الجسد المشتهى 44 : الجسد «خشْبة» عليها نسجت الروح ُ والسدى..

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ
كانت مصادفةً أَن أكونْ
ذَكَراً …
ومصادفةً أَن أَرى قمراً
شاحباً مثلَ ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات
ولم أَجتهدْ
كي أَجدْ
شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !
(محمود درويش)
كان مصادفة أن ولدنا في أجسادنا. الجسد غلافنا الذي يقدمنا إلى العالم بهويات يحددها المجتمع. كيف يتعامل الكاتب/ة مع هذا المجسم الإجباري الذي وُجد فيه؟ هل ساءل يوما علاقته به؟ هل يمكنه أن يختار التدخل فيه لتجميله أو تحويله؟
ثم إن الكاتب/ة، له قدرة اختيار الجسد الذي يكتبه، فيتحول الأمر إلى نوع
من المساكنة داخل هويات جنسية أخرى. هل يتدخل الكاتب/ة في هذا الاختيار؟ وهل يسمح للذات وهي تكتب أن تنزاح لستستقر داخل جسد مختلف عن جنسه؟

 

 

علاقتي بجسدي يحكمها إيماني النسبي أنني مهما رممت واهتممت بتضاريسه– وحتى إذا سلمنا بأن الجسد كتاب مسطور، ولغة صريحة بليغة– فلن يكون ذلك أكثر مما ينعكس على صفحته مما يمور في تجاويفه الداخلية في كل حالاته السلبية والايجابية.
بتساؤل وجودي قلق، لا أدري إن كنت)أنا (أم هذا الجسد من يورطني في حكاية الحياة هذه، وسرها الغامض. فحياتي وكل الحيوات محصورة بين صرختين: صرخة مني حيث الانزلاق والانسياب الأول (كسمكة رشيقة، أو كبغل حرّون لست ادري). وصرخة منهم عليّ، يوم العودة الأبدية. وحيث إن كل صرخة احتجاج، فصراخي وارد ومقبول، وصراخهم لغو شارد مخبول وغير مقبول .هذا الجسد أكيد نظفوه يومها دون إرادة مني طبعا، وغسلوه، وهم أيضا في نهاية المطاف من سيغسّلونه وينظفونه. وبما أن الغسل والتّغسيل والتطهير يختلف تماما عما هو عليه بين المحطة الأولى (الولادة) والثانية (الموت) فحريّ بي أن تكون لي بين هذا وذاك فرصتي وطريقتي الخاصة للتطهّر والتطهير والكاتارسيس كالإفراط في الكتابة، والتخشّع في محراب الإبداع، للتخلص من كل الشوائب والعوالق إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، وأصل بين أيديهم مرة أخرى ليقترفوا فيه ما شاء لهم أن يفعلوا.
تقول أمي الجسد (خشْبة) وعليها نسجت، وحولها التفت ، كما المِنسج، الروح ُ والسدى واللحمةُ وأشياء وأشياء…. كما جاء على لسان فرغاس يوسا على ما أعتقد، أن “الجسد سرير الموت” وأضيف على ما قاله، وهو مبتدى الروح ومنتهاها.وهو مزهرية لها بالتأكيد علاقة شفيفة بكل ما حوت. تتفاعل في قعرها أسرار ومكونات وأشياء أخرى ليست من صلب موضوعنا هذا . فهو أمانة لدينا نتعهّده بالتطهير من الداخل والخارج ما استطعنا لذلك سبيلا. وكلما جددنا في صقله كلما ازداد توهجا وبريقا، كما مصباح علاء الدين، إذ لنا فيه مآرب عديدة. أليس في رقصه سحر ولغة وبيان وتبيين ؟ ألم يرقص زوربا الحكيم ؟ ولم رقص الحكيم أصلا ؟ أليس في عريه فتنة وافتتان ؟ وانبهار ؟، ما علينا إن كانت دواخله خرابا وحطاما. أليس هو الذي يقشعرّ ملسوعا بصعقة الحب والجوى؟ أليس هو من ينهار مكتئبا بعضة الجور والألم؟
في كثير من نصوصي القصصية استعرت ضمير المؤنث، وشيدتها كنصوص خُنْثى، وبالرغم من اقتناعي بما أوتيت من براعة التقمص، والسرد بضمير الأنثى خاصة، فقد تلقيت العديد من الآراء التي أجمعت كلها على أنني جازفت في ذلك، ولن أكون أبدا صادقا في التعبير عن مشاعر وأحاسيس المرأة لما لها من خصوصية. ولما ارتأيت أن أقلب عليهم الطاولة، لم أجد من جريرة أدافع بها عن نصوصي سوى ، وماذا يكون الإبداع إذا لم يكن غير هذه المجازفة والمخاطرة والمغامرة؟.
فعلا شكل موضوع الجسد على مدى العصور والأزمان بؤرة للنقاش والتداول الفلسفي لدى المفكرين، ومجالا خصبا شاسعا للمبدعين /الشعراء والحالمين باللذة والاشتهاء والجمال. منهم من نسج فيه القصائد ودبج أحلى كلام .وبسببه، ومن أجله أُهرق المداد، ومن أجل الجسد سالت دماء أجساد ، منهم الملوك والنبلاء والأمراء والعشاق المجانين .لذا يبقى هذا الجسد طافح بالأسرار والحجب، ومازال وسيبقى هكذا على ما هو عليه من الغموض والتستّر والتواري منذ بدء الخليقة ، ولنا في ورق الجنّة آية.
كاتب – المغرب


الكاتب : إعداد: فاطمة الزهراء الرغيوي

  

بتاريخ : 28/08/2020

أخبار مرتبطة

سيبحر معنا القارئ من خلال هاته الحلقات في ملفات تتسم بالرعب جراء أفعال إجرامية قام بها متهمون أدانهم القضاء نهائيا

يتحصل مما أسلفناه أنه بتثميننا لهذا التوجه إنما نؤشر إلى محاولات لتنشيط المخيال تعمل على زحزحة الحدث التاريخي بناء للحدث

بطاقة: الدكتور صادق جلال العظيم (مواليد دمشق، 1934) واحد من أهم المثقفين السوريين في القرن العشرين والسنوات المنقضية من هذا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//