«الشعر والفلسفة: حوارية الجوار»

إدريس كثير ، فاطمة الزهراء و راح وعبدالصمد الكباص
يستقصون علاقة جوار يستشرف اللانهائي

 

واصلت دار الشعر بمراكش، من خلال ندوة»الشعر والفلسفة: حوارية الجوار» يوم الجمعة 26 فبراير ، استقصاء الخطاب الشعري استكمالا لسلسلة الندوات التي برمجتها الدار، خلال مواسمها السابقة: الشعر والترجمة، الشعر وأسئلة الهوية، مسرحة القصيدة، الدرس الافتتاحي «الشعر والمشترك الإنساني»، «الشعر وأسئلة التلقي»، «الشعر وأسئلة التحولات»، «الشعر وأسئلة التوثيق والرقمنة»، «النقد الشعري في المغرب»، «وظيفة الشاعر اليوم»،(…) «. وقد عرفت الندوة مشاركة النقاد والباحثين: إدريس كثير وعبدالصمد الكباص، والطالبة الباحثة فاطمة الزهراء وراح..
سعت الندوة الى الوصول الى سمات ممكنة، وليس محددة، بين الخطابين الشعري والفلسفي. ونظرا لأن هذا الاستقراء، ليس لحظيا ولا يرتبط بالجدة في إثارة موضوعاته، بحكم أنه ظل ديدن العديد من المناظرات والأبحاث والكتابات، ارتأت الدار أن هناك حاجة اليوم، وعلى ضوء العديد من التحولات التي مست العالم، الى إثارة هذا النقاش الأولي لما فيه من حداثة الرؤى، ومحاولة الوصول الى أسئلة مركزية، تهم هذه «الحوارية التجاورية» والتي ظلت محكومة بمفارقات الأطاريح.
هناك حوار جوار دائم بين الشعر والفلسفة

اعتبر المفكر إدريس كثير أن عنوان الشعر والفلسفة قديم قدم الشعر، ولكن العنوان الفرعي، والتي اقترحته دار الشعر بمراكش «حوارية التجاور»، هو عنوان موفق إذ أن هناك حوارا جواريا دائما بين الشعر والفلسفة، منطلقا في مقاربته، من مقولة لهيدغر، والتي يشبه فيها الفلسفة والشعر بقمتين متقابلتين في عليائهما، لكل واحد منهما طريقه الخاص والمؤدي الى ماهيته، وبينهما حوار بين القمتين المجاورتين، تارة عن قرب وتارة من بعد. ليتساءل عن ماهية الشعر وماهية الفلسفة ليقدر بالتالي طبيعة الحوار بينهما، متوقفا الشعر عند عمق شعرية الشعر، ليوزع تساؤله لضربين، مستوى أدبي شعري ومستوى فلسفي.
في المستوى الأول، توقف الباحث عند التعاريف المعتادة والمعروفة (كالشعر كلام موزون مقفى..الخ)، هذا الكلام الشعري الذي يخضع للتفعيلة، وله قواعد وعلل وزحافات، وتطورت هذه العروضية الى الشعر الحر، فتغيرت القواعد، فتم التركيز على الإيقاع والصورة.. ثم ظهرت قصيدة النثر والهايكو والومضة في التأمل، فأبعدت التفعيلة كليا وتم التركيز على البلاغة وبديع الكلام، وأخذ الشاعر كامل حريته، مبقيا على جذر واحد هو اللغة، اللغة كأساس الشعر. أما التعريف الأدبي والتقني للفلسفة، بما هي تاريخ الفلسفة (هيغل)، والبحث عن الحقيقة بصورة مطلقة (أفلاطون)، والبحث عن الوجود بما حيث هو وجود (أرسطو). لكن هناك من يعرفها  بأنها تلخص في خصائصها: الفلسفة هي الشمولية، وهي النقد والمفهومية والتساؤل، بل وهناك من يعتبرها إبداع (دولوز)، فهي تبدع المفاهيم، فمع الكوجيطو نتذكر ديكارت، الدزاين هيدغر، العود الأبدي نيتشه، إن إبداع المفاهيم هو ما يميز الفلسفة، أما جذور اللغة، فهي لاعقلانية لكن مفاهيمها ذات طابع عقلاني تأملي.
وانتقل الباحث كثير الى المستوى الثاني الفلسفي أو الفكري، في تحديد ماهية الشعر والفلسفة، مؤكدا أنه لايمكن العثور على جماع هذه الخصائص في الشعرية، ولا في تلك المفاهيم المحايثة للفلسفة، بل يجب الغوص في المدى العميق، حيث تنجذب اللغة الشعرية والتي تستعمل لأول مرة، من أعماق الروح، من مسالب القلق من الإطلالة على المجهول، بلغة بسيطة تستعمل لأول مرة.

 

حيث تكون اللغة، يكون العالم.

