولا يعود كل منهما إلا تجليا للآخر.
لذا فتجربة الشعر في “أتحدث باسمك ككمان”، تحتوي تجربة العشق، وتسمو بها إلى أنوار الدهشة، وملكوت العشق الإلهي. كما تكشف للعابر لنص الشهاوي، موقفه الشعري، وخصوصية تجربته في الكتابة، وفي حواره الشعري، مع تجارب سابقة وحاضرة، وهو يؤسس للغة جديدة، وتجربة جديدة في الكتابة الشعرية العربية.

” دقتُ الجُمَل بلا حذفٍ
وخلوتُ من القيدِ
ألتفُّ وتشعلُ النار
ولا أُسقِطُ سبباً في تفعيلةِ ما يتحركُ فيكِ ويهتزُّ”ص17.

الشاعر هنا لا يركن إلى شكل ثابت، أو يكتب وفق تقليد شعري، يستمر في الذاكرة، وفي ما ينتج من نصوص، ومن رؤى شعرية؛ ولكنه يكتب نصه الشعري الجديد، بعيدا عن التقليد، في اللغة الشعرية، وفي مستنداتها الرؤيوية والبلاغية.
فالشاعر لا يستند فقط إلى الذاكرة للبحث عن المعنى، وعن لغز الكون، في الذات وفي الكتابة. تلك كينونته، وذلك بحثه المستمر، كشخص منذور لاختلاق عالم آخر مختلف من الكلمات. “تضيعُ يدي في البحثِ عن الذاكرة/ فأفكِّرُ في حلٍّ أو حيلةٍ/ كي لا أخسرَ هذا النص”ص20.
الذاكرة، ليست مادة جاهزة دائما للكتابة، لأنها منذورة للنسيان، ولكنها قبو مليء باللحظات والوقائع التي عاشها الشاعر. تشتغل فيها المخيلة، بالتذكر واللغة. اللغة تذكر. صنيع شعري جديد من اللغة، من المكان، ومن الحياة.
وإذا كانت الحياة كما تصفها اللغة، كما يقول الكاتب الصيني “هاو شاو غونغ، فاللغة الشعرية في تجربة الشهاوي في هذا الديوان، لا تعكس بشكل مباشر علاقة حب عادية بين رجل وامرأة، ولكنها تتعالى عن واقع عادي، لإنتاج علاقة جديدة في الحب وفي الحياة.
الشاعر يستثمر اللغة الصوفية، في صفائها الروحي، وفي مجازها الصافي، بخبرة الشاعر في الانهمام بتجربة التصوف، وبمعرفة عالمة في المتن الصوفي الإسلامي. من ابن الفارض إلى ابن عربي، وغيرهما من أقطاب التصوف الإسلامي، وذلك بلغة شعرية تتنزَّه عن البعد الإيروتيكي من جهة، وعن البعد الاجتماعي من جهة أخرى، لتصعد في طبقات الإنسان الروحية، لتقول أشياء أخرى، أي كيف يصبح التعبير عن المشاعر، مشاعر الحب والعشق، يحمل أفكارا جديدة ترقى بالإنسان إلى سمو النفس، وتربية الوجدان. الشعر كما يقول “أوكثافيو باز” في كتابه “اللهب المزدوج”، هو الصوت الآخر، يولد من الحواس ولا يقف عندها، فيختلق أشكالا تخيلية: قصائد وطقوسا.
واستنادا إلى أدونيس، فإن القول الصوفي سوف يظل شأن القول الشعري، مجازا، ولن يكون حقيقة، كمثل القول الديني الشرعي. واللغة الشعرية الصوفية هي لغة الحب.وليس الشعر سوى لغة الحب. الحب لا يقال ولكنه يعاش. والشعر، كالحب، محاولة الإنسان أن يقول، مجازا ورمزا، ما لا يقال. وكما يقول الشاعر قاسم حداد، فالشعر يمدنا بالطاقة الغامضة للحب، لأجل أن نجعل ما يفنى فينا لا يموت.
في “أتحدث باسمك ككمان” يؤسس الشهاوي أنطولوجيا للغة شعرية أخرى، ليست لغة الواقع وليست لغة التصوف. فاللغة الشعرية كما يبين ج. غادامير، تبين الحالة المحددة للشعر الصافي. في الشعر تتكلم الكلمة بوصفها كلمة. والكلمة الشعرية، كما في الديوان، قائمة بذاتها. تتخلى عن وظيفيتها، وتتكون أنطولوجيا بواسطة ماديتها أو كما يفضل ج.غادامير جسديتها، بوصفها قائمة بذاتها.
إن شعرية “أتحدث باسمك ككمان” لا تقف عند سؤال الشكل والمعنى، ولا عند لغة العشق والحب الصوفي، ولكنها، تقرأ كحدث تأملي في جذرية اللغة الشعرية في الإنسان، من خلال حفر الشهاوي في جذرية الحب، في مختلف حالاتها وعلاماتها، في علاقة المرأة والرجل، وفي علاقة الإنسان بالله. الشعر يغير علاقتنا باللغة. والشعر حدث شعري تأملي، تعرقل فيه اللغة العادية محاولاتنا لاختزاله تصوريا وأداتيا، ما يفلت من قبضتنا. وهو ما يسعى إليه الشاعر في حياته وفي الشعر تحديدا. في المختلف والهارب. في الفراغ والصمت والنور الذي يوجد في الظلام لأن الجمال ليس في الشعر، فقط، بل في الطريق إليه. والكتابة تحتاج إلى لغة، رؤية، معرفة أدوات، هي ما يشكل أجنحتها.


الكاتب : جمال أماش

  

بتاريخ : 04/04/2025