السمة الغرائبية في قصص «طارق الذي لم يفتح الأندلس» لمصطفى المسناوي

لمجموعة مصطفى المسناوي القصصية « طارق الذي لم يفتح الأندلس» (*) قيمة تاريخية تتحدد في امتلاكها لبداية سلطة إبداعية خولت لها موقعا رياديا، يرتهن لحقبة سبعينيات القرن الماضي لما ابتكرته من أنماط سردية تجريبية بوأتها سبقا يؤسس لإرهاصات أشكال قصصية موسومة بالفرادة والتجديد.
فالنصوص الأحد عشر التي تتضمنها دفتل المجموعة كتبت بين 1972 و 1978 مع تدوين اسم مدينة الدار البيضاء في آخر نص أي أنها تجسيد لحقبة الكتابة القصصية في سبعينيات القرن الماضي بحمولاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية… المطبوعة بحدة أشكال صراعات دشنت لتنامي إواليات وعي وجودي وثقافي داخل أوساط الفئة المتنورة ( الإنتلجنسيا )، مما عرضها لأساليب تضييق وإجهاز على تصوراتها الطامحة لتغيير صادر عن رؤى متعددة المرجعيات والمشارب، توجت بالزج برموزها في أقبية الزنازين وأصقاع المنافي.
فمصطفى المسناوي إلى جانب تناوله لواقع فئات تعاني من الفقر والعوز عبر جنس القصة من خلال تصوير مظاهر من واقعها المزري البئيس : « خرجت إلى دكان الحاج (م) حيث اشتريت ربطة نعناع ،ريالي شاي، ثمانية ريالات سكر، محراشة وعلبة سردين» ص:21. تفاصيل صغيرة تجسد وقائع عيش يومي موسوم بالبساطة في حدودها الدنيا ، والضنك في أبرز تجلياته لواقع حياة مزرية تتخبط في أدرانها فئات عريضة لأسر أنهكها العوز، وأضنتها متطلبات عيش قاس ومكلف . تفاصيل تتحول عبرنمو الأحداث وتطور سيرورتها إلى تصوير مظاهر أعم وأشمل : «كانت أزقة المدينة القديمة ملأى بالمتسولين واللصوص والمومسات والباعة المتجولين والمقامرين والمهربين وبائعي الكيف» ص: 18. عرض وتصوير ما يفتأ أن يتحول إلى منحى بنفس نقدي يكشف اختلالات المجتمع ، ويرصد هناته: « فكرت في أبناء الفلاحين … الذين لا يجدون مكانا لهم الآن إلا خلف البهائم، وحين يكبرون يكتشفون الحياة التي تقسو يوما بعد يوم فيهاجرون بحثا عن أماكن لهم في هوامش المدن أو في مناجم الفحم البعيدة النائية» ص: 88 التي تأخذ أشكالا قيمية تجسد الجشع في أبشع تمظهراته :» تبعه السائق بخطى متخاذلة ومن جيبه رأيته يخرج ورقتين ملو نتين ويقترب منه ثم يدسهما في يده. ودون أن ينظر الدركي إليه شرع يتكلم ويضحك بصوت مرتفع مع زميله» ص: 90 . منحى نقدي يؤكد ما آل إليه الوضع الأخلاقي من ترد نخر كيان الحياة في جل مظاهرها وقيمها، وساهم في تصدع الآليات المنظمة لسير الشأن العام في جل مناحيه وصوره، بل تغلغل بشكل واسع داخل مختلف الفئات والشرائح: « وقد حدثني الحاج (م) طويلا على غير عادته عن هذا الزمان الذي تغير كثيرا عن الزمان القديم فأصبح عاديا خروج البنات إلى الأزقة عاريات دون حياء أوحشمة، وأصبح الأطفال يسبون الدين علانية في الأزقة» ص: 21 حيث تتمظهر مفارقة جلية بين زمانين : قديم يقوم على علائق تتسم بنبل الشيم وشرف الخصال، وحديث ميزته انحلال الأخلاق وترديها.
وتتميز المجموعة ب»ثيمات» واقعية تتغيا الكشف عما ينخر المجتمع من أوصاب، وما يعمه من انحرافات ذات امتدادات قيمية واجتماعية وفكرية… من خلال تفاوت مستوى الشخوص وتموقعاتهم داخل بنية محيطهم، موزعين بين نادل المقهى وماسح الأحذية وكاتب قصة ( القاص ابن عمة أحمد السعداوي ) إلى طارق بن زياد وموسى بن نصير ولوذريق… حيث يحضر التاريخ بأثالته وشموخه بذكر أماكن من قبيل : قرطبة ، زية ،طليطلة ،وفاس التي خلع عليها أوصافا رومانسية تارة :» فاس يا جلول أغنية أمازيغية تصعد أصواتا متوحدة من وديان خضراء شاسعة ينتشر فيها ضباب الصباح ، وتجمع أحزان العالم» ص: 87 وتطويقها بأسئلة تاريخية طورا: « لماذا بنيت مدينة فاس؟ لأجل أن يبنى جامع القرويين … ولأجل أن يطوقها جند الحماية سنة 1912 « ص: 89 .
