التراث الحضاري والثقافي وأهمية استثماره سياحيا

تعتبر المناطق التاريخية والأثرية أحد مقومات التراث نظرا لقيمتها التاريخية والثقافية والحضارية التي لا يستهان بها، وربطها المجتمع في العصر الحديث بجذوره التاريخية، وهي تمثل مراكز جذب سياحي وثقافي ذات ثقل كبير، كما يعد التراث العمراني والتاريخي، أحد الجوانب المهمة للتراث الحضاري الذي تعتز به أي أمة لما يبرزه من صور أصيلة، ولأهميته حرصت الدول على زيادة الوعي به كمصدر ثقافي واقتصادي والتعرف على سبل حمايته وإعادة استخدامه ضمن إطار معاصر من خلال وضع الأسس والمعايير التخطيطية والتصميمية التي تسهم في إظهار قيمته وأهميته في التنمية الاقتصادية وتوظيفه كرافد أساسي من روافد السياحة. وبما أن الأسلوب التقليدي لصناعة السياحة أصبح عقيما نتيجة لعولمة هذا النشاط وارتباطه بمنظومات الاستثمار السياحية العالمية الخاضعة لاقتصاديات السوق المفتوح التي تهدف إلى تحقيق الأرباح دون الالتفات إلى القيم الرمزية والتعبيرية وحفظ الذاكرة الجمعية للمجتمع، كحاجة نفسية وحضارية تضمن الاستمرارية الحضارية. لذا وجب اعتماد الأساليب الحديثة مثل التكنولوجيا والمعلوماتية وتوثيق المعلومة التي تخص كل معلم سياحي، سواء أكان تراثيا أودينيا أو تاريخيا أو طبيعيا، لكي نحقق هدف الاستثمار وتحقيق الأرباح بصورة صحيحة، إضافة إلى إبراز أهمية المعلم السياحي حسب نوعه وتركزه في الذاكرة، وقيم المجتمع كأسلوب للحفاظ على حضارة الشعوب. وتلعب العمارة دورا كبيرا في استحضار وإحياء تلك القيم وتوظيفها في المشاريع السياحية، لتشارك في إعادة الحياة إلى كل ما من شأنه الإسهام في عمليتي التواصل الحضاري، وجعلها إحدى المنظومات التواصلية في العمارة.

إن الفكر التقليدي للسياحة الذي ينظر إلى النشاط السياحي على أنه مجرد عملية تنظيم زيارات للسائحين وتوفير مستلزمات الإقامة والخدمات من خلال تهيئة بعض المكاتب السياحية التي تؤدي تلك المهمة، ومن منظور اقتصادي يهدف إلى تحقيق بعض المكاسب المادية مع تحقيق فرصة الاطلاع على الآثار التاريخية والتراثية بالمنطقة، أصبح فكرا تقليديا، فالفكر الحالي هو فكر صناعة السياحة. إنه فكر الاستثمار والمنافسة. إنه فكر الاحتكارات والعولمة. إنه الفكر الذي يعمل بفكر رِؤوس أموال محلية وإقليمية وعالمية. إنه نشاط يرتبط بالاستقرار السياسي والاقتصادي واحترام المجتمعات لتاريخها، إنه نشاط يبعث الهدوء والطمأنينة للمجتمع وهو نشاط يهذب ذوق المجتمع، وهو نشاط تربوي يرتبط بإعمار الأرض وإدامتها، ولهذا أصبح قطاع السياحة عاملا من عوامل التطور الاقتصادي ونشاطا حركيا يكمل بقية الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما أنه صناعة متكاملة تتضمن التخطيط والتشييد والترويج والتسويق ويتفاعل مع قطاعات الاقتصاد الأخرى. ومن ثم يساهم مساهمة إيجابية في التنمية الاقتصادية. ولهذا فإن دور كل من التخطيط والعمارة في هذا النشاط مميز لما لهما من قدرة على إظهار المعالم السياحية والخدمات الخاصة بها والتعبير عن القيم الحضارية للمجتمع واستحضارها بشكل ينسجم مع روح ومتطلبات العصر، وقد تناولت العديد من الدراسات والأدبيات صناعة السياحة والحفاظ على الآثار والتراث الحضاري، وقد قسمت السياحة إلى ثلاثة أصناف رئيسية، وتقع باقي النشاطات السياحية ضمنها، وإن اختلفت في التسميات:

1- السياحة الثقافية، وتشمل السياحة الأثرية والتاريخية.

2- السياحة الدينية: وتشمل الآثار الإسلامية والمسيحية واليهودية.

3- السياحة البيئية: وتشمل السياحة الطبيعية والترفيهية والعلاجية.

