التربية والتعليم والثقافة في التنشئة المغربية

حوار مع الأديب والفاعل التربوي جواد المومني

• علاقة الأسرة بالمدرسة شاملة ومتكاملة وتشاركية.
• جمعية آباء وأمهات وأولياء التلميذات والتلاميذ فضاء وسيط بين المدرسة والأسرة.
• لا يجب اعتبار الجمعية مصدرا للاسترزاق والارتقاء الاجتماعي.
• هاجس التكوين في تنشئة الأجيال ينبغي أن يربط بين المعرفي الفكري والمهني التقني.
• لا بد من الاهتمام بالمدرسة العمومية وتحيين أدوارها التاريخية.
• الإلحاح على ضرورة تربية الناشئة على تنمية الذائقة الشعرية، وممارسة السؤال والاكتواء بحرقته.
• يكفينا إهدارا وإضاعة للزمن المغربي الحقيق.

 

حلم أي أمة تاريخيا وجغرافيا هو دوام إنتاج أجيال مثقفة وعالمة من النوع الراقي فكرا وسلوكا من خلال منظومة تنشئة ناضجة ومحكمة، أجيال قادرة أن تضمن لدولها ومجتمعاتها مكانة محترمة في نسق اتخاذ القرار الكوني والتأثير على سمو العتبات المقبولة في مجال شروط العيش المشترك عالميا في سياقات قطرية متباينة ومتنوعة.
إنه انشغال من نوع خاص بفعل ديمومة التفكير فيه في سياقات كونية تطورية، عرفت تحولات عميقة وسريعة ابتداء من التسعينيات من القرن الماضي، الشيء الذي دفعني إلى استثمار بعض الجهد في هذا المجال من خلال عزمي إجراء حوارات مع عدد من الفعاليات التربوية والتعليمية والثقافية والسياسية والنقابية من مدن الهامش. فإضافة إلى الحرص على تحقيق نوع من الإسهام، ولو كان طفيفا، في تحقيق الأهداف السالفة الذكر، وجدتني مسكونا بفكرة كون نجاعة وبلورة وتنفيذ السياسات العمومية في هذا المجال تبقى إلى حد بعيد مرتبطة بإشراك كل الطاقات الترابية ببلادنا بالشكل الذي يبدد ويفند «عقدة» المركز في تعامله مع الهوامش، محاولا التعسف على القولة الآتية بجعلها «يوجد في النهر ما يوجد في البحر».
إن ما يعيشه مغرب اليوم، بفعل الجهود المبذولة في مجال إعداد التراب الوطني، لم يعد الحديث عن محور المغرب النافع والمغرب غير النافع ومركزية القوة السياسية والاقتصادية في الرباط والدار البيضاء ذا أهمية بالغة، بل أصبح حديث المجتمع ومؤسساته عن تقريب الخدمات المتنوعة من المواطنين في مختلف المستويات الترابية هدفا ذا مصداقية، ويمكن تحقيقه على المدى القريب أو المتوسط من خلال عواصم حضرية جهوية كبرى والمدن المحورية (طنجة، القنيطرة، فاس، مكناس، مراكش، أكادير، الصويرة، الجديدة، وجدة، الحسيمة، الناظور، العيون، الداخلة، ورزازات، …). لقد مرت البلاد فعلا من لامركزية الستينات الاستشارية، ثم إلى اللامركزية فعلية بالتدرج باختلالات في مجال إنتاج النخب، ثم إلى جهوية استشارية، ليتم الحديث اليوم عن مغرب الجهات واللاتركيز الإداري، والمرور من المراقبة القبلية إلى الرقابة البعدية.
والحالة هاته، لا يمكن لي أن لا أذكر في هذه الظرفية التي تمر منها البلاد بما أوليته من اهتمام من خلال عدة مقالات لهذه المحطة المحورية، والتي اخترت لها شعار: «المغرب في مفترق الطرق»، لأجد نفسي، في إطار ملامستي للتغيير ومنطق قيادته التدرجي، في فضاء التفكير بالجدية المطلوبة في موضوع الارتباطات الوثقى بين التربية والتعليم والثقافة. إن مغرب اليوم لا يحتاج إلى طاقات تقنية فارغة ثقافيا، بل يحتاج إلى تقنيين ومهنيين وحرفيين وفنانين ومبدعين بثقافة موسوعية في مختلف المجالات، ثقافة تجعلهم يضفون مصداقية قصوى لعملهم وللممارسة السياسية والنقابية بالبلاد، ولمردودية مؤسساتهم الرسمية والمجتمعية.
إنه الاعتبار الذي جعل جل الفاعلين الترابيين يستحضرون بإلحاحية الحاجة إلى ارتقاء المجال الثقافي وأدواره الحضارية، وتحويله إلى آلية ناجعة لخلق التحولات المنتجة في مسار تحديث المجتمع والرفع من مستوى العقلانية في سلوكيات أفراده، وتعابيرهم الشفاهية والمكتوبة والحركية، وإبداعاتهم الفكرية والفنية، وتواصلهم الحضاري وتفاوضهم المقنع، وإسهامهم في بناء وطن عصري ومتطور.
وتماشيا مع هذا الانشغال، الذي أتمنى أن يكون حاضرا بقوة في أذهان كل مستويات مصادر القرار بمنطق تفاعل وتكامل وتعاون وتضامن الثروات المادية والبشرية التي تزخر بها البلاد، أستضيف في هذا الحوار الأستاذ جواد المومني، كاتب وأديب من مدينة سيدي سليمان. إنه من ضمن الفعاليات السياسية والثقافية والجمعوية والحقوقية ذات الوجود المتميز بالمدينة. ضيف هذا المحور الهام، في حياة الشعوب والأمم، من مواليد 29 يونيو 1967 بمدينة سيدي قاسم، عاش السنوات الأولى من تعليمه بمدينة تطوان، لينتقل صحبة أسرته، بعد انتقال أبيه، الذي كان يشغل قيد حياته مهنة رجل تعليم بوزارة التربية الوطنية المغربية، إلى مدينة سيدي سليمان، ليستقر بها بشكل نهائي. إن التنشئة الأسرية والتعليمية، التي تلقاها بهذه المدينة كنموذج من أبناء القوات الشعبية، جعلت منه، إضافة إلى إتباع مهنة والده، مربيا وأديبا وشاعرا ومثقفا وفاعلا سياسيا في الصف التقدمي ونقابيا وحقوقيا ومناضلا ميدانيا بامتياز.
نستضيفه، ونرحب به، لتستفيد من تجربته أجيال الطفولة والشباب في الحاضر والمستقبل من خلال إجابته على تساؤلات هامة في مجال الارتباطات الممكنة ما بين تعليم الأطفال وتربيتهم وتثقيفهم وصقل قدراتهم في مختلف المجالات الإبداعية.

