أيُّ شعبوية، لأيّ أدب؟ عن أدب «الناس اللّي تحت»

تبغي هذ الورقة الحفر في بعض جذور وملامح ما يُصطُلح على تسميته ب» الشّعبوي» و»الشعبوية»، في أكثر من مضمار، الأدبي واحد منها، يبقى السياسي، الإيديولوجي، هو مصدرها، أقواها.
يتغيّا حفرُنا محاولةَ تبيان موقع هذه الصّفة، المنسوبة إلى الشعب نسبة غير قياسية، في المتن الأدبي العربي، حضورَ مضمون، وعوالمَ، وصفاتٍ، ومعنىَ ودلالةٍ بدوالّ محددة. ما من شك أنه طموح كبير لا سبيل لورقة محدودة في هذا المجال أن تُلمِّ به، حسبها، إذن، الإشارةُ الأولى ورصدُ المَعْلم، خاصة ونحن إزاء مصطلح زلِق، غير علمي، إيديولوجي، أي مُشبَعٍ بالغرض والهوى، ويبقى استخدامُه تجريبياً، بما أنه كذلك، بخضوعه هو ومتنُ تطبيقه بمحمولاته وإحالاته الدلالية والشكلية، لقراءة ما تنفك تأويلية، حسب النص ومنحاه.
يزيد البحث صعوبة في هذا الموضوع عربيا وأدبيا، بوجه خاص، لاتصاله باصطلاح وُضِع لمسألة مركبة، أي متعددة التكوينات والأبعاد، وفي سياقات سوسيو ثقافية مميزة بذاتها، وأيُّ نحت وتوصيف اصطلاحي يبقيان ابن بيئة محددة، ورهن محتوى وشروط إنتاج متن بعينه، وحين تخضع المصطلحات للترحيل من ثقافة إلى أخرى، فإنها تحتاج قبل كل شيء إلى فهمها ضمن موقعها الأصلي، وفي علاقاتها بمناخها وإواليات إنتاجها، قبل أن نقوم نحن بتبيئتها واستخدامها ولو إجرائيا. بل إننا في الحقيقة لا نستطيع أن نفعل أكثر من الاستخدام الإجرائي، مع بعض التصرف والتحوير. هي إذن إشكالية إثارة قضايا تحتاج إلى أن تطرح في ثقافتنا وبيئاتنا على نحو مغاير، وإلا هل يمكن إنجاز قراءة للمجتمعات العربية في العصر الحديث تظهر مسبقا التصنيفَ الطبقي وتراتبياتِه ومحدداتِه وقيمَه بالوضوح الكافي لتصبح بدورها قابلة لتُقسّم إلى أدوار دنيا، طبقة وسطى، بورجوازية صغيرة، شعبي، شعبوي، الخ..
تاريخيا، وُلدت فكرة الشعبوية من حركة سياسية في روسيا مناهضة للقيصر سنة 1870 دعت إلى توجّه خصوصي نحو الاشتراكية، للتعبير عن حياة ومشاعر الفئات والأوساط الشعبية، واقترنت بعد ذلك بتطور الثورة الروسية التي ستنتظم بإيديولوجية مقنّنة لبناء المجتمع والحكم، أعلى من تبسيط قسمة بين شعب في درجة أدنى ونخبة تعاديه وتستغله، وبالتالي، يُستخدم فيها المصطلح بمثابة صفةً قدحية، في مواجهة تمثيلية ديموقراطية تنبذها فئة الشعبويين. كان للشعبوية(Narodnichestvo) في روسيا بالطبع تجليات أدبية، ومن قِبَل كتاب ليسوا من أصولها، تولستوي نفسه. أما تبلورُها الأجلى والأكبر في الحقل الأدبي والثقافي عامة، فقد حدث في فرنسا خلال عشرينات القرن الماضي مستوحياً الموروث الروسي؛ هكذا نظّرL.Lemonnier للشعبوية(Populisme) في بيان شهير(1929) بأنها: « مدرسة أدبية تصف في الرواية بواقعية حياة الأوساط الشعبية(…) ترسم الناس البسطاء، الضعفاء، هم قاع المجتمع». وهو ما نهجه فعلاً كتابٌ للرواية ساروا على هذا المنوال أبرزهم E.Dabit الذي أحرز بروايته:» فندق الشمال «جائزة الرواية الشعبوية (1931). من نافل القول أن هذا التعريف كان منسجما مع تفكير الشيوعيين الفرنسيين، ومنظمات ثورية استلهمت النموذج الروسي، وجعلت من بين همومها معرفةَ كيف يمكن تمثيل الشعب في الأدب، بوصفه تدريجيا فاعلا في التاريخ، وله دوره الجديد. وقد عرف هذا التيار في فرنسا في ما بين الحربين وبعدها صِيَغا مختلفة في التصور والأداء، انتقلت لفنون أخرى، ولا تزال إلى اليوم تمتلك حضوراً قويا في المجال السياسي بالدرجة الأولى، يعبر عنها اليمين المتطرف، الذي يدّعي حيازةَ خطابِ وتمثيليةِ الفئات الدنيا من الشعب، وبموازاته يحفل السوق بأدب رثٍّ يمالئ الجمهور، قضايا ولغةً وتصويراً وضحالةً، ويحظى برواج.