تطوير السياحة التراثية الثقافية هي عملية تراكمية، لذلك نضع في اعتبارنا أن برنامج تطوير نظام اقتصادي قوي بالنسبة للتراث الثقافي يتطلب استثمارا والتزاما.

السياحة كأداة للتنمية الاقتصادية

تعتبر السياحة وسيلة ومجالا وأداة لخلق وظائف وفرص عمل جديدة، معززة للاقتصاد المحلي. فنمو القطاع السياحي خصوصا في المجال التراثي وبشكل سليم وإيجابي يساعد على تثمين واستثمار الإرث الثقافي والتراثي، وتحسين نوعية ومستوى الحياة بالنسبة للمقيمين والزوار على حد سواء.

فالربط بين السياحة والثقافة والتراث يمكن أن يعزز الاقتصادات المحلية ويؤهلها للعب العديد من الأدوار الداعمة للتنمية عبر توظيف كل هذه الإمكانات في مجال السياحة التراثية عن طريق التحفيز المعرفي، الموصل لتبادل الفوائد الاقتصادية والثقافية من المجال السياحي الموظف للتراث الحضاري.

فوائد السياحة التراثية:

عنصرا التراث الثقافي والسياحي يمكن أن يكون لهما تأثير اقتصادي هائل ومهم على الاقتصاد المحلي، فهناك فوائد وفرص عمل على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى التطور العقاري المرتبط أساسا بالأنشطة السياحية، وذلك عبر خلق دورة اقتصادية وعمرانية وترفيهية مرتبطة ببرامج إدارة المجال السياحي الفعال المحسن لنوعية الحياة للمقيمين عبر الاستفادة من الخدمات السياحية المقدمة على كل المستويات.

لذا فالمجال السياحي يعتبر عنصرا محوريا محفزا للمجتمع على تطوير صناعة سياحية مزدهرة، يمكن أن ترتقي بالمحيط السوسيواقتصادي عبر تطوير القدرات والبنيات التحتية والمواصلاتية الموظفة للسياحة المرتكزة على التراث الثقافي والحضاري، وذلك عن طريق التثمين الجيد للمعطيات والمعارف التاريخية لتمكين السياح من الحصول على فهم جيد للمكان والاطلاع الواسع على مقومات حضارة الشعوب وتقاليدها وعلى الحقب الزمنية والتاريخية لتطورها الحضاري والتراثي.

فبوصول الزوار تتحقق فرص جديدة للتبادل الحضاري التراثي، المجسد والمحقق لفائدة السياحة التراثية والثقافية من خلال زيادة الفرص المتاحة للتنويع الاقتصادي وسبل الازدهار الاقتصادي، الذي يعتمد على خاصية التلاقح الحضاري ثقافيا ومعرفيا.

تحديات السياحة الثقافية 

يعتبر التراث جوهر ما يقدم المجتمع للزوار فحماية هذا التراث هو أمر ضروري لأنه يشكل التحدي الرئيسي في مجال السياحة الثقافية التراثية التي تتطور وتتغير بسرعة، لأنها تواجه العديد من التحديات المستمرة على أكثر من مستوى.

فالسياحة عموما هي صناعة “نظيفة” ليس هناك مداخن أو أي مواد كيميائية خطيرة. ولكنها تتطلب بنية تحتية من طرق ومطارات وإمدادات مياه وخدمات عامة مثل الشرطة والحماية من الحريق …وغيرها.

فأهم التحديات التي تواجهها السياحة تتمثل في زيادة عدد السياح والضغط على البنية التحتية والمواقع التراثية لكن التحديات ليست فقط ناتجة عن تأثير الزوار بل أيضا من توقعاتهم لمنتجات وخدمات عالية الجودة. فالسياحة هي أساسا صناعة للخدمات المرتبطة بكل الأنشطة المتمحورة حولها، وهذا يعني أنها تعتمد على كفاءة المسؤولين والعاملين في الوظائف المختلفة. مما يمكن من الجذب الاقتصادي والتنموي.

لذا فالتخطيط السياحي يعتبر من أهم أدوات التنمية السياحية المعاصرة، التي تهدف إلى زيادة الدخل الفردي والقومي وإلى تنمية حضارية شاملة لكافة المقومات الطبيعية والإنسانية والمادية في البلاد، ومن هنا فالتخطيط السياحي يعتبر ضرورة من ضرورات التنمية المستدامة والرشيدة التي تمكن الدول النامية من أن تواجه المنافسة في السوق السياحية الدولية. وبالتالي فإن تخطيط التنمية السياحية يعتبر جزءا لا يتجزأ من خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تقتضي إلزام كافة الوزارات والأقاليم والأجهزة والإدارات الحكومية وغير الحكومية بتنفيذ أسس السياسة السياحية التنموية.