السؤال الأول: لتستفيد الأجيال الصاعدة من تجربتك الأستاذ جواد، يبقى تعميم التراكمات الأدبية في مسارك الشخصي على العموم ذا أهمية بالغة. كيف إذن تكون ميولك للكتابة الإبداعية في مسار تنشئتك؟
بالنسبة، لما له علاقة بالكتابة الإبداعية (شعرا، نقدا، سردا) ستكون الخطوات الأولى – وهذا أمر عجيب بعض الشيء – عبر منابر إعلامية مكتوبة باللغة الفرنسية (يوميتي: لوپينيون، صباح الصحراء) من خلال محاولات شعرية على صفحاتها الشبابية والثقافية. لكن الغلبة في الأخير ستتجه نحو اللغة العربية، والكتابة بها وعبرها، والتي ستحتضن وهَجَهَا بدايةً، أسبوعيةُ «الطريق»، ثم يوميات «أنوال» و»الاتحاد الاشتراكي» و»العَلَم» و»الميثاق» و»الجسور» من خلال الملاحق الثقافية، ثم المنابر العربية كمنبر كتابات معاصرة- اللبنانية مثلا. وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن النشر كان يتم عبر الرسائل المكتوبة ما دام النشر يكون ورقيا. وستدوم المحاولات والتنويع في الكتابات التي ابتدأت إرهاصاتها في سن الثامنة عشرة، ليكون أول إصدار شعري سنة 2014 عبر ديوان «تاريخ دخان..» و»صداقة ريح»، ثم «ذوات يمتطيها الضَّل» و»نسيج المُرارِ»، و»محكيات ذاتية» سنة 2017، و»أول البوح… آخر الصمت» سنة 2018، و»حررتُها من عطر البحر» سنة 2019. أما بخصوص إصدارات الأيام المقبلة، فأنا في الخطوات الأخيرة لإنهاء ديوان جديد سأنشره قريبا.
ثم سيستمر الفعل الثقافي الجاد عبر الانخراط في «جمعية أفق للثقافة والإبداع» بسيدي سليمان، والعمل ضمن أنشطتها المميزة، والتي استطاع ثلة من المهتمين بالشأن الثقافي النهوض به، من خلال تنظيم لقاءات وأنشطة رائدة، بل إنجاز مهرجانات وطنية وجهوية للقصة، مع مسابقات في إبداع نفس الجنس.إنها المسيرة التي ستتكلل باختياري على رأس مكتبها المسير، خلال الولاية الحالية، وهذا الذي أعتز به وأفتخر.
بالنسبة للمسار المِهْنِيِّ، فبعد ما يفوق ثلاثة عقود من الممارسة الفعلية داخل الفصل في مجالات التربية والتكوين والتعليم، تبقى فترة العمل التربوي في بلاد المهجر، عضواً بالبعثة المغربية الثقافية في مدينة پيرپينان الفرنسية كمدرس للغة العربية بالمدارس الفرنسية، في إطار تقريب اللغة والثقافة المغربيتين من أبناء المهاجرين هناك (بين 2008 و\2015 ) تبقى هذه التجربة ذات تأثير بين وواضح، حيث الاقتراب أكثر من هموم أخرى، وفئات مغايرة، ورؤى مختلفة، ولعلها تجربة غنية، مشاكسة للمسار الذاتي ككل، بشكل أو بآخر (التجربة السردية في: ذوات يمتطيها الظل، تؤرخ لذلك).
إذ أن العمل الميداني الفعلي ضمن «عصبة الدفاع عن حقوق الإنسان» (عضوية فرع پيربينيان لفترتين) والحزب الشيوعي الفرنسي (خصوصا في أنشطة مناضليه القوية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وكذا في التصدي لكل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني، حيث كنت أقوم بالترجمة وإدارة النقاشات) وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي لفيدرالية أورپا، وبعض جمعيات الأحياء السكنية بنفس المدينة، هذا العمل، سيكون بمثابة قوة دافعة أخرى لتجسيد الارتباط العضوي بالآخر. كما كان لمساهمتي في مشواري خلال فترة إقامتي بالديار الأوربية، كانت تجربتي ضمن «التنسيقية الأوربية لأساتذة اللغة العربية الموضوعِين رهن إشارة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج» والتطورات التي تلتها أثرا كبيرا على مواقفي السياسية ورصيدي الأدبي والثقافي.

