البروفيسور الأمريكي مايكل تشولبي عن كتابه «التفجع: دليل فلسفي»: كيف تصبح الآلام أكثر من مجرّد تكاليف !

 

عن «دار نثر»، صدرت الترجمة العربية لكتاب «التّفجّع: دليل فلسفي» للبروفيسور الأمريكي مايكل تشولبي، وهو من ترجمة الأستاذ علي المجيني.
ويناقش مؤلف الكتاب، الذي وضع مقدمة خاصة للترجمة العربية، مفهوم التفجّع من منظور فلسفي لم يتم التطرق إليه كثيرًا، مقارنة بالجانب النفسي السائد في ما كتب حوله.
وعرّج المؤلف على أسبابه وآثاره الجسدية الناتجة عن موت من نحبهم ونفرط في التعلق بهم.
وكشفت مقدِّمة المؤلف للنسخة العربية عن استيعاب لتجربة الفيلسوف العربي يعقوب بن إسحاق الكندي.
يتكون الكتاب من سبعة فصول ناقشت الموضوعات الآتية: لمن نتفجّع؟ ماذا يحدث في أثناء التّفجّع؟ إيجاد أنفسنا في التّفجّع، استخلاص الخير من الألم، العقل في خضمّ التّفجّع، واجب التّفجّع، الجنون والطّب، التّفجّع تجلّ إنساني. وفي ما يلي مقتطف من هذا الكتاب:

 