وقد ارتبط ظهور التخطيط السياحي وتطوره وكذلك أهميته ببروز السياحة كظاهرة حضارية سلوكية من ناحية وظاهرة اقتصادية اجتماعية من ناحية أخرى، وقد حظيت السياحة المعاصرة باعتبارها نشاطا إنسانيا نظرا للأهمية والاعتبار الكبير الذي لم تحظ به في أي عصر من العصور السابقة.

وقد نجم عن النشاطات السياحية الكثيفة نتائج وآثار اقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وعمرانية كان لها أثر عميق وواضح على حياة المجتمعات والشعوب في عصرنا الحاضر، الأمر الذي استدعى توجيه الاهتمام إلى ضرورة تنظيم وضبط وتوجيه وتقييم هذه النشاطات للوصول إلى الأهداف المنشودة والمرغوبة بشكل سريع وناضج. وقد ترتب عن ذلك اعتماد وتبني أسلوب التخطيط السياحي كعلم متخصص يتناول بالدراسة والتحليل والتفسير جميع الأنشطة السياحية ويعمل على تطويرها وأجراتها على أرض الواقع.

التنمية والاستثمار السياحي في مواقع التراث العمراني

تعتبر السياحة في العديد من الدول من أهم الركائز التي يعتمد عليها الدخل القومي، وتنقسم السياحة، حسب نوعية المنتج، إلى سياحة ترفيهية وثقافية ودينية وعلاجية، لذا فهي بكل أنواعها المختلفة ترتكز على عدة مقومات تشمل المنتج السياحي والمصادر البشرية والإدارة والتمويل والتسويق.

لذا فالتنمية السياحية لمواقع التراث العمراني يعتبر من أهم روافد السياحة، بدءا من إدراك أهمية العلاقة بين السياحة ومواقع التراث العمراني في إظهار ثقافة الحضارات المختلفة واستنباط المعلومات من خلال ارتياد أفراد المجتمعات المختلفة لهذه المواقع بهدف التعرف والاطلاع والاستمتاع بالمواقع المختلفة حضاريا وعمرانيا وثقافيا.

ونتيجة لازدياد الطلب على ارتياد مواقع التراث العمراني من قبل القطاع السياحي، أصبحت هناك حاجة ماسة من قبل الدول المختلفة، والتي تعتمد على السياحة كمصدر رئيسي وهام لدخلها القومي، لأن تعمل على تطوير منتجها السياحي واستثماره وزيادة مكتسباتها من الصناعة السياحية من خلال تنمية هذه المواقع مما أدى إلى ظهور العديد من التحديات والمعوقات المرتبطة بعملية تنمية وتطوير هذه المواقع، باعتبارها من أهم عناصر السياحة الثقافية، والتي بالمناسبة تواجه العديد من المشاكل المرتبطة أساسا ببرامج التأهيل السياحي المعتمد على مبدأ التنمية المستدامة المرتكزة على التطوير والحفاظ على هذه المواقع وتحقيق العائد الاستثماري المقبول للاستدامة بحيث تشمل أعمال الصيانة والترميم والتمويل وإدارة المواقع السياحية بالإضافة إلى دراسة الآثار المتوقعة لعمليات التطوير على المجتمعات المستضيفة لمواقع التراث العمراني سواء سلبيا أو إيجابا.

وقد أظهرت التجارب المختلفة لتطوير مواقع التراث العمراني بهدف التنمية السياحية واستثمارها العديد من المعوقات من ضمنها ملكيات الأراضي التي يقع عليها التراث العمراني والقوانين والأنظمة المعمول بها بالإضافة إلى قوانين الاستثمار والتنظيم وقوانين حماية المناطق الأثرية وتحديد الاستعمالات الملائمة لأصالة التراث، كما أن سلوكيات المجتمع المحلي وإدراكه لأهمية هذه المواقع والتعاون مع الجهات المسؤولة عن التطوير تعتبر من أهم العوامل المؤثرة في عملية التنمية والاستثمار بالإضافة إلى وعيه بأهمية المنتوج السياحي وتسويقه بأساليب إظهاره وإحساسه بالعوائد المتأتية عليه من خلال مشاركته في عملية التطوير.

مما تقدم يمكن القول إن التوثيق لكل أنواع التراث والآثار وحفظ المخطوطات واللقى الأثرية مهم جدا لخدمة الصناعة السياحية، وخاصة السياحة التراثية والتاريخية والثقافية.

 

(*)طالب دكتوراه بجامعة كوانكزو بالصين، تخصص السياحة والتواصل.  

 


الكاتب : جبوري عبد الحميد ( *)   

  

بتاريخ : 19/07/2021

//