الشيخوخة و مزايا الصمت والبطء والحنين

1 – يتقدَّم البشر في السِّن وتلحقهم عِلَلٌ لا قِبَل لهم بها، ترتبط في مجموعها بصوَّر الوَهَن، التي تصيب بِتَدَّرُّج مختلف أعضائهم. وإذا كان من المؤكد أن شيخوخة البشر عرفت وتعرف صورا مختلقة ومرتبطة  بأشكال تطوُّر المجتمعات والمعارف، وخاصة في المجالات ذات الصلة بالتطبيب والعلاج ونظام التغذية والعمل،  والمرتبطة كذلك بالتدبير المجتمعي والثقافي، حيث أصبحت بعض المجتمعات تتوفر اليوم، على مساكن خاصة بكبار السن، تُهَيَّأ لهم فيها مستلزمات العيش المناسبة لظروفهم الصحية، في زمن ارتفع فيه عدد الشيوخ مقارنةً مع أزمنة خَلَت، وانخرطوا في مرحلة من العمر يحضر فيها السقم والسأم والأمل،  كما يحضر الموت  مع الحياة..
تُوسَمُ علامات الشيخوخة بجملة من الأعراض المتصلة بأشكال الضّعف التي تلحق الإنسان، تصيب جسمه وعقله، وتنعكس على أحاسيسه ووجدانه، تُلْحِقُ به جملة من الأعراض، المتصلة بنمط حياته، وكيفيات تعامله مع نفسه ومع الآخرين، حيث تحضر في الشيخوخة ظاهرة يَقِلُّ حضورها في باقي مراحل العمر السابقة عليها.. يحضر الصمت كما يحضر الحنين، صحيح أن كثيراً من الشيوخ لا يتوقفون عن الكلام، وأن الحنين لا يقتصر على كبار السن، إلا أن  صمت الشيوخ يعكس في بعض جوانبه حكمةً ونضجاً نفتقدهما في مراحل العمر السابقة.. يحمل صمت الشيخوخة تعبيرات ومواقف، مرتبطة بما تعلمناه من تجارب الحياة وانفعالاتها، إنه صمت مليء بالأصوات الخافت منها والمُجَلْجِل.
يرتبط الحنين في الشيخوخة بالتَّذَكُّر وأحاسيس الفقدان، حيث تتوالى صوَّر الحنين الغائم والمختلط والنفيس، نَحِنُّ إلى الأهل والأصحاب الذين افتقدناهم، ونَحِنُّ إلى عادات اندثرت.. نَحِنُّ إلى أصوات وعادات وطقوس، نستعيد في غمرة الحنين أحاسيس تغمرنا بانفعالات تتراوح بين المُمتع والمُحزن، نستعيد الأول بِغبطةٍ وحُبور، ويحضر الثاني ليملأنا حسرةً وأسى. وأقوى ما في لحظات الحنين، أنها تجعلنا نستعيد صوَّراً يحضر فيها من نَحِنُّ إليهم، ليس بأطيافهم، بل يحضرون بالكامل والمُتحرِّك.. ويروقنا أحياناً حضور الطَّيْف، ونَسْعَدُ بملامسة المتحرِّك..
يأتي الحنين أحياناً مصحوباً بالخفقان، وأخرى يكون مصحوباً بدمعة ساخنة لا نتصوَّر إمكانية حصولها، وسط انفعالات الحنين بكل حمولتها الوجدانية، المتصلة بعمرٍ تَنْفَلِت سنواته منا، عُمرٍ لم نعد نمتلكه إلا في ذاكرةٍ جامعة لِسِجِلِّ من نَحِنُّ إليهم، ولا نتردَّد في استعادة حلقات من أرصدة العيش بينهم وفي أحضانهم، لحظات تمنحنا أحاسيس مريحة رغم وعينا بطابعها المأمول والمحمول على أجنحة شفافة ومُلونة..
2 – يتحدث البعض عن الشيخوخة باعتبارها مرحلة النضج والعقل، وأعتقد أن في هذا الحكم كثير من المبالغة، صحيح أن الشيوخ يستثمرون في هذه الفترة من العمر مُحَصِّلَةَ تجاربهم وما تعلَّموه في رحلة الحياة والعمل، بكل أشكال صعودها وصوَّر تراجُعها وانطفائها.. إلا أنه لا يمكن أن نصدر حكماً عاماً في وصف فترة من العمر، تحضر فيها أشكال من التحوُّل تستدعي العقل أحياناً، كما تستدعي الخوف، ولا يغيب عنها الحب والجنون. يحضر فيها النضج كما تحضر الصبوات والنزوات.. وما أجمل صبوات الشيخوخة حتى عندما تحضر كأحلام ومتمنيات.. فَلَرُبَّ خاطرةٍ عابرةٍ نَنْعَمُ فيها في ليالي الشيخوخة برحيق وشَهْدِ العسل، أفضل من نظرات سوداوية تُقلِّص من قدرة أجنحة الأحلام على الطيران..