السؤال الثاني: كيف أثرت التجربة في بلاد المهجر على مواقفك النضالية والثقافية ورصيدك الأدبي؟
إنه ملف حارق وشائك بكل ما تحمل اللفظة من معنى، قد أُفْرِدُ له جلسة خاصة به حتى أتطرق لكل جوانبه، وألقي الضوء على ما خفي ضمنه من عتمات وظلال وجروح !! …. قلت، هذه التنسيقية التي كنت أحد أطرها في ما يمكن تسميته بلجنتها التنفيذية، كانت تُنتخب سنويا في لقاء وطني، بداية كل عطلة صيفية، فور التحاق الأساتذة بأرض الوطن خلال الموسم الصيفي. وقد أنجزتْ هذه التنسيقية الأوربية عدة وقفات احتجاجية أمام سفارة المغرب بفرنسا في باريس، وكذا أمام قنصليات البلاد في عدة جهات (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا) للدفاع عن ملف مطلبي معقول وحقيقي، بعيد عن المزايدات، مما سيعَجِّلُ بإغلاق الملف قَسْرا، والهروب إلى الأمام من طرف الحكومة المغربية، والعمل على فرض عودة كل الأساتذة من الديار الأوربية على ثلاث دفوعات (سنويا) مع ما تلا ذلك من وَيلات ومآسٍ، قاست بعدها ولا تزال عدد من الأسر، أضرارا اجتماعية خطيرة، تتحمل فيها الحكومة المغربية في عهد عبد الإله بنكيران، كل المسؤوليات والتبعات، والتي، سيسجلها التاريخ بمداد من فخر على كل من كان في الواجهة، وبسياط من العار والذل والخذلان، على جبين كل الانتهازيين !!!

