أمام التصعيد في الخطاب وفي المواقف : ما الذي يقلق فعلا الجزائر من المغرب؟

لا يمكن أن يستقيم معنى «الأمة الجزائرية» فقط بالتصادم مع جوارها، بل لن يتحقق سوى بمكرمة التكامل والتعاون

 

ما هي أسباب التصعيد المثير الذي تنتهجه النخب الحاكمة بالجزائر الشقيقة ضد كل ما هو مغربي؟. ولم كل هذا العنف في الخطاب وفي المواقف السياسية المندرجة في خانة ردود الفعل؟. وكيف تحول خيار معاداة المغرب والمغاربة إلى «منهجية حكم» هناك؟.
أليس في عدم استيعاب التحولات العالمية الجديدة لما بعد جائحة كورونا، ولما بعد نهاية التقاطب العالمي بين الشرق والغرب، وميلاد أقطاب عالمية جديدة من دول الجنوب (الصين والهند بالدرجة الأولى)، الذي أصبح يفرض دفتر تحملات جديدة في منظومة العلاقات، ليس بين الدول، بل بين تكتلات جهوية وإقليمية، هو السبب في كل هذا التغول والتطرف في الخطاب وفي القرارات الجزائرية حين يتعلق الأمر بالمغرب والمغاربة؟.
مهم محاولة تفكيك أسباب كل هذا التصعيد هناك في قصر المرادية وعند النخب بالجزائر (رئاسيا وعسكريا وإعلاميا)، حتى ندرك الخلفيات والمآلات بمنطقتنا المغاربية كلها. ونتمثل بوضوح، أيضا، مخاطرها وندرك بمسؤولية أسبابها، سواء السياسية وحتى السوسيو- تاريخية والسوسيو- نفسية.
إن ذلك ما تحاول بتواضع أن تقوم به هذه الورقة التحليلية.

