يعد اليوم الوطني للإعلام في المغرب ، مناسبة سنوية لتقييم واقع الصحافة الوطنية واستحضار أدوارها في ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية وخدمة الصالح العام. وبمعنى آخر إنها لحظة للتأمل في مسار هذه المهنة، ومراجعة رهاناتها وتحدياتها في ظل التحولات الرقمية المتسارعة ، ودعوة إلى تعزيز حرية التعبير والمسؤولية المهنية، كما تعتبر فرصة لتكريم الإعلاميين الذين أسهموا في بناء وعي وطني مستنير. وخيرا فعلت الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة في شراكاتها الناجعة مع المركز الثقافي إكليل سيرا على سنة حميدة دئبت عليها عبر تخليد هذا اليوم بجمع شمل نخبة من الإعلاميين والأدباء ضمن لمة ثقافية مؤثثة بحضور نوعي شغوف طيب ونبيل
ولأن الحقيقة دائما يجب أن تقال ، يبدو لي شخصيا أن الإعلام والإبداع وجهان لعملة واحدة؛ فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يحولها إلى مادة ملهمة وجميلة ،تُثير التفكير وتوسع آفاق الوعي. أما الإبداع فهو الروح التي تمنح الرسالة الإعلامية بعدها الإنساني والجمالي. وعندما تتقاطع الصحافة بالأدب بصدق ورؤية، يولدان دونما أدنى شك خطاباً مؤثراً يربط المتلقي بالمعرفة والجمال معاً.
في زمن تتسارع الأخبار وتتناسل السخافات تضيع القيم الجمالية و تتبعثر وسط الضجيج الرقمي المتهافت ، يصبح من الملح إعادة وصل الإعلام بروح الإبداع. فالإعلامي المبدع لا يكتفي بتغطية حدث أو نقل تصريح، بل يقرأ خلف السطور، ويحول المادة الخبرية إلى نص نابض بالحياة، يثير السؤال ويوقظ الحس الجمالي.
من هذه الزاوية تحديدا ، أعتقد أن المزاوجة بين الإعلام والإبداع ليست ترفاً، بل ضرورة ثقافية. فحين يقترب الصحفي من الفنون ، ويتماهى الإعلامي مع أصناف الأدب ، يمنح الكلمة بعدها الإنساني، ويعيد للجمهور شغفه بالمعنى و ليس بالمعلومة المجردة. في المقابل، يمنح الإبداع للإعلام بُعداً تخييلياً يجعل القضايا الجافة أكثر عمقاً ودفئاً.
إنّ الصحافة التي تنصت للشعر، والفن، والسرد، والتشكيل وكافة أشكال التعبير الجسدي قادرة على أن تتحول من مرآة للواقع إلى أفق للتنوير. لذلك، فالإعلام المبدع هو الذي يكتب الحياة لا كما تُرى، بل كما يمكن أن تُرى.
وفي حديث آخر ، الكتابة ليست فعلًا لغويًا عابرًا، بل هي امتحان للذات أمام مرآة الوعي. إذ حينما يمسك الصحفي بالقلم ، فهو لا يدوّن وقائع فحسب، بل يُفصح عن مكنون إنساني خفيٍّ يتقاطع فيه الحسّ بالمسؤولية مع نبض الحقيقة. إنه يكتب ليكشف ما في العالم، لكنه في العمق يواجه نفسه أولًا. فالحكمة أن كل نصٍّ صحفي هو مرآة صغيرة تعكس وجه صاحبه، قبل أن تعكس وجه المجتمع. ففي السطر كما في الصورة، تتجلى ملامح الموقف، ويُقاس صدق الكاتب بقدر ما يُرى من روحه في كلماته.
الخبر قد يُنقل، والتحليل قد يُعاد، لكن الأثر الصادق لا يُحاكى.في مرآة الذات، لا مجال للتزييف. فالكلمة التي تُكتب خوفًا تموت، وتلك التي تُكتب نفاقًا تُنسى، أما الكلمة التي تُكتب عن قناعة، فتبقى شاهدة على زمنها، وعلى صاحبها معًا. وما أكثر الذين كتبوا للسلطة أو لموجة الرأي، ثم اختفوا، لأنهم لم يكتبوا في مرآة أنفسهم.
الكتابة الصحفية اليوم تحتاج إلى وقفة تأمل: هل ما نكتبه يعبر عن وعينا أم عن إملاءات اللحظة؟ هل ما ننشره هو صوت الناس أم صدى مؤسسات تُريد أن تُسمِعنا ما تشاء؟
هنا، تتضح المسافة بين الصحافة كحرفة، والصحافة كرسالة. في المرآة الصافية، لا يكذب الانعكاس. وحين تكون الذات نقية من شوائب الخوف والمصلحة، يصبح القلم ضوءًا، لا ظلًا. فالكتابة ليست فقط رواية الحدث، بل هي إعادة بناء المعنى وسط ضجيج العالم، ومقاومة النسيان في زمن السرعة والنفاق الإعلامي.
أن تكتب في مرآة الذات، يعني أن تكون حرًّا وشجاعًا وإنسانيًّا، أن تحوّل الكلمات إلى ضمير، والمهنة إلى موقف، والحقيقة إلى عهدٍ لا يُنكث. وهكذا، يظل المكتوب في مرآة الذات شهادة لا تصدأ، وصوتًا يتردّد في الضمير، حتى بعد أن تخفت كل الأصوات الأخرى.
نص المداخلة التي أدليت بها ضمن فعاليات الندوة الفكرية «الإعلام والإبداع « يوم الخميس 13 نونبر 2025 بفاس ،من تنظيم المركز الثقافي إكليل بشراكة مع الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة. هذا الحدث الثقافي الهام سجل مشاركة جمهور نوعي مخضرم من جيل الرواد في عالم الصحافة والإبداع محمد العربي بومهدي عبد المجيد الكوهن الدكتورة بشرى البهيجي الفاعلة الجمعوية زهور المرصاوي محمد ابن المليح حسن جمالي محمد الدوناسي عزيز المكاوي حكيمة باباش أمينة مجدوب د يوسف شكرة وحسن السنداني.. كما سجلت الندوة حضور فوج من طلبة شعبة علوم الإعلام والاتصال بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس ونخبة من طلبة إيماتيك .كما حضرت تمثيليات من النسيج المدني «يوم فاس» فضلا عن المكتب التنفيذي للشبكة الوطنية للقراءة والثقافة ….
حضر هذا اللقاء الذي افتتح بكلمات للمنظمين وقراء ة الفاتحة ترحما على روح الفقيد محمد نجيب الزهراوي ثلة من الأساتذة الجامعيين د عبد الرحيم وهابي الفائز بجائزة كاتارا .وتشكلت منصة المتدخلين من الإعلاميين المبدعين من بينهم السادة الأساتذة محمد بوهلال، الدكتور محمد الزوهري، والدكتور إدريس الواغيش، وذ عزيز باكوش فيما يسرت فقرات الندوة الصحفية والإعلامية القديرة عزيزة الغاوي. بالموازاة مع الندوة تم توقيع إبداعات الإعلاميين المشاركين، وتوخى هذا الحدث الذي يندرج في إطار الاحتفال ياليوم الوطني للإعلام إبراز التفاعل الخلاق بين العمل الإعلامي والكتابة الإبداعية، ضمن فضاء ثقافي يحتفي بالكلمة المسؤولة وبالتواصل الراقي.
الإبداع والإعلام أية علاقة ؟
الكاتب : عزيز باكوش
بتاريخ : 24/11/2025