السؤال الثالث: على أن نعود لتجربتك المهنية بفرنسا بأبعادها السياسية والحقوقية والجمعوية لاحقا، أعود بك لسؤال محوري هام في حوارنا: هل لمجال البدء في خلق التراكم المعرفي الثقافي لدى الطفل سن معين يميز مسار تنشئة الطفولة بصفة عامة؟
كل نمو، كل تراكم فهو تغير، ولا يتم إلا عبر مراحل التكوين المختلفة للإنسان/الفرد. كما أنه تغييرات مترابطة مثل: الحجم، الشكل، الوظائف. بالنهاية، هو تغير نوعي وكمي، يؤدي إلى نتائج متفاوتة، قد تكون نضجا، أو ازديادا في الفهم وفي غيره، ولكل مرحلة تأثير على الأخرى اللاحقة (بحسب ما ذهب إليه فرويد مثلا).
ويهمنا نحن أن نتطرق للحديث عن النمو كنتيجة للتعلم، الذي ينبني على مستويين اثنين: كمي ونوعي. ويمكننا الجزم أن النمو/التراكم المعرفي لدى الطفل المتمدرس يسير من العام باتجاه الخاص، ومن البسيط إلى المركب، وهكذا، تتطور معارف الطفل وأيضا طريقة تحليله وتفكيره ورؤيته للأشياء وللواقع، حيث ينمي كذلك قدراته عبر حواسه، وغالبا ما يكون للمدرسة وللتنشئة الاجتماعية وللمحيط العائلي دور كبير هنا، ولا يمكن إغفاله. ومن ثم يخلق لدى الطفل/المتمدرس المتعلم أنواع أخرى من التفكير بعد نضج وتطور، كالتفكير المجرد أو المنطقي أو النقدي أو الحدسي. ولكل هذه الأنواع، لا بد من تراكم تشتبك فيه القراءة والتعلم الذاتي، والترفيه والمدرسة وشكل نوع التدريس والتلقين، والفضاء المجتمعي، وبنيات الاستقبال والتكيفات، والتمثلات، وذاك ما يساعده في خلق التوازن المرجو مجتمعيا.

