الطلبة الأجانب بجامعات الغرب في مواجهة جائحة كورونا المستجد .. تعتمد عليهم لموازنة نظامها المالي

 

تعيش مدارس التعليم العالي الخاصة والجامعات الوطنية على حد سواء، في كل بقاع المعمور، متخوفة من تبعات الأزمة العالمية الوبائية على مصدر دخلها الأساسي، المتمثل