جادلتُ في الفصلين الثاني والثالث أن المشاعر المختلفة التي نمر بها خلال انخراطنا في التفجّع، تكشف جوانب مختلفة من علاقتنا مع المتوفّى، العلاقة التي يكون فقدانها فتحوّلها موضوع التفجّع، وعليه فإن مشاعر الحزن، والأسى، والألم التي نشعر بها في التفجّع تكشف لنا أهميّة المتوفّى بالنسبة لنا.
لاحظ أن ذلك يضع آلام التفجّع في علاقة سببيّة بمعرفة الذات، والتي كما قلت، هي الخير الذي يتفرّد التفجّع به. الألم، إلى جانب المشاعر الأخرى التي نمر بها في التفجّع مثل الغضب، والقلق، والدعة، وما شابه، يسهم في جعل معرفة الذات ممكنة. لكن، لاحظ أن طرفي العلاقة السببية هنا أكثر ارتباطًا ببعضهما من ارتباط التكلفة المحضة بالمنافع الناتجة عن تحمّل تلك التكلفة؛ إذ نحن لا نستسلم لألم التطعيم لأن الألم يجعل الوقاية من الأمراض المعدية ممكنةً، الوقاية من المرض لا تنتج عن الألم، إنما تنتج عن تحفيز اللقاح لجهاز المناعة، ولهذا السبب سيكون التطعيم غير المؤلم أمرًا مرغوبًا فيه بقدر ما يجعل التطعيم أقلّ كلفةً. أما في حالة التفجّع وآلامه، فإن الآلام ترتبط بعلاقة تكامل مع المنافع المعنيّة، الألم هو جزء من الطريقة التي نصل من خلالها إلى معرفة الذات، وليس أثرًا جانبيًّا عرضيّا للآليّة السببية التي تمكننا في الواقع من معرفة الذات.
أرى أن الثكالى ينظرون برغبة إلى آلام التفجّع لأنهم مدركين، ولو بشكل غير مكتمل، أن هذه الآلام هي استثمار في خير التفجّع. أن تستثمر في خير ما يعني أن تتحمل تكلفةً ما، إلا أن هذا الاستثمار يحمل دلالات أبعد من ذلك، الاستثمار التزام وتكريس للنفس لمنفعة أو مشروع ما، إن الاستثمار في خير ما ينطوي على تحديد الوسائل التي ستحقق ذلك الخير، وليس الأمر مجرد تكاليف يجب تحمّلها، أو شرّ لا بدّ من معاناته عن طيب خاطر على أمل تحقيق الخير الذي نسعى إليه، إنما بدلًا من ذلك يُنظر إلى الوسائل التي ستحقق ذلك الخير على أنّها نافعة بسبب العلاقة السببية التكامليّة التي تربطها بالخير الذي نسعى إليه.
خذ على سبيل المثال، شخصًا يقضي سنوات عديدة في كتابة رواية ثم يفوز بجائزة أدبيّة مرموقة، إن سنوات الاشتغال العديدة اللازمة لكتابة رواية تفوز بالجائزة هي (على مستوىً ما) مجرّد تكاليف؛ إنها تنطوي على تضحيات بالوقت والجهد وما إلى ذلك، والتي ستكون تجارب شعوريّة شاقّة ومُكلِفة، ومع ذلك، فإن الاشتغال هنا ليس مجرد تكلفة، إن القيمة أو الأهمية الإجمالية لكتابة الرواية والفوز بالجائزة وما إلى ذلك، لا تُحسب ببساطة عن طريق طرح «مساوئ» الاشتغال اللازم لكتابة الرواية ثم الفوز بجائزة عنها من «منافع» إتمام كتابة الرواية ومن ثم الفوز بالجائزة. إنما وعوضًا عن ذلك، فإن إتمام كتابة الرواية والفوز بالجائزة يغيّران أهميّة الاشتغال اللازم للقيام بذلك، إن إتمام الرواية وثم الفوز بالجائزة يعزز من صحّة الاشتغال أو يبرره، ممّا يزيد من شعور المؤلف بالرضا عن المشروع بأكمله، بالطبع سيكون المؤلف سعيدًا لأن الاستثمار «آتى أُكله»، لكن هذا المردود لا يتكون حصرًا من الكيفية التي حقق بها الاشتغال نتائجًا جيّدة، بل يشتمل المردود أيضًا كيف يصبح الاشتغال نفسهُ خيرًا في حدِّ ذاته نظرًا لدوره الأساسي في تمكين الراوية من الاكتمال. وهنا لم يعد الاشتغال مجرّد مساهم سلبي في مشروع الكاتب، حيث يعمل أيضًا كمساهم إيجابي في حدّ قيمته بقدر ما هو يُمثِّل استثمارًا من جانب المؤلف. يدرك الكاتب الآن ما أسماه (جي. أي. مور) «الوحدة العضويّة»، وهي حالة قيّمة، لا تكون فيها قيمة الكلّ ناتجًا لقيم المكونات كلّ على حدة، وفي هذه الحالة، فإن الاشتغال الشاق أو المكلف يصبحُ جيّدا بالنظر إلى ارتباطه الوثيق والذي لا يمكن فصله عن الخير الكامن في المشروع ككل.
وهكذا أيضًا في حالة التفجّع؛ حيث تمثّل آلامهُ، ولو عن غير قصد، استثمار الفرد الفاقد في إمكانية تحقيق معرفة الذات من خلال التفجّع. وبقدر ما يولّدُ التفجّع معرفة ذات قيمة، فإن الآلام تؤتي أُكلها وتصبح أكثر من مجرّد تكاليف. أرى أن الثكالى غالبًا ما يتوقّعون هذه الإمكانية، وبالتالي يرغبون في آلام التفجّع لأنها تمثّل استثمارهم في خير التفجّع.
قد تثير هذه الرؤية اعتراضًا مفاده أن الثكالى يمكن فقط أن يكونوا مُستَثمرين في آلام التفجّع إذا كانوا ملتزمين بشكل واعٍ بالصالح الأكبر الذي تحققه هذه الآلام، والحاصل ربما أن عددًا ضئيلًا من الثكالى هم من يمكن القول أنهم ملتزمون وعيًا بهدف معرفة الذات، فقليل فقط منهم من ينظر إلى تفجّعه من خلال هذا المنظور، وقليل منهم من يسترشدون بوعي الطريق نحو الهدف، وعليه فإنهم ليسوا مستَثمَرين في آلام التفجّع حسب الطريقة التي ارتأيتها.
لكن تذكّر التمييز السابق بين هدف النشاط وغرضه (القسم 3.6)، حيث أشرت إلى أن المكونات الجزئية المتنوعة للنشاط يمكن أن تكون لها أهداف معيّنة دون أن يظهر الغرض الأكبر من النشاط في هذه الأهداف. الأمر كذلك في حالة التفجّع؛ إن أهداف مكوّنات التفجّع المختلفة، بما في ذلك البحث عن المواجهات المؤلمة مع غياب المتوفّى المعنيّ، لا يجب أن تتصل بالغرض الأكبر الذي عزوته للتفجّع، وهو تحقيق معرفة الذات.
علاوةً على ذلك، لا ينبغي لنا أن نفترضَ أننا نعرف ما هي نوايانا في كل مساعينا البشرية المقصودة، ولا ينبغي أن نفترض أن كلّ نشاط عقلاني مدعّمٌ بسببٍ نفهمه بالتزامن مع مباشرتنا النشاط. لاحظت (آغنيس كالارد) أننا حتى عندما نمارس نشاطًا نتوقّع أن يغيّر حياتنا بشكل كبير -لاحظ أنني اقترحت أن التفجّع الناجح سيغيّر هوياتنا العمليّة إلى حدّ ما- فإننا لا نحتاج إلى التيقّن مسبقًا من سلامة دوافعنا لهذا المسعى. وفقًا (لكالارد): «يمكنك التصرّف بعقلانيّة، على الرغم من معرفتك بأن تصوّرك المسبق للخير الذي تتصرف من أجله قد يكون خاطئًا بعض الشيء»[2]. في مثل هذه الحالات، نتوقّع أننا سنتغير بحيث يمكننا تقدير الأسباب التي دفعتنا نحو هذا النشاط، حتى وإن اتضحت الأسباب عند نهايته فحسب. وهذا هو الحال مع التفجّع؛ حيث نتفجّع على أمل خير لم نعرفه بعد، وبشكل أو بآخر نحن مدفوعون في تفجّعنا بالغريزة. ولأننا كائنات اجتماعيّة تقوم هويّاتها العملية على وجود الآخرين، فإن أنظمتنا العاطفيّة «تُصدم» بموتهم، لكن التفجّع الذي يجسّد هذه الصدمة ليس مشروعًا نقوم به بالضرورة عن سبق إصرار وترصّد، وبهدف واضح ومحدد.


الكاتب : ترجمة: علي المجيني

  

بتاريخ : 28/02/2025