 السؤال الرابع: ما وضع الأسرة والمدرسة ببلادنا في مجال حرصهما على تثقيف الأطفال والشباب؟
علاقة المدرسة بالأسرة علاقة تكاملية ومترابطة في المجتمع، لأنهما المؤسستان اللتان تصنعان الفرد/الكائن، وبالتالي فهما وسيلتان يَعبُر الطفل من خلالهما إلى العوالم الخارجية، ثم يتشكل. لكن وجب التأكيد على أن لكل منهما دور خاص وببرامج محددة ومستقلة إنْ تركيبا أو تدبيرا. فمثلا إذا كانت المدرسة تؤطر الطفل تبعا لضوابط معينة، وتهدف إلى تنظيم فاعلية العنصر البشري قصد إنتاج الفئات النشيطة مجتمعيا، من خلال وظائف متعددة كالتكوين والتربية والإيديولوجيا، فإن الأسرة من خلال أدوارها الرائدة في التنمية والتنشئة المجتمعية، ستكون بمثابة التربة الحاضنة لكل السلوكيات والعادات والمعايير والقيم. لذلك فإن العلاقة بينهما غير سطحية بالتالي، ذلك أن الأسرة هي من يزود المدرسة بالمادة الخام الأولية (الطفل/المتمدرس) وتقوم هذه الأخيرة بالإنتاج (التربية)، فهي علاقة شاملة ومتكاملة وتشاركية، في الممارسة كما في النظرية.
لكن تجب الإشارة إلى أن على عاتق المدرسة أن تعمل على خلق أجواء الانفتاح على مؤسسة الأسرة، باعتماد أساليب التحاور والمتابعة والدعم، يعني أن خطوة الإشراك في همِّ التربية والتكوين والتعليم مرهونة بمؤسسة المدرسة أولا وأخيرا.
وبذلك، عديدةٌ هي عوامل نجاح أو فشل المتمدرس/التلميذ، المتواجدة داخل البيت. إذ غالبا ما يتم النظر إلى الأسرة باعتبارها الحضن الأول الراعي للطفل، لكن يتم تجاهل الشارع بكل مكوناته وعناصره المتفاعلة، التي تؤثر مباشرة على وفي عمليات التنشئة والتربية والتعليم.
وقد تأكد عبر تجارب مختلفة بما لا يدع مجالا للشك، أن جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، عنصر فعال في الميدان. إذ هي فضاء وسيط لتنظيم العلاقة بين المدرسة والأسرة. ولها دور جد هام في تقديم مختلف أنواع الدعم للأسر، وللمؤسسات التربوية التعليمية، وذلك عبر التتبع والقوة الاقتراحية والمساءلة المبنية على بدائل ترتكز إلى تصور واضح، مع الدعم المستمر لفائدة البرامج القادرة على الإصلاح والتغيير الحقيقيين.
ولإعطاء النجاعة لهذه الجمعيات فلا مناص من تأهيلها بشريا وقانونيا. يعني، ضرورة الاحتكام إلى مبادئ الديمقراطية في التأسيس، ثم الجدية في التنظيم والتدبير للشأن؛ حيث يتم توسيع قاعدة المنخرطين، لتشمل أكبر قدر ممكن من العائلات (التمثيلية المتنوعة)، مع التكوين والتأطير والوعي بالمهام وبالمسؤوليات والأدوار الملقاة على عاتقها، وليس اعتبارها (الجمعية) مصدرا للاسترزاق والارتقاء الاجتماعي، مع الوعي كذلك بضرورة تحصين المكتسبات، ثم الإسهام في انفتاح المؤسسة على محيطها وإنجاح مشاريعها التربوية (كالحد من الهدر المدرسي، أو التصدي لمظاهر العنف بشتى تلاوينه سواء داخل فضاء المدرسة أو في محيطها). وأتذكر بهذا الصدد، تقريرا أنجزه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2019؛ إذ رغم ما يمكن أن نسجل عليه من هفوات، حيث أغفل بشكل ما، عناصر متعددة ذات تأثير في المجال، لا يسعنا في هذا المقام التطرق لها، ولا التفصيل فيها، إلا أنه ومن خلال اشتغال لجانه الفرعية، فقد أكد على ضرورة إشراك جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ في الهم التربوي، واعتبرَها محورا أساسيا في اتخاذ القرارات الحاسمة لصالح المتمدرس والمؤسسة على حد سواء، ودفع كل الأسر إلى الاهتمام والانخراط، مع تطبيق المساءلة والمحاسبة بين أعضاء المكتب وباقي المنخرطين، وعدم الاكتفاء في أدوارها بأشغال الصيانة أو تجهيز المؤسسات أو توفير الأدوات واللوازم المدرسية فقط … وإنما لا بد أن يشمل اهتمامها: تطوير الوعي الفردي والجماعي لدى المنخرطين، والانشغال بمهام التكوين والتحسيس بقيمة العمل الجمعوي التطوعي ذي الأهداف الإنسانية السامية، بعيدا عن التطلعات الانتهازية. ثم هناك إمكانية الانفتاح على شرائح مجتمعية ومهنية أخرى لاستثمار كل الكفاءات والقدرات.
كما وجب التأكيد هنا على ضرورة تعزيز مكانة الجمعية ضمن المنظومة التربوية، وإعادة الاعتبار لأدوارها الحقيقية، التي أُنشِأت لأجلها. حيث دعمُها ماديا، ومساعدتها في الانفتاح على محيطها، عبر خلق جسور تواصل (شَرَاكَات) بينها وبين باقي مكونات المجتمع المدني والمؤسسات المختصة، مع السهر على استقلاليتها وحيادها الإيجابي، في تدبير شؤونها الداخلية، واحترام ضوابطها القانونية المنظِّمة لعملها. أيضا الحرص على اعتماد التداول الديمقراطي في تسييرها، وإقصاء الهم الانتخابي الوُصولي عن أجواء تجديد هياكلها، مع إمكانية التنويع في الفئات الاجتماعية المُنتَخَبَة وإعمال مبدأ المناصفة للتمثيلية النسائية العادلة … كل ذاك في سبيل خدمة جمعية (للآباء والأمهات والأولياء) تسعى للتطوير والتكوين الذاتيين.
ومن الأولويات التي يجب الانخراط فيها ضمن الجمعية، اعتبار النهوض بالشأن التربوي هدفا لذاته، وغايةً مُلْزِمَة لتواجدها، حيث مَهامُّ جسيمة تنتظرها، من قَبِيل: التتبع، الدعم، التعبئة، التأطير، النهوض بالمستويين التعليمي والسلوكي، احترام الاختصاصات، الانفتاح على الوسط، المساهمة في التنوير (خلق أنشطة ثقافية متنوعة داخل حَرَم المؤسسات) بمشاركة أطراف مختلفة، وبالأخص، الطرف المعني بالأمر وهو المُتَمدرس/التلميذ نفسه.

