أنبياء بين التوراة والقرآن – 09- أيوب وزوجته

خاض الباحث فراس السواح في مواضيع تتعلق بالأديان والفلسفات والأساطير فى الشرق، وفي عقد المقارنات بين الأديان، ومن ذلك ما فعله فى كتابه «القصص القرآنى ومتوازياته التوراتية»، إذ طرح مسألة التشابه بين القصص القرآنى والقصص التوراتى من زاوية الباحث الذي يعتمد منهج علم الأديان المقارن. فسرد أمامنا قصص العديد من الأنبياء كلوط وابراهيم وإسماعيل ويوسف وموسى وداوود وسليمان ويونس وغيرهم..

 

أيّوب في ثقافة الشرق القديم:

إنّ فكرة المعذَّب الصابر الذي تأتيه البلايا من كلّ حدب وصوب رغم تقواه وصلاحه، هي فكرة قديمة في الفكر الدينيّ للمنطقة المشرقية. فلقد رأى إنسان الشرق القديم في المصائب والبلايا التي تحلّ على الأفراد عقاباً على الذنوب والخطايا. ولكنّ الحكماء المشرقيين على إيمانهم هذا، قد انشغلوا في تأمّل مسألة طرحت نفسها على الفكر الدينيّ والفلسفيّ في معظم الثقافات، وهي ابتلاء أشخاص صالحين عاشوا حياة أخلاقية سويّة، وأقاموا الصلوات وقرَّبوا القرابين لآلهتهم، وأدّوا واجباتهم الاجتماعية على أكمل وجه. ولدينا عن مثل هذه التأمّلات نصّان من ثقافة الشرق القديم، الأوّل سومريّ ويعود إلى أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، والثاني بابليّ ويعود إلى أواسط الألف الثانية قبل الميلاد.

أيّوب السومريّ:

في هذا النصّ يتحدث الكاتب بلسان حال رجل لا نعرفه، كان غنيّاً وحكيماً وصالحاً، يعيش عيشة رغد وصفاء بين أهله وأصدقائه، وكان موظّفاً رفيع المقام في البلاط الملكيّ. وفيما كان يظنّ أنّ هذه الحال دائمة له، أخذت المصائب بالتكاثر عليه وانتابته الأمراض والأسقام دون مقدّمات وهو في عزّ الشباب. كان أمامه إمّا التمرّد على السّماء وازدراء العدالة الإلهية، أو التسليم بالقضاء الإلهيّ ومتابعة التضرّع والصلاة، لأنّ مقاصد الآلهة، على ما يردّد الحكماء المشرقيّون، خافية عن أفهام البشر. وأخيراً استجاب الإله لهذا الصالح المتألّم وكشف عنه الضُر، وأحال عذاباته إلى فرح وسرور. وإليكم منتخبات من النصّ:
ليرفع الإنسان على الدوام كلمات التمجيد لإلهه
ويفضي إليه بصدق عن كلّ ما يعاينه
إنني رجل عارف ومتبصّر، ولكنّ الذي يحترمني صار لا يفلح
كلماتي الصادقة تحوّلت إلى أكاذيب
ورجل الغشّ والخداع غلبني، وأنا مكره على خدمته
إنّ من لا يوقرني قد حطّ من قْدري أمامك يا إلهي
وها أنت تغمرني بالعذاب الدائم المتجدّد
أدخلُ إلى بيتي مثقل الروح
وأسير في الشوارع مغموم الفؤاد
مليكي، راعيَّ الصالح، انقلب ضدّي ونظر إليّ بعين العداوة
أطلق ضدّي قوى الشرّ مع أنّي لست عدوّاً له
لم أعد أسمع كلمة صدق من رفاقي
وصحبي يواجهون صدقي بالأكاذيب
ورجل الغشّ والخداع يحبك المؤامرات ضدّي
وأنت يا إلهي لا تردعه ولا تحبط مسعاه
أنا الحكيم، لماذا أُقرن مع الأحداث الجهلة؟
وأنا المستبصر العارف، لماذا أُحسب بين الحمقى؟
الطعام متوفّر للجميع، ولكنّ طعامي هو الجوع
وفي اليوم الذي قُسمت فيه الأرزاق، كان نصيبي العذاب
يا إلهي إنّي أقف في حضرتك
أريد أن أتحدّث إليك وكلماتي كلها أنين وآهات
أريد أن أشكو لك حالي، وأتحسّر على مرارة طريقي
عسى أمّي لا تكفّ عن النواح أمامك
عسى أختي لا تكفّ عن شكوى خيبتي أمامك
عسى زوجتي لا تكفّ عن رثاء عذاباتي
وليترنّم المغنّون بقدري البائس التعس
يا إلهي إنّ ضوء النهار يغمر الأرض، ولكنّ نهاري أسود
الدموع والنواح والكرب والغمّ تسكن فيَّ
يغمرني العذاب وما من شيء أفعله سوى البكاء
عفريت القدر يسدّد قبضته إليَّ ويحرمني من نَفَسِ الحياة
وعفريت المرض الخبيث يرتع في جسدي
يا إلهي أنت أبي الذي أنجبني
فإلى متى تتجاهلني تائهاً بلا هداية
لقد نطق حكماء الأيّام الغابرة بالحقّ عندما قالوا:
لم يولد لامرأة طفل بلا خطيئة
ومنذ القدم لم يوجد على الأرض امرؤ بلا ذنوب.
بعد مقطع كثير التشوه والفجوات، نجد النص وقد انتقل إلى الحديث عن استجابة الإله لصلوات المعذَّب الصالح:
ذلك الرجل، قد سمع إلهه بكاءه ونحيبه
واسترضت شكاوى ذلك الشاب ومناحاته قلب إلهه
والكلمات الصافية والصادقة التي نطق بها قبلها منه
سَرَّت فؤاده فكفّ عنه يد الشرّ
أبعد عنه عفريت المرض الذي أحاط به ونشر جناحه عليه
حوَّل عذابات الشابّ إلى فرح
وأقام عليه أرواح طيّبة تحرسه وتحميه
فراح الرجل على الدوام يمجّد إلهه (1) .