4 ـ أين أدبنا من هذا التاريخ، من صيرورته في المفهوم والتمثيل الأدبي، السردي منه خاصة؟ بينما لا يفيدنا التاريخ السياسي، ولا تاريخ الأدب الحديث خاصة، (لا القديم حيث نجد نصوصا سميت بأدب العامة والسوقة شعرا وحكاية ومُلحا ووسمت بالنقص والابتذال من قبل الفقهاء وحراس اللغة والمعايير والذائقة الكلاسيكية)؛ لا يفيدنا بوجود تيار يحمل اسم الشعبوية، بنزعة وتصورات مسننة، على غرار النموذجين الروسي والفرنسي، الرائدين، فإننا لم نعدم دعاوى وخطابات تحمل بعض مضمونها، هي سياسيا مقترنة في مجموع العالم العربي إما بأحزاب وتنظيمات شيوعية، أو بتيارات اشتراكية ووطنية إصلاحية، وثقافيا أدبيا بمنابر وأقلام مقترنة بهما. باختزال شديد، كان هناك مدخلان لهذا الاقتران: واحد وطني(وطنياتي)في مواجهة الاستعمار، يدعو الكتاب والمثقفين ليلتزموا بالدفاع عن السيادة والالتحام بالشعب (يظهر هنا كتلة اجتماعية منسجمة، نقيضها المستعمر، المغتصب)؛ وثانٍ، سياسي اجتماعي مرتبط بإيديولوجية نضالية (يسارية) يدعو في أدبياته إلى التزام الكاتب بقضايا الشعب، نعم، بأوضاع البسطاء والضعفاء، والمقصود العمال وصغار الفلاحين وأهل الصنعة الحرفيين، المعرّضين للاستغلال من الإقطاع ورأس المال، ومن هيمنة قوى، الاستبداد أحد أسمائها، انضافت إليهم فئات ستتسمّى تدريجيا بالتباس طبقة وسطى، مَن أبناؤها سيتبنون غالبا هذا الخطاب. كلا التعبيرين وُجدا في تاريخ المغرب الحديث، مثلا، وتمثّلا في خطابات إيديولوجية، تبشيرية وتحريضية، وفي مدونة سردية، توزعت بين القصة القصيرة والرواية بين المرحلة الاستعمارية، ومنذ مطلع الستينات مع مطالع استقلال البلاد، ثم في العقد السبعيني خصوصا.
5 ـ كانت الكتابة السردية في المغرب، عموما في العالم العربي، مساوقة للتحولات السياسية وتبلور هياكل وصراعات اجتماعية مستجِدّة هي بنت الوسط الحضري بالدرجة الأولى، أظهرت فئات بشرية طارئة داخل المدن وعلى هامشها رسمت على جلدها كل الأعطاب، فجاءت مناسبة لكتاب محقونين بأمصال وعي طبقي وليد ضد المستغلين ومن أجل المستضعفين (كذا)، وحول هذه التيمة دارت قصصهم؛ أفكر في عبد الرحمن الفاسي، في الأربعينات، والقطيب التناني وأحمد البكري السباعي في الستينات وبعدها بقليل، حيث تظهر النزعة الشعبوية (ما هي صفة قدحية، قط) بأجلى صورها ومعانيها. وفي مرحلة ثانية، أفكر في كتاب حاولوا أن يرفعوا من مستوى معالجة هذه التيمة، وعمّقوا نسبيا النظرة إلى الواقع، لكن العالم السفلي، حياة المسحوقين والمهمشين والمغفلين، كثير منهم في أحياء الصفيح، بدأ واستمر غالبا هو مضمار ومختبر كتابتهم في القصة والرواية.
أبرزهم عندنا محمد زفزاف، محمد بيدي. بيد أنه من العسف والإسقاط وسْمُ ما كتب رعيل السبعينات، خاصة، يعد زفزاف رائده، بالشّعبوي، ذلك أن كتاب المغرب، كانوا وما زالوا يعتبرون انتماءهم إلى جذور شعبهم المضطهَد، المستغل طبقيا، المقهور سياسيا، جزءاً من هوية كتابتهم، بتوجيه إيديولوجي أو بدونه، وبذا فليس الموضوع ولا المضمون هو موضع التساؤل، بقدر ما هي كيفية معالجته، لغةً وأسلوبا وتمثيلاً. بذا يمكن اعتبار الشعبوية في الأدب أكبر من اعتناقِ قضية والدفاعِ عنها بهرج وغثاثة، إلى كونها طريقة في الكتابة أساسا، تقصُر دون الأداء الفني للأدب كوصفة جمالية، واختيار إبداعي، وهمها شحنه بالبلاغ والتبشير.