 السؤال الخامس: لماذا يتم تغليب الاهتمام بالجانب المعرفي المهني والتقني المرتبط بالدخل في تنشئة الأجيال ببلادنا على هاجس تثقيفهم وتكوينهم الفكري؟
كل تنشئة اجتماعية هي اهتمام بالنُّظم الاجتماعية التي من شأنها أن تحول الفرد/الإنسان من مادة خام، إلى عضو اجتماعي قادر على التفاعل والاندماج، وهي بالتالي تدريب على أدوار مستقبلية، لا تخفي ضمنها أعرافا وتقاليد وقيم المجتمع السائد.
هي إذن تعليم وتعلم، يعني تفاعل اجتماعي بناء. وهذه العملية المستمرة عبر الأجيال والتراكم من أهم وأعقد العمليات المجتمعية، لأن عبرها يتم ضبط سلوكات الكائن المجتمعي، كما يتم استثمارها في تشكيل الشخصية.
من كل هذا، ومن منظور تربوي سليم، وبالنظر للخصوصية المجتمعية المغربية، فهاجس التكوين في تنشئة الأجيال لدينا، ينبغي أن يربط بين المعرفي الفكري، وبين المهني التقني، بالنظر للمستجدات الاقتصادية المحلية، والتي هي أصلا تابعة للمنظومة الاقتصادية العالمية، يعني أنها غير سيادية، ولا قارة، قادرة على مواجهة التحديات.
لا بد من الربط في هذا السياق بين كل الحقول التي يفترض فيها أن تشكل رافعة لنهضة وطنية ما، وعدم الاقتصار على توجه واحد ووحيد، فنحن دولة تابعة اقتصاديا، ولا تفرض موقعها كقوة مستقلة.

السؤال السادس: إذا كتب للاقتصاد الوطني أن يكون مرحليا تابعا للخارج في سياق دولي يفرض ذلك، فلا بد أن تكون للدولة والمجتمع نظرة استراتيجية لتحقيق الموقع المؤثر دوليا مستقبلا. وهنا أطلب منك تصورك في شأن مثابرة جهود الأسرة والمدرسة لتكوين رجال الغد، خبراء في مجالات مختلفة ومبدعين ثقافيا وفنيا، وبالتالي تيسير مرور المغرب إلى مصاف المجتمعات الحداثية المتقدمة في أجل معقول؟
لا بد من الاهتمام بالمدرسة العمومية، ولا بد من تحيين أدوارها التاريخية ومشاريعها وبرامجها التربوية الطامحة والهادفة. على أن للساهرين على تدبير الشأن التعليمي (الوزارة الوصية، المجالس والإدارات والمصالح المُعَيَّنَة في هذا الاختصاص) دور في كل الانتكاسات القوية التي يعرفها الواقع التربوي بالمغرب. فلا حاجة لي في التذكير بتوصيات المناظرات الوطنية المتعددة التي انعقدت لهذا الغرض، والتي وإنْ راهنت على الإصلاح، إلا أنها فشلت في تنزيل كل الخلاصات وظلت حبرا على ورق. كما أنني لست بحاجة إلى التذكير بنداءات وبيانات وبلاغات النقابات الوطنية التقدمية المهتمة بالشأن، أو بطُروحات الأحزاب السياسية الوطنية ذات الغيرة الحقيقية على الهم التربوي ببلادنا، أو بمبادرات الجمعيات الثقافية التقدمية المتنورة في هذا الشأن، والتي سعت في مجملها إلى استنهاض الفعل القمين بالإصلاح السليم والقويم، مع دق نواقيس الخطر على الواقع المُخْجِل، الذي أوْصَل البلادَ إلى « سَكْتَتِهِ القلبية « وصدمته المروعة، تلك التي نؤكد من هذا المنبر أن أسبابها لا تزال قائمة وستظل كذلك ما لم تُرَدَّ للمدرسة اعتباراتها (وعبرَها للتلميذ)، ولأدوارها التاريخية … لأنها مفتاح كل نجاح، ومستقبل حداثي تقدمي ديمقراطي مشرق. فتكوين جيل الغد، القادر على رفع التحديات مرتبط بالمدرسة/المؤسسة المواطِنة، التي تربي من خلال مناهجها وأطرها وإدارتها ووزارتها وجمعياتها ومؤلفاتها، ومشاريعها، على التشبع بقيم الديمقراطية والفكر المنفتح العقلي والعقلاني، وليس الرجعي الماضوي، الارتكاسي والانتكاسي.
إنها المدرسة، مؤسسة الإنتاج الوحيدة فوق تراب هذا الوطن، التي سيكون بمقدورها إنجاز الخطوات العملاقة، والتي لها إمكانية تفريخ العقول القادرة على تحطيم الصنم، وعبادة الماضي وتحنيطه… تلك هي الوسيلة الفُضلَى للإفلات من ربقة الانحطاط والرجعية. وما لم يتم الاهتمام بهذا المَشتلِ الحقيقي فسنظل نلهث وراء سرابٍ، سيُعْيينا وسَيَشُلُّ حركاتِنا المستقبلية، ولن تقوم لنا القائمة !!
بكل صراحة، هذه خلاصة تجربة ميدانية نَيَّفَتْ على عقودٍ ثلاثةٍ، ولا أظُنُّنِي أبْغِي شرّاً بِوَطني، إنْ هو إلا حبٌّ لتُربته ولخيراته التي أضاعَها النهبُ المسترسَل، والريعُ المُسْتَشري، والاستغلال الفاحش والاستبلاد للعقلية الثرية … وغيرُ ذلك، سيبقى تَنْظيرُنا لغْطاً وصيحةً في وادٍ !!