من يتذكر منا ما قاله الرئيس الجزائري السيد عبد المجيد تبون، أسبوعا فقط بعد زيارة وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر إلى الجزائر يوم 30 شتنبر 2020 (منذ سنة بالضبط)، أمام جمهرة من ضباط وقادة الجيش ببلاده؟. لقد قال ذات الجملة البومديينية الشهيرة بقصر المرادية: «الجزائر لم ولن تقبل بالأمر الواقع» (حتى وسياسة بلاده كلها قائمة على محاولة فرض الأمر الواقع على جيرانها المغاربيين وشعوبهم). من حينها ولغة التصعيد تتفاعل في مجمل القاموس السياسي للنخبة الحاكمة بجارتنا الشرقية، وهو التصعيد الكلامي الذي جعل من المغرب حجر الزاوية الرئيسي فيه.
كانت زيارة وزير الدفاع الأمريكي المغاربية تلك قد انطلقت عمليا من تونس يوم 28 شتنبر وانتهت بالمغرب يوم 2 أكتوبر 2020. أي أنها زيارة عسكرية أمريكية لبلدان المغرب الثلاث، شكلت محطة الجزائر فيها ما يشبه «الإستثناء»، كونها أول زيارة لوزير دفاع أمريكي إلى «المغرب الأوسط» منذ 2006 حين زارها وزير الدفاع الأمريكي الراحل دونالد رامسفيلد. مثلما أنها أول زيارة لمسؤول كبير بإدارة الرئيس االأمريكي الأسبق دونالد ترامب لقصر المرادية منذ انتخاب السيد عبد المجيد تبون رئيسا للبلاد (بنسبة مشاركة تعتبر الأضعف في كل الإنتخابات الرئاسية هناك). والمقصود ب «الإستثناء» في تلك الزيارة، كامن في أنها كانت زيارة «إخبار» ووضع في صورة ما يسجل من تطورات في العلاقات العسكرية الأمريكية مع مجموع دول الشمال الغربي لإفريقيا، خاصة حين نستحضر أن الوزير الأمريكي قد وقع اتفاقية تعاون عسكري مع تونس تمتد لعشر سنوات، ثم اتفاقية تعاون عسكرية أكبر تمتد هي أيضا لعشر سنوات مع المغرب، بينما لم يوقع أي وثيقة تعاون عسكري بالجزائر.
بالتالي، فحين خرج الرئيس الجزائري السيد تبون، في اجتماع بدون مناسبة وطنية داخلية مبررة مع قيادة الجيش الوطني لبلاده، كي يقول بتكرار متوال لمرتين أو ثلاث «إن الجزائر لن تقبل بالأمر الواقع»، إنما كان يقدم الدليل على أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي، على عهد الرئيس ترامب (الذي سيبادر يوم 10 دجنبر 2020، أي شهرين ونصف بعد تلك الزيارة، إلى إصدار مرسوم رئاسي أمريكي يعترف بمغربية الصحراء الغربية ونشرها بالجريدة الرسمية الأمريكية)، لم تكن زيارة عادية، بل إنها وضعت القيادة الجزائرية في صورة العناوين الكبرى للإنعطافة الجديدة للسياسة الخارجية الأمريكية بالمنطقة، في امتدادها الليبي وبمنطقة الساحل وفي ارتباط بملف الصحراء الغربية للمغرب. التي تتساوق عمليا مع انعطافة أكبر للخيارات الإستراتيجية الأمنية والإقتصادية لواشنطن بالعالم، تشكل منطقتنا ضمن الفضاء الإفريقي محطة جديدة هامة فيها.