حدث هذا واستمر، وإنه ليتواصل، انطلاقا من فهم معين للواقعية، لا مجال لتفاصيله نقديا هنا. ذلك أن السرد التخييلي العربي، ما يتسمّى كذلك بالتحقق أو الافتراض، نشأ وتبلور وتفرعت مساراته حسب عديد تيارات داخله لتصريفه، تيمة ومضمونا وتصويرا، في دائرة الواقعية، (المحاكاة) هي الرؤية بخلفيتها الأيديولوجية والاجتماعية وزوايا منظورها وكيفيات سرودها. رؤية تنصب على معالجة الهموم الاجتماعية وما يمكن الاصطلاح عليه بواقعية» الناس اللي تحت» استنادا إلى المسرحية الشهيرة لنعمان عاشور(1958)، من لُقِّب بحق(أبو الواقعية في المسرح المصري) وهي تعد علامة فارقة بعد ثورة 1952 في مصر. انتصرت المسرحية لشعب(الغلابة) في وجه وضد(الناس اللي فوق) شأن الرواية الفرنسية الشعبوية تنتصر للشعب، برؤيتها، في مواجهة النخبة والمحظوظين.
غير أنه إذا أتيح للرواية الغربية أن تتفتح في محال تعبير رحب، وتحتفي بالإنسان وتعدد عوالمه وبفرديته الحميمة وبواطنه، بوسائط فنية وطرائق سردية غنية ومتجددة، مُزيحةً القسمة الثنائية الشعبوية وتسطيحها، أو مُهمشةً لها في دور أدب تجاري(سوقي) محض، فإننا في مجال الأدب العربي، جنس السرد التخييلي منه تحديداً، بقينا في منطقة عائمة بين الإثنين، وبين تيارات ومفاهيم نقدية وتلقٍّ وأذواق متذبذبة، الغالب توظيف الأدب للواقعية الاجتماعية، والاشتراكية (كذا) بروايات سطحية ونمطية وخطابية تفتقر إلى التخييل الملائم للسرد الفني. هنا حيث تنبثق الأنوات ومواجع الذات من محفل جماعي وتتفرد، قليلة النصوص يُعوّل عليها تمثل حقيقة القصة الفنية في أدبنا، بلحمة الذات والشعب والأإنسان.
لا يفوتني أن أختم هذه الملاحظات، بالإشارة إلى مادة شعبوية طارئة على الرواية العربية، منذ بزوغ فجر ما سُمي بالربيع العربي وأفوله في آن، تتمثل في كمّ من الكتابات تتسمّى رواياتٍ قسراً إما من واضعيها ولا أقول ( كتابها) أو مسوغة من طابعي ورق، تجدها تتخبط في ركام محكيات عن الانتفاضات الشعبية والحركات السياسية(كذا) المجسدة لهذا الربيع، ورسم شخصيات ومسارات ضمنه في خطاطات نمطية، وبمياسم مستعادة، وحكايات ملفقة وتقارير تاريخية بتعليقات فجّة وإنشائيات يبِيض فيها الكلام الكلام في مناجاة وتهويمات وشخصيات شبحية وصور نمطية وتمثيلات وخطابات ثوروية بادعاء معانقة الانتفاضات الشعبية وبافتقار شبه تام لأي تخييل في سياق أدب(الموضة) بزعم تتبع هموم الناس. روايات شعبوية حقا، تتملق غضب الشعوب وإحباطها، محفوزة بقابلية دور نشر بلا أي حس نقدي لتشجيع وترويج هذه البضاعة، أما الأدب ففي واد آخر، وهذا موضوع يستحق بحثا وحده.


الكاتب : أحمد المديني

  

بتاريخ : 15/01/2021

أخبار مرتبطة

إدريس كثير ، فاطمة الزهراء و راح وعبدالصمد الكباص يستقصون علاقة جوار يستشرف اللانهائي   واصلت دار الشعر بمراكش، من

  في هذا الحوار، يجيب الكاتب المغربي مراد الخطيبي عن خمسة أسئلة حول كتابه الأخير «الترجمة الأدبية .. الممكن والمأمول»،

تنفيذا لمقترحها الإبداعي بنشر 30 ديوانا في شهر واحد من 19 فبراير الى 21 مارس 2021 تحت شعار : «لأن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//