لا أحد يعرف متى تبدأ الشيخوخة، لكن الجميع يحس باقترابها، وهناك علامات كثيرة تؤشر على موعد اقترابها، من قَبِيل التحولات المُرهِقة التي تصيب الجسم، حين تَضْعُف القدرة على السرعة والمبادرة، وينخرط الشيخ الناشئ فينا، في عمليات التأقلم مع جسم لم يَعُدْ يمتلك الكفاءات التفاعلية التي امتلك من قَبْل، مع ذاته ومع العالم، فتصبح ردود فعله مختلفة عن السابق..
ليس البطء في الشيخوخة اختياراً، قَدْرَ ما هو علامة من علامات الوَهَن الذي لحق الجسد، إنها تعبير يقترن أيضاً ببطء الصغار، وذلك رغم الفوارق بين بطء الأطفال وبطء الشيوخ، الأول يكون في إطار التجاوز بالقفز في اتجاه حركة أكثر سرعة وانتظاماً، والثاني ينتهي بالاقتناع بكفاية لا علاقة لها بالحركة التي ألفناها في الماضي.. البطء هنا اقتناع بسمات ومزايا مرحلة من مراحل العمر لا تشبه المراحل التي سبقتها، حالة عامة وخاصية ملازمة لسنوات التقدُّم في العمر، وهو لا يحضر في التفكير وفي التَّذَكُّر، ولا يحضر في المشي وحده، إنه يحضر في الكلام، في الوقوف وفي الجلوس، وأي إغفال لمبدأ المحافظة على البطء يترتب عنه السقوط.. السقوط أثناء اللباس بسبب حركة سريعة خطأ، والسقوط أثناء المشي.. كل الحركات اليومية المعتادة في حياة طبيعية نُصبح مطالبين فيها، بتركيز أكبر وبطء لا عهد لنا به. يختلف بطء الذهن عن بطء الجسد، ويبدأ بثقوب الذاكرة في الأسماء والأماكن والأشخاص، تضعف كفاءة التحليل والاستنتاج، وتستدعي بدورها قليلاً أو كثيراً من البطء، ويتطلب القيام بها وقتاً يفوق الزمن المعتاد.
3 – نعتقد أن الشيخوخة إحساس، إنها لا تقترن بسن محدَّدة، فكم من الشيوخ يتمتعون بمزايا الحيوية والشباب والإنتاج، وكم من الشباب يعانون من أمراض الشيخوخة والوَهَن، إنها حالة نفسية رغم ارتباطها بمكوِّنات مادية. ولهذا يصعب اعتماد سن معينة لتحديدها، وأغلب الذين يقبلون على الحياة ومتعها، لا يبقى لديهم وقت للتفكير في أحكام السن على الجسد وعلى الحياة.. فلكل مرحلة من مراحل العمر تحدِّياتُها وصعوباتها ومسراتها.
تتضح كثير من معالم الشيخوخة عندما نربط تحوُّلات العمر الإنساني، بالطقوس الاجتماعية والقوانين الإدارية، ومختلف الأعراف والممارسات السائدة في المجتمع، حيث يساهم ترتيب مراحل العمر في علاقته بالعمل وأنماطه، على سبيل المثال، ما يُبْرِز الفروق والاختلافات بين الشباب ولحظة الذِّرْوَة، ثم الشيخوخة بكل ما تحمله من سمات تجعلها تختلف عن باقي أطوار العمر الأخرى، تُكَمِّلُها وتمتلك مزاياها، ذلك أن كثيراً من المزايا التي يحملها الإنسان في شبابه، تظل جزءاً منه حتى في أَرْذَل العمر، يتقلَّص بعضها ويضعف البعض الآخر مع التقدُّم في العمر، إلا أنها تظل حاضرة بصوَّر مختلفة، وقد تبرز مزايا جديدة لم تكن حاضرة في مراحل العمر الأخرى، بحكم ما تتيحه لنا تجارب الحياة وسنواتها.. يختفي الجَرْي والهرولة وتَحُلُّ مَحَلَّهُما طريقة جديدة في المشي، يحضر البطء بكل مزاياه ونواقصه..