أيّوب البابليّ:

يعالج نصّ أيّوب البابليّ فكرة المعذّب الصابر بطريقة مشابهة، وهو معروف بعنوان «لأمتدحنّ إله الحكمة». نظراً لطول النصّ فسوف أقتطف منه أهمّ سطوره:
لَأَمتدحنّ إله الحكمة، الربّ المتفكّر المتدبّر
مردوخ، إله الحكمة، المتفكّر المتدبّر
الذي يمسك بالليل ويطلق النهار
الذي يلفّه الغضب مثل ريح العاصفة
والذي يتّسع صدره رحمة، وقلبه مغفرة.
لقد تخلّى عني إلهي واختفى
ولقد هجرتني إلهتي وابتعدت عني
وغادرني الروح الحارس الذي يرافقني.
كرامتي أهينت، ونظراتي الرجولية وهنت
وعندما أهجع إلى النوم تهاجمني الرؤى المفزعة.
الملك، شمس الناس وابن الآلهة
ساخط عليَّ وقلبه لا يمكن تهدئته نحوي
رأسي المرفوع الفخور طأطأ نحو الأرض
وقلبي الجسور قد أوهنه الخوف
بعد أن كنت سيداً محترماً، غدوت عبداً ذليلاً
وصرت بين صحبي الكُثُر هزءاً وسخرية
أصدقائي صاروا غرباء عنّي
وصحبي تحوّلوا إلى أشرار وشياطين
وفي غضبهم أنكروني وتبرّأوا منّي
لا أحد يقف في صفّي ولا أحد يفهمني
وممتلكاتي جرى توزيعها على الدهماء والأغراب
في النهار تُسمع آهاتي، وفي الليل يُسمع نواحي
لقد صرت مثل من لم يقدّم لإلهه قرباناً
وصرت مثل من لم يشكر إلهته عند كل طعام
مثل من لم يعرف الركوع ولم يعرف السجود قط
ومثل من لم يعرف فمه الضراعة والصلاة
ومثل من أكل طعامه ولم يذكر اسم إلهه
مع أني كنت حريصاً على الصلاة في كل وقت
وكان يوم الصلاة عندي مسرّة للفؤاد
ولكن ما يبدو للإنسان حسناً قد يكون عند إلهه مرذولاً
وهل يعرف أحد مشيئة الآلهة في السماء؟
ها هي الأمراض الموجعة تسكن جسدي
والرياح الشريرة تهبّ من الآفاق نحوي
غلب الضعف على جسدي وهاجمت الأوجاع مفاصلي
اقترب مني الموت وبان على محيّاي
وها جنازتي قد أُعدّت والقبر يناديني
وقبل أن تفارقني الروح توقّف البكاء عليّ
بعد أن يصل يأس الرجل ذروته، تأتيه بشائر الخلاص من خلال أحلام يراها. ثم يتدخل الإله مردوخ ليعيد إليه صحته وممتلكاته وكرامته: لقد أبعد مردوخ الرياح الشريرة التي تهبّ من الآفاق
واجتثّ جذور الوهن مني مثلما تُجتثّ الشجرة
وهاأنذا أسير في الطرقات حراً من كل مرض وألم
وكلّ من ارتكب خطأ في حقّ مردوخ فليتعلّم منّي
لقد أنهضي مردوخ وأخذ بيدي
وضرب اليد التي كانت تؤذيني
فمن غير مردوخ يستطيع استعادة المحتضر إلى الحياة؟
فما دامت الأرض مبسوطة والسماء مرتفعة
وما دامت الأنهار تجري والرياح تهبّ
ليمتدحنّ بنو الإنسان الإله مردوخ (2).


الكاتب : فراس السواح

  

بتاريخ : 07/05/2021

//