فإلى جانب البناء السردي بمكوناته المعروفة من أحداث وشخوص المتماهية والمتصالبة في المتح من مشهديات واقع مأزوم، وأوضاع متردية، هناك توظيف لغرائبية أضفت على نصوص المجموعة ميزة إبداعية اعتبارا للحقبة التي صدرت فيها( سبعينيات القرن الماضي) هدمت معه الهوة بين شخصيات تاريخية مثقلة ابالأمجاد والبطولات ومرحلة حديثة : « طلب موسى بن نصير من الخدم أن يحضروا زجاجات الكوكاكولا والبلاك أندوايت» ص : 15 إلى ماسح الأحذية : « فتح العلبة وغمس فيها طرف الفرشاة ثم حملها إلى وجهي . أخذ يمررها عليه بدراية وإتقان» ص : 7، والنادل الذي يطلب من زبناء المقهى مقابلا تعجيزيا : « هذا جنون .. كيف يكون ثمن كأس من القهوة رأسي ؟؟»ص : 9. طابع تعددت تجلياته في الكثير من المشهديات: « استيقظت حروف الكتاب. وللتو أخذت تتساقط فوق المائدة . تجمعت كلها واستحالت إلى نقطة مداد كبيرة» ص: 5 ، وشخص عبد يغوث الحارتي في مشهد عجيب وغير مألوف : «جرى عبد يغوث الحارتي حاملا رأسه المقطوع القاطر بالدم تحت إبطه» ص: 51.
وقد توزعت لغة المجموعة بين مستوى راق من الوصف والتشبيه : « خرج الظلام من مخبئه نسرا كبيرا غطى بجناحيه كل شيء…ذات الشعر الذهبي المنسدل والعينين الناعستين» ص: 33، ولغة دارجة استدعتها سيرورة الأحداث ، وإيقاع انزياحاتها وتبدلاتها: « عافاك آسيدي…أنا مزاوك فيك» ص: 26.
لا يمكننا إغفال تداخل أحداث تاريخية في صيغة صادرة عن رؤية غنية بإحالاتها المتشعبة ، وآفاقها الحبلى بزخم من مفارقات ومتغيرات: «همس : أسد علي وفي 5 يونيو نعامة»ص: 54 باستحضار زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وما يجلله من أحداث مفعمة بالإثارة والرهبة مقرونة بهزيمة 5 حزيران سنة 1967 بمخلفاتها المريرة ، وانتكاساتها العميقة بتحوير للبيت الشعري : أسد علي وفي الحروب نعامة ربذاء تجفل من صفير الصافر . تحوير ينخرط في الصيغة الغرائبية التي ميزت نصوص كثيرة داخل المجموعة وما أفرزه من انزياحات بأبعاد إبداعية تخييلية حولت طارق بن زياد بهالاته البطولية إلى شخص لا تثنيه حياة الفقر والعوز داخل كوخ/براكة من امتشاق حلم باذخ يعج بالبطولات والفتوحات: « انتحى ركنا من أركان البراكة..رتب جنوده المصنوعين من نوى التمر وأعقاب السجائر « ص:11 ، تحولت ملحمة فتح الأندلس إلى حكاية لا تخلو من تفاصيل مؤامرة مدبرة ، وتواطؤ مبيت: « يسعدني إخباركم بأن ما تحاربون من أجله الآن ، أي تحرير الأندلس من الطغاة والكافرين، قد تم اتفاق بشأنه مع الحاكم الأريب لوذريق، وعلى هذا نطلب منكم إيقاف الفتوحات والعودة إلى البلاد» ص: 13 ، رسالة موسى بن نصير أربكت حسابات طارق بن زياد ، وأجهضت نشوة انتصاراته المظفرة ،وبطولاته الرائدة مما زج به في حالة انكفاء ونكوص: « رفع طارق رجله عاليا وركل بها النوى وأعقاب السجائر، ثم خبأ رأسه بين كفيه وغرق في نشيج حاد» ص: 15.
وإذا كانت الغرائبية هي السمة البارزة في قصص المجموعة، فإنها لا تخلو من سمات أخرى تثري متنها القصصي وتشرعه على آفاق أكثر عمقا ورحابة ، كالجانب الديني : « لا ينبغي أن تكفر بالله ،فالإنسان ليس مجرد آلة بل هو روح أصلا» ص: 92 ، نزعة ما تفتأ تتطور وتسمو عبر مقامات بنفس صوفي تجسد نظرية الحلول عند المتصوفة :» فالإنسان ينتقل من جسد إلى جسد، وما موته إلافترة يستريح خلالها في جسد آخر» ص : 19 ، والمعرفي بما يستلزمه من عدة قوامها البحث المدجج بشغف الأسئلة في كنه الكون ، وأعماق الوجود: « ما من شيء خاف وأن المرء يوجد دائما على أعتاب المعرفة» ص: 74 ، مما يحدو به لاستحضار بعض أعلام الفكر والفلسفة : « تذكرت عددا من الحكماء والفلاسفة» ص: 75 ، وأيضا أساطين الموسيقى العظام : « لو كان بتهوفن لكتب مائة سمفونية» ص: 76.
الخلاصة أن قصص مصطفى المسناوي في مجموعته الرائدة « طارق الذي لم يفتح الأندلس» منجز بسمات جديدة تؤسس لكتابة قصصية فارقة بمكوناتها الإبداعية وأبعادها الجمالية.

*»طارق الذي لم يفتح الأندلس»: قصص لمصطفى المسناوي – المؤسسة العربية للدراسات والنشرــ بيروت


الكاتب : عبد النبي بزاز

  

بتاريخ : 25/09/2020

//