السؤال الأخير : هل من كلمة أخيرة؟
قبل الختم، أودُّ بدايةً أن أشكرك على مبادرتك لعقد هذا اللقاء، ووفرت لي فضاءَ لإنجاز هذه الدردشة الصادقة، والتي أخالُني أقْصيتُ عنها لغةَ الخشب. إذ حاولتُ أن أُقارب الأسئلة موضوعَ النقاش، بكثير من الحيادية، بعيدا عن المُزايدات التي لا طائل منها لاعتبار الهدف المرجو من الحوار. فشكرا لك وللمنابر الإعلامية الناشرة.
أما كلمتي هنا، فبالنظر لاهتماماتي الأدبية المتنوعة، إلى الجانب المِهْني، وخصوصا منها ما له علاقة بالشعر، والرواية والإبداع بشكل عام، فإني أُلح على ضرورة تربية الناشئة في مؤسساتنا التعليمية-التربوية على تنمية الذائقة الشعرية، وفَتحِ آفاق التفكير والخَلق ومُمارسة السؤال والتعرُّفِ على حُرقتهِ. وذلك من خلال التمرُّن الدائم والمُستمر والمُتعدد على فِعل «القراءة» (دورُ المَكتباتِ المدرسية الداخلية هنا، مع تفعيلِ المكتباتِ الصَّفِّيَّة)؛ مع الانفتاح على مجالات الفنون جميعِها بِما رَحُبتْ (مسرح، تشكيل، موسيقى، رقص…) وذلك منذ فترة التعليم الأولي، لأن الفعلَ بمثابَةِ بوابةٍ لنُضج وإنضاج الفعل النقدي لدى المُتمدرس، كما يساهم في بلورة الرؤية المغايرة، واكتشاف المَغاور النفسية والسيكولوجية الدفينة والإفراج عن المشاعر دون قيد أو شرط (إخراجُها إلى العَلَن).
هذه الصنائعُ كفيلةٌ بِهدْم جُسور الغَيْبيَّات والتفكير الأُحادي الأخرق. وأنا هنا لا أتحدث من فراغ، بل من مُنطَلق تجربةٍ مِهْنِيةٍ شخصية، امتدتْ لسبعِ سنواتٍ بديار المهجر في فرنسا أثناء تدريسي بها لمادة اللغة العربية، إذْ وقفتُ على الأمر بشكل مباشر وعَيْنِيٍّ؛ وتأكَّدَ لي، أن دفعَ المُتعلم إلى الابتكار والخَلق وطرح السؤال وإقْصاء الجاهزِ والوُصول إلى النتيجة عبر المُقايَسة والملاحظة والاستقراء وإعمالِ الفِكر، وكذا عبر مُغامرة العقل والمَحْوِ، هي الضامنُ الوحيدُ لخلق جيلٍ قادرٍ على العَطاء والسير بالوطن نحوَ الرُّقي والازدهار المأمولَيْن. وأقولُها صراحةً: يَكفينَا إهْداراً وإضاعَةً للزمن المغربيِّ الحقيق.