يُعَدِّدُ بعض الشيوخ مزايا الشيخوخة فيشير إلى أنه أصبح بعد بلوغه سن الثمانين، يتناول طعام فطوره بكثير من البطء والهدوء، فلا عمل يُلزمه بالسرعة، لقد أصبح الشيخ اليوم فقط، يتأمل مائدة الطعام، يتذوَّق طعم الخبز المُحَمَّص، ويتلمظ مُتلذِّذاً وهو يشرب كأس عصير البرتقال، يتوقف طويلاً مُنْتَشِياً وهو يشرب قهوته الأولى.. يستمع لأغاني الصباح في الراديو، ويتابع انتشار أشعة الشمس في بعض زوايا بيته، ثم يقرأ عناوين الصحف، ويبدأ الاستعداد للخروج من البيت، للقيام بطقس المشي البطيء.. تَرِدُ في أحاديثه أوصاف تُشْعِر القارئ أنها تحدث لأول مرة، في حين أنها تشير إلى معطيات يومية مألوفة.. إنه اليوم يراها بأعين الشيخوخة.
4 – نستطيع أن نستعرض كثيراً من الاختلافات بين مراحل العمر، في دورة الزمان والأيام. وفي كيفيات التعامل مع متطلبات اليومي، وتحولات الجسد ومتغيرات الحياة.. حيث تتحول نظرتنا للعالم وأشيائه خلال مراحل العمر، تتغير نظرتنا للصباح والمساء والليل، للصحة والمرض، للغناء والرقص، للصمت والكلام.. كما تعرف علاقتنا بالحب والجنس أطواراً  أخرى، نحترم فيها مختلف التحولات الطارئة على أجسادنا وعضلاتنا وعظامنا، تتغير نظرتنا لرفيقة العمر وللأولاد والأحفاد.. ونتساءل أحياناً هل أصبحنا كائنات أخرى؟
تدعونا كل حلقة من حلقات الشيخوخة، إلى إعادة تكييف وتحيين نظرتنا لذواتنا وللآخرين، حيث نتكيَّف مع تقلُّص كفاءات الإبصار والنظر، وكفاءات السمع وخفقان القلب.. لا يعود الألم مخيفاً، ونتعلم غَضَّ الطَّرْف عن الأوجاع التي لا مَفَرَّ منها.. تختلف مواقفنا مِمَّا ذكرنا خلال مراحل العمر، نمتلك في كل مرحلة مزايا محدَّدة.. وتختفي مزايا حَصَّلْنَا في السابق بعض ثمارها. كما أن طقوس اليومي المُحَدَّدَة في الغذاء والدواء والنوم والضحك والكلام والبكاء والحزن، وكل الانفعالات  والأوضاع والطقوس التي نحيا بها، تمتلك سمات أخرى في هذا الطور من عمرنا..
يُدرك الشيوخ بأعيُن فاحصة أن الشمس تغيب في المساء لتُشرق في الصباح، قد لا يثير شروق الشمس لديهم في الصباح أحاسيس الشباب المنخرطين في العمل والإنتاج، حيث تستغرفهم متطلبات الحياة وتُثِقِل كواهلهم، ولكن الشيوخ الذين لم يَعُد بإمكانهم العمل أو تقاعدوا، يرون في أشعة الشمس في الصباح، أضواءً مُنيرة وكأنها تشرق لأول مرة أو تشرق اليوم فقط، فعندهم من الوقت والفراغ ما يتيح لهم معاينة أشعة الشمس وهي تنشر ضوءها، دفئها، وألوانها، وتتخذ مظاهر تستحق أن نلتفت إليها..
يُصبح الموت في الشيخوخة قريباً، ليس لأننا عشنا عقوداً من الزمن رُسِمَت آثارها في أجسامنا، وعكستها وجوهنا وطرق حركاتنا، بل لأننا نسمع بين الحين والآخر في هذه المرحلة من العمر بموت مُجَايِلِينا، وموت الأكبر والأصغر سِنّاً منا كذلك، فنُصبح أمام أخبار الموت المتلاحقة، ويصبح فقدان الأصدقاء والأحبة جزءاً من يومياتنا.. فنستأنس به ولا نعود ننتظره.. لم يَعُد يُخيفنا، تعوَّدنا على اسمه وآثاره، على الكلمات التي تُقَال حين حصوله، لقد أصبح قريباً، وفي الشيخوخة يتوقَّع الجميع حصوله، ويُعِدُّونَ العُدَّة المناسبة لاستقباله، وذلك بصورة تفوق ما يحصل في مراحل العمر الأخرى.


الكاتب : كمال عبد اللطيف

  

بتاريخ : 26/02/2021

//