من حينها، دخلت القيادة الجزائرية منطقا غريبا لردود فعل، تطرح أسئلة مقلقة جدية حول قدرة تلك القيادة أن تلعب الدور الطبيعي «لرجال الدولة» في حسن الدفاع عن «المصلحة القومية للشعب الجزائري». إذ كما لو أنها لم تحسن (أو لم ترد) أن تقرأ كما يجب ما أصبحت تفرضه تلك التطورات الجديدة للعلاقات الدولية بمنطقتنا من تدبير مختلف ومبتكر، برؤية استراتيجية جديدة، لما بعد جائحة كورونا، وما بعد التحول الجيوستراتيجي للسياسة القومية الأمريكية، التي بدأت تنسحب منذ عشر سنوات من منظومة توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية لسنة 1945، الأطلنتية، صوب ما أصبحت تفرضه توازنات عالمية جديدة من منطق تدافع تلعب معاركه الكبرى بالمحيط الهادئ، في المسافة ما بين بحر الصين وبحر أستراليا وبحر اليابان والكوريتين. وأيضا في المجال البحري الإستراتيجي الجديد للقطب الشمالي (الذي سيخلق روسيا جديدة ودول اسكندنافية جديدة وأيضا كندا وأمريكا جديدة في أفق العشر سنوات القادمة).
لأنه علينا الإنتباه جيدا هنا، كيف أن ملامح القرار الإستراتيجي، تدبيريا، الجديد بواشنطن، بجمهورييها وديمقراطييها، يذهب منذ عشر سنوات نحو اختيار يتأسس على تقليص كبير لفاتورة انخراط القوة الأمريكية العسكرية في مناطق من العالم ظلت تحكمها دوما حسابات ما بعد الحرب العالمية الثانية (الأطلنتية)، لعل آخرها الإنسحاب الأمريكي بدون رجعة من أفغانستان، وعدم «تورطها» في اشتعال سورية وليبيا مثلما سبق وتورطت في العراق. وأن التحالفات العسكرية الجديدة، الوازنة والثقيلة لواشنطن، هي في عمق المحيط الهادئ عند بحر الصين، التي التحالف الثلاثي البريطاني الأمريكي الأسترالي الجديد محطة انعطافة كبرى فيه. إذ كما لو أنه قد انتهى منطق «الخريطة الأوراسية» بواشنطن التي فرضتها حسابات وتدافعات القرن 20، وانطلق منطق خريطة جديدة متعددة الأقطاب تفرضه حسابات وتدافعات القرن 21، في القلب منه التنافس مع الصين على مجالين حيويين هما شرق آسيا (والمحيط الهادئ) وكامل القارة الإفريقية.

ثلاثة أشهر حاسمة مغربيا ومغاربيا وغرب إفريقيا

بحساب القراءة الهادئة للتحولات المعتملة في منطقتنا الشمالية الغربية لإفريقيا، ضمن الفضاء الإفريقي الممتد من السينغال حتى باب المندب ومن طنجة حتى قناة السويس، لا يمكن التغافل عن التطورات التي تسارعت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 2020، التي من عناوينها الكبرى ما حققه المغرب من خطوة ميدانية حاسمة يوم الجمعة 13 نونبر 2020، حين حرر معبر الكركرات من المجموعات الصغيرة من عناصر البوليزاريو التي كانت تغلق ذلك المعبر أمام حرية تنقل الأشخاص والسلع، ليس فقط بين المغرب وموريتانيا، بل بين أروبا الغربية وكامل إفريقيا الغربية. إن ذلك التحرير الذي تم من خلال عملية عسكرية نوعية ونظيفة (لم تطلق فيها رصاصة واحدة ولم تخلف أية ضحية مدنية أو عسكرية)، التي قادها باحترافية الجنرال الفاروق بلخير، الذي ستتم ترقيته مؤخرا إلى مفتش عام للقوات المسلحة الملكية المغربية، قد غير بشكل جدري من المعادلات الميدانية ليس فقط بالصحراء الغربية للمغرب، بل بكامل الشمال الإفريقي الغربي. لأنه لأول مرة منذ 1991 يتم تحريك الجدران العسكرية المغربية بالصحراء، التي أنهت عمليا مع وهم «الأراضي المحررة» شرق الجدار الذي سعت الجزائر وجبهة البوليزاريو إلى ترسيمه في القاموس الإعلامي والسياسي عبثا بالعالم (لم يحدث قط أن اعترفت أية منظمة دولية كيفما كان نوعها ومستواها بمقولة «الأراضي المحررة» في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة أو منظمة الإتحاد الإفريقي).
أكثر من ذلك، لقد أعطت تلك العملية العسكرية النوعية والدقيقة والفارقة، للمغرب أن يستعيد نهائيا مكانته كقوة إقليمية بالمنطقة وبإفريقيا، وأصبح من حينها لمقعده في منظمة الإتحاد الإفريقي قيمة جديدة أقوى. ويستحق بهذا المعنى، تاريخ الجمعة 13 نونبر، أن يحتفى به كتاريخ وطني بالمغرب، يوازي قيمة تاريخ 14 غشت 1979، الذي استعاد فيه المغاربة إقليم وادي الذهب، بعد إفشال مخطط جزائري عسكري ميداني آخر لاحتلال مدينة الداخلة، بعد صفقة تخلي نظام الرئيس هيدالة بموريتانيا عن ذلك الإقليم لفائدة جبهة البوليزاريو والجزائر. حيث شكلت معركة بئر أنزران الخالدة التي أفشلت ذلك المخطط الجهنمي الخطير واحدة من ملاحم البطولة العسكرية المغربية في تاريخ الوطنية المغربية الحديثة. بالتالي، فإن ما وقع يوم 13 نونبر 2020، لا يقل قيمة أبدا عن ما وقع بمعركة بئر أنزران سنة 1979.
شهرا بعد ذلك، وبالضبط يوم 10 دجنبر 2020، سيأتي القرار السيادي للرئاسة الأمريكية لاعتراف الدولة الأمريكية بمغربية الصحراء، الذي دشن لانعطافة غير مسبوقة في ملف استكمال المغرب لوحدته الترابية. مثلما دشن لتحولات جدرية، تشكل انعطافة في شكل التعامل (بحسابات القوى العالمية الكبرى) مع منطقتنا الغرب إفريقية برمتها. وحين جاءت حاملة الطائرات الأمريكية إيزنهاور إلى المغرب لأول مرة منذ استقلال بلادنا سنة 1956، ومنذ استعادتها كامل الصحراء ما بين سنتي 1975 و 1979، للمشاركة في مناورات بحرية وجوية أمريكية مغربية سميت ب «مصافحة البرق»، امتدت من المياه الدولية للمغرب بصحرائه الغربية بمحاذاة جزر الكناري الإسبانية حتى مضيق جبل طارق. ثم حين نظمت الدورة الجديدة من المناورات العسكرية الأمريكية المغربية «الأسد الإفريقي»، وشملت لأول مرة منطقة المحبس بالصحراء على بعد كلمترات لا تتجاوز 50 كلمترا عن تيندوف (حيث تتواجد مخيمات وعناصر جبهة البوليزاريو، وحيث نظم الفريق شنقريحة قائد القوات العسكرية الجزائرية مناورات عسكرية تلت تصريحات عدائية منه تجاه المغرب أسابيع قبل ذلك). من حينها، اتضح أن معنى التوقيع على اتفاقية تعاون عسكري جديد بين واشنطن والرباط يوم 1 أكتوبر 2020، لعشر سنوات قادمة، هو ترجمة لانعطافة في شكل تعامل القوة الأولى العسكرية والإقتصادية بالعالم مع منطقتنا. وها هنا تكتسب معنى خرجة الرئيس الجزائري المنتخب السيد عبد المجيد تبون في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر 2020، التي أطلق فيها الجملة البومديينية أمام قادة الجيش الوطني لبلاده: «الجزائر لن تقبل بالأمر الواقع»، معنى رد الفعل.
ربما، قد يسمح التحليل أيضا بالجزم أنها ليست فقط «جملة رد فعل»، قدر أنها صرخة أيضا للجلوس مع القيادة الجزائرية من أجل إعادة ترتيب للمصالح القومية للجزائر كدولة ضمن اصطخاب هذه التحولات العالمية الجديدة بمنطقتنا الغرب إفريقية. ولعل في منطوق التصريح الذي صدر عن وزير الخارجية الجزائري السابق السيد صبري بوقادوم، مباشرة بعد القرار السيادي الأمريكي لاعتراف الدولة الأمريكية بمغربية الصحراء، ما يقدم بعض الملامح والعناوين الدالة على ذلك، حين صرح عموميا أن «قضية الصحراء قضية مصلحة قومية جزائرية».