ركزت الباحثة فاطمة الزهراء وراح في بداية ورقتها على تنويه منهجي مفاده أن الفلسفة والشعر موضوع شائك وقديم وحديث، لتتناوله من وجهة نظر ما عاشه العالم من عزلة كورونا، حيث أصبح الانسان يعيش حالة من التيه، تيه المستقبل الغامض والمجهول والراقص على أنغام الجوائح القادمة، على عجل وعلى إنسان هذا القرن. لتتساءل هل مهمة الشاعر اليوم أن يبدع في نقل كل جزئيات عزلة كورونا ويعبر عن فداحة اللحظة، اللحظة الآنية لحظة التعبير عن لحظة الاضطراب النفسي والخوف من الموت والنهاية؟؟ في وقت ادعت فيه قواه العظمة، أو ظنت في لحظة عنجهية أنها عظيمة، وقفت عاجزة أمام فيروس، أم هو إعجاز مرتبط بإعادة التوازن لأمنا الأرض؟؟
الإشكالية التي حاولت الباحثة استقصائها، من خلال مداخلتها، ترتبط بالشعر وانفتاح الذات على الممكن، من خلال العلاقة التأسيسية بين سؤال الشعر وسؤال الوجود باعتبارهما متعالقين ومتواشجين. ذلك أن الفهم الشعري للوجود، يتجاوز المقولات المنطقية وحدود العقل المتناهي، إن الشعر هو الوجود نفسه، إن ما نعيشه اليوم يجعلنا في أمس الحاجة لإعطاء معنى وجودنا. هذا المعنى لا يمكن أن يتشكل إلا من خلال الشعر، بات الإنسان يفتقر الى كل تعالي، وماعاد في استطاعته الوصول الى ما هو أساسي.
وفي ظل هيمنة العلم والمنطق، العلم يوجب المعرفة ويوجب الفهم والاستيعاب لكننا لم نفهم شيئا، تشير الباحثة وراح، إذ أن ما أحدثه العصر على مستوى ماهية الإنسان وشيئية الشيء، يدفع الإنسانية الى إدراك الخطر. وهو الإدراك لا يمكن أن يتم بفعل العلم، العلم لا يفكر (هيدغر)، الكلمة باستخدامها العلمي لا يمكن أن تؤدي وتكشف حقيقة الإنسان والوجود تفتش عن الموجود القابل للحصر، لهذا، ينبغي العودة الى مضمون الكلمة ودلالتها الشعرية، كما استعملتها النصوص الاغريقية، والتي كانت مقتطفات من الأشعار.
وأضافت الباحثة أن حقيقة الإنسان والوجود، تدفع باتجاه الرجوع الى الكلمة في مضمونها ودلالتها الشعرية. الشعر نفس الحياة والروح التي توقظ الضمير الإنساني، تفسير الواقع ومن تم تغييره، مشيرة أن منبع الشعر هو ما يمكن أن يقيمه الشاعر من حوار مع العالم والوجود واللغة، والحقيقة كانكشاف، تتناظر فيه الألفاظ، والمطلوب مطلوب من الشاعر، اليوم، إعادة خلق الواقع، فاللغة تجاوز وخلق والخطاب الشعري هو صوت الوجود، فحيث تكون اللغة، يكون العالم.

الشعر والفلسفة.. نزوع دائم لتخطي الحدود

أشار الباحث عبدالصمد الكباص، في مفتتح مداخلته، الى انتماء الشعر والفلسفة إلى السؤال المحرج للإنسان باعتباره كائنا لا يناسب طبيعته. هذا الكائن المسكون بخيبة التمثيل، حيث أن من يمثل ليس سوى جزء صغير من حصيلة تمثيلاته، وحيث رغبته مقرونة بخيبة التوقع. إنه حالة إفراط، كينونة محكومة بسعيها إلى تمييز نفسها في كينونة أخرى، أي حالة مضاعفة تشتبك بقوى الخارج وتجعل منه تحيينا لهذا الكل الكبير الذي يعبره وهو الحياة. تقع الفلسفة والشعر، وفق منظور الباحث الكباص، في صلب هذه المضاعفة التي تدفع طبيعة هذا الكائن خارج بداهة الحاجة، أي كنزوع دائم لتعدي الحدود. وأضاف الكباص أن الأمر لايتعلق بالنسبة للفلسفة بما يتحرك داخل العنصر الميتافيزيقي لليقين، لأن الحصيلة  التاريخية لهذه التعددية التي تغذت منها الفلسفة، وماتزال ، كانت هي اختراق الفراغ التحتي الذي يسكن اليقين، لذلك فالفلسفة تنشئ مضاعفة جديدة للكينونة.
الكباص أشار أيضا إلى أن الفلسفة والشعر اليوم تعيشان، تحت نفس المصير الذي رسمته هيمنة التقنية، والتي لا تقبل إلا بما يمكن السيطرة عليه تقنيا. لذلك، فالسؤال الأساسي، بالنسبة للفلسفة اليوم، لا يتعلق فقط بالشروط التي في ظلها يمكن أن تتطابق مع مصيرها، بل بالاقتدارات التي تستهدفها حالة المفهوم التي تسعى إلى تبليغ الكينونة إلى الكائن وجعل التواطؤات المترتبة عنها قابلة للقول والتفكر.  مثلما أن الشعر يظل مشدودا اليوم إلى  هذه الفاقة، التي لا تُحتمل، إلى كل ما لا يمكن تمثيله، مواجها هذا الإنكار الذي  تمعن فيه التقنية التي تكره كل ما لا يمكن السيطرة عليه. فيحمي بذلك الحق الأسمى في الغموض.
ويرى الكباص أنه من المستحيل أن تنخرط الفلسفة في تجربة المفهوم دون تحليق في التخييل، وأيضا لا المجاز ولا الاستعارة، يشكلان فارقا كبيرا في حدود الجغرافيا الفاصلة بين الفلسفي والشعري، فكلاهما يشتغلان على مجازات الوجود، وينسجان عالميهما من قوة الاستعارة، فالفلسفة والشعر يقومان بالمهمة القصوى في عمق الاستعارة، لأنهما يعودان إلى اللغة.
وخلص الكباص الى أن ما يستدركه الفيلسوف في المفهوم، وما يلاحقه الشاعر في القصيدة، ليس سوى ما يتيحه اللانهائي، هذه الفوضى المبهجة كما يصفه دولوز، من تعددية لانبثاق الحدث الذي يقف وراء كل طية جديدة مبتكرة في أي شيء. وهكذا تنحدر الفلسفة والشعر من ذات الخيبة المنتجة من الإنسانية المبدعة.


بتاريخ : 06/03/2021

//