خلاصة:

بعد الإنصات بإمعان للأديب ورجل التعليم جواد المومني، وما تطرق إليه من نقط هامة ومفيدة جدا، أرى في اعتقادي أن منطق الفعل لن يستوي بأدائه ومردوديته إلا في الحالة التي يتحول فيها انشغال تربية وتعليم وتثقيف الأجيال إلى مشروع تشاركي وطني دائم. كما تبين أن عدم الانشغال الفوري بآفة تفاقم الهوة في التأثير والتفاعل البناء بين فعالية النخبة في مختلف المستويات الترابية والمجتمع، وعدم الوعي بضرورة تقوية امتدادها يوميا عبر مؤسسات التنشئة (الأسرة والمدرسة والمكتبات ودور الشباب والثقافة والمنشآت الفنية والرياضية والمتاحف وفضاءات الترفيه المختلفة ….) لتشمل الأجيال الصاعدة وآبائهم وأمهاتهم وأوليائهم، لن ينتج عنهما إلا الانكسار والانقسام الاجتماعيين. إن بلورة الأرضيات المعرفية في هذا المجال من طرف النخب، بشراكة مؤسساتية، والسعي من خلال ذلك لتعميم التفاعل الشمولي التربوي والتثقيفي والفني والرياضي مع كافة أطفال وشباب هذا الوطن، يعتبر اليوم من أولوية الأولويات.
من ناحية أخرى، لا تعاني البلاد، دولة ومجتمعا، من أي نقص في الأفكار والكفاءات، ولا في حجم ترسانتها القانونية، بل تعاني من الهوة الواسعة بين مضمون الاقتراحات والبرامج والمخططات ونجاعة تفعيلها. فالجهد التفكيري وصياغة الأرضيات المعرفية وترجمتها إلى برامج مؤسساتية يبقى بعيدا كل البعد عن النتائج المنتظرة ووقعها المأمول ما لم يتم اعتماد ثقافة المشروع في البلورة والتنفيذ، بآلياتها المعرفية، ووسائلها المادية والبشرية ومنهجيتها التقييمية المستمرة. مثلا، يمكن أن نعمم جمعيات آباء وأمهات وأوليات التلاميذ بمختلف المؤسسات التعليمية والتربوية، لكن من المفترض أن يكون الانشغال وراء ذلك يسيطر عليه منطق الاسترزاق أو الارتقاء الاجتماعي أو الهاجس الأمني الذي تنجذب إليه الإدارة التربوية لتسهيل عملها اليومي وتبسيطه. كما يمكن لفعاليات معينة أن تبدع في تلاقحها وتفاعلاتها الثقافية والمعرفية، لتبقى الاستفادة المعنوية محاطة بسياج النخبوية البعيدة كل البعد عن التأثير في الوعي المجتمعي الجماعي. في نفس الوقت، بالرغم مما تزخر به البلاد (الإدارة، والأحزاب السياسية والنقابية، والمنابر الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاعات الاقتصادية والفنية والثقافية، والمهن الحرة،…) من كفاءات فكرية ومعرفية وهندسية بخبراتها المتنوعة والمتكاملة، يضفي منطق التفاعل، بأوزاره الثقيلة، بانتقاء نخب غير مواتية، وتكريس وضع التنقيص من حدة الكفاءة والجدية والمسؤولية والشفافية في السياسات العمومية والخاصة وفي أداء الفضاءات الرسمية القيادية للتغيير والتطور.
إن حاجة الأطفال لتربية علمية وتعويدهم على القراءة للرفع من جودة منتجاتهم المعرفية وإبداعاتهم الفكرية والفنية والثقافية يبقى رهينا إلى حد بعيد بمدى توفر البلاد على إرادة جماعية تضمن قوة الترابط بين الإمكانيات والخبرات المتنوعة عند النخب الترابية ومؤسسات الدولة والمنظمات المجتمعية والإعلامية، قوة يتذوق من خلالها الطفل خلال مراحل تنشئته اللذة المستمرة للتأطير المعرفي والثقافي والفني في كل فضاءات تواجده، بما في ذلك الشارع.


الكاتب : الحسين بوخرطة

  

بتاريخ : 10/11/2020

//