العطب التدبيري الإنفعالي للسلطة بالجزائر

أبانت التطورات المتلاحقة خلال شهور سنة 2021، خاصة في محطة تهريب الرأس الأولى بجبهة البوليزاريو إبراهيم غالي بهوية جزائرية مزورة «بن بطوش» إلى أحد المستشفيات الإسبانية للعلاج من تداعيات إصابته بفيروس كورونا، بكل ما خلفته من ردود قوية للمغرب هددت جديا مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد. أبانت تلك التطورات، أن المغرب يراكم الفعل في محيطه الإقليمي، على قدر ما تراكم الجزائر ردود الفعل. وأنه على قدر ما تحقق الرباط خطوات راسخة في مجالات حيوية (بما تمتلكه في اليد من إمكانيات ذاتية، رغم تحديات كثيرة لمواجهة أعطاب التنمية) مثل مواجهة تداعيات جائحة كورونا، التي جعلته يحتل الريادة إفريقيا، وأنه البلد الإفريقي الوحيد الذي ليس فقط نجح في مباشرة حملة تلقيح باكرة من ضمن 10 دول بالعالم، بل إنه انخرط فعليا ضمن نادي الدول المنتجة للقاحات بكل ما سيكون لذلك من آثار ملموسة على دوره الإفريقي أمنيا وتنمويا. بينما كانت الجزائر تسقط في ارتباك تدبيري واضح لتداعيات الجائحة صحيا وتنمويا. وأنه على قدر ما راكم المغرب خطوات ملموسة في مسلسله السياسي الديمقراطي (شكلت محطة 8 شتنبر 2021 لحظة مهمة فيه بفضل نسبة المشاركة التي تجاوزت عتبة 50 %)، عززت من مشروعية تحوله الديمقراطي مؤسساتيا على المستوى العالمي، على قدر ما طالت المسلسل السياسي الديمقراطي بالجزائر شبهات عدم الشرعية الشعبية (نسب مقاطعة جد عالية). وأنه على قدر ما بلور المغرب منهجية ذات أثر فعلي على مستوى تحديات التنمية، توازت فيها خيارات تنويع مصادر الثروة الإنتاجية، من خلال الإنفتاح على مجالات صناعية حيوية (إنتاج السيارات وصناعة الطيران والطاقات البديلة)، عززت مجالات التنمية التقليدية من فوسفاط وفلاحة وسياحة، التي توازت مع فتح ورشة للتفكير عمومية حول «مشروع جديد للتنمية» سيشكل بعد صدور «الميثاق الوطني الجديد للتنمية» خارطة طريق لمشروع وطني للتنمية في أفق 2035. نجد في المقابل، عند أشقائنا بالجزائر، للأسف، تفاقما لأسباب الأزمة التنموية على مستويات حيوية مرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطن الجزائري تجلت في أزمات الحليب والزيت والماء والدقيق والغاز. مع اتساع كبير لخرق الحريات والمساس بدفتر تحملات احترام حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، بغاية وضع نقطة النهاية للحراك الشعبي الذي دام شهورا هناك، المطالب بميلاد «الجمهورية الثانية» مدنية لا عسكرية.
بالتالي، فقد اختارت النخبة الحاكمة بالجزائر منطق التصعيد الكلامي والإعلامي والديبلوماسي والسياسي ضد المغرب، كمنهجية للحكم. الذي ليس سوى نوعا من الهروب إلى الأمام، يضع علامات استفهام جدية حول «منطق الدولة» بالجزائر، الذي بدلا من التصالح مع شروط التحولات العالمية الجديدة لما بعد جائحة كورونا، والتصالح مع آمال وطموحات المواطن الجزائري في دولة المؤسسات والتعددية والعدل والحق في التنمية المستدامة المسنودة بشروط الحكامة الجيدة ضمن أفق للتعاون كتكل إقليمي بين بلداننا المغاربية، فإنه للأسف يجر شعوبنا ومنطقتنا صوب بلقنة مهددة للأمن العام لشعوبنا كافة، تأسيسا على منطق متجاوز يقول ب «كل شئ أو لاشئ». ولعل التحدي الذي دخلته هذه النخبة بالجزائر اليوم أمام ضمير شعبها وشعوب المنطقة، يجعلها في لحظة امتحان تاريخية، يفرض عليها أن تحسن قراة الواقع العالمي والغرب إفريقي بشكل مسؤول أمام الذات، لتدرك أن عدوها ليس المغرب (الدولة والمجتمع) لأنهما واحد عكس ما تحاول عبثا التفريق بينهما في إعلامها، بل إن عدوها هو مخاطر أخطاء التدبير السياسية والتنموية داخليا. ولعل أخطر المخاطر اليوم هناك، هو الرهان على فتح الباب لأجندات خارجية أروبية وآسيوية (إيرانية بالأساس)، مما ستكون نتائجه كارثية على المصالح القومية للشعب الجزائري بالدرجة الأولى.
معطى سوسيو –
نفسي جزائري

قليلا ما ننتبه أيضا إلى معطى سوسيو- تاريخي، وسوسيو- نفسي، يميز ما يمكن تسميته إجرائيا ب «سؤال الهوية القومية الجزائرية»، لا يمكن التغافل عنه حين قراءة واقعة أزمتنا المغاربية المركبة والمتشابكة. وهو المعطى الذي نجد له ملامح في بعض القاموس السياسي الذي تصدر عنه بعض بلاغات وزارة الخارجية الجزائرية (خاصة على عهد السيد رمطان لعمامرة)، وكذا بعض كتابات المؤسسة العسكرية، وبلاغات الأحزاب السياسية هناك، ممن تحوم في دائرة النظام السياسي الحاكم اليوم. حيث ثمة حضور متواتر لمصطلح ومقولة «الأمة الجزائرية»، مهم الإنتباه كيف أن بعض تلك البلاغات الديبلوماسية والعسكرية تنساق فيه وراء تفاصيل تاريخية لا تكون عادة هناك حاجة إليها في القاموس الديبلوماسي والعسكري الرسمي للدول، من قبيل العودة إلى ما قبل دخول الإسلام إلى منطقتنا المغاربية وحرص على التذكير بكمون ل «هوية جزائرية» عريقة وقديمة.
إن هذا النوع من الحرص على إبراز هذا المعنى الهوياتي (الذي هو مشروع في معناه العام وعادي في السياقات الطبيعية الهادئة)، إنما يعكس في العمق واحدة من أعقد المشاكل المؤطرة لرؤية النخبة الجزائرية لذاتها ولهويتها الوطنية. كونها تتأسس على منطق للتصادم وليس منطق للتعايش والتكامل. إذ بالنسبة لهذه الرؤية (المأزومة في العمق)، كما لو أن وجود «الهوية الجزائرية» لا يتحقق سوى بالصدام مع محيطها وجوارها، بتعدده الحضاري وتراكمه الهوياتي في التاريخ. وليس اعتباطا افتعال كل تلك المعارك مع محيطها المغاربي حول المرموزات الثقافية للهوية، على مستوى الطبخ واللباس والعمران والموسيقى والفنون (مثير انتهاجها منطق البلاجيا فيها). مما يقوم دليلا على أزمة في الرؤية للذات وللهوية من قبل تلك النخب للأسف.
عمليا، وتاريخيا، مفهومة هي الأسباب السوسيو – تاريخية و السوسيو – نفسية الكامنة وراء ذلك. فهي عموما آتية من جدة مشروع الدولة عند أشقاءنا الجزائريين. وممكن هنا العودة إلى الأطروحة الرصينة والكاملة التي بلورها منذ سنوات مفكر جزائري كبير من قيمة الراحل محمد أركون لفهم مقاصد الأمر، وكذا أطروحة المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي التي هي مفيدة في هذا الباب، كونها تقول بشروط الهوية الثلاث «الإنسان والأرض والوقت» (أي جماعة بشرية منظمة، فوق بقعة جغرافية محددة، مع تراكم تجربة للدولة ممتد في الزمن). لأنه بمنطق الحقيقة التاريخية وتأسيسا على تحليل مالك بن نبي، فإن الجماعة البشرية الوحيدة التي راكمت واقعا للدولة قديم وراسخ ومجرب، هي الجماعة البشرية المغربية (الإنسان والأرض والوقت). بينما فشلت كل محاولات ترسيم استمرارية للدولة عند الجماعة البشرية للمغرب الأوسط، بسبب وقوعها تحت ضغط توالي احتلالات أنظمة سياسية من خارجها لأراضيها منذ العهد الأموي والعباسي ثم الفاطمي والعثماني وصولا إلى الإستيطان الفرنسي (وليس فقط الإستعمار الفرنسي). بالتالي، فإن سؤال الهوية ومعنى طموح «الأمة الجزائرية» تكون درجته عالية التوتر طبيعيا بحكم تراكم نتائج تلك الواقعة التاريخية لمشروع الدولة.
إن التحدي الذي مفروض أن تواجهه النخب الجزائرية الشقيقة، هو تحدي إبداع تحليل هادئ لواقع مفهوم «الأمة الجزائرية» كواقعة قائمة جغرافيا واجتماعيا اليوم، متأسس على التصالح مع الماضي وحسن استثمار الحاضر من أجل بناء مستقبل مخصب للأمل والتقدم والأمن. غير ذلك، يخشى أن تتحول التجارب المختلفة لها في الجوار، التي لها تراكم قديم في الدولة وفي معنى «الأمة المغربية»، إلى مجرد عقدة تحجب أمام تلك النخبة هناك (سواء في السلطة أو في المجتمع) أسباب ابتكار السبل لحماية وتعزيز وتطوير معنى «الأمة الجزائرية» فعليا. فميلاد معنى هوياتي لا يكون أبدا من خلال المحاولة الخاطئة، غير ذات الفائدة، لتحطيم أو تدمير معنى أمة قائمة بشروط التراكم التاريخي من نوع «الدولة والأمة المغربية». لأن ذلك إنما يحجب عن تلك النخبة حقيقة التكامل القائم فعليا منذ قرون بين الأمة المغاربية كلها، وفي القلب منها (كتوأمين) المجموعتان البشريتان المغربية والجزائرية.
ها هنا يكمن التحدي التاريخي أمام النخبة الجزائرية، أن تتصالح مع ذاتها ومع تاريخها ومع محيطها المغاربي. غير ذلك، يخشى أنها (خاصة عند جيل النخبة الحاكمة هناك منذ 1962)، أشبه بالوعول التي تنطح الصخر.

 


الكاتب : لحسن العسبي

  

بتاريخ : 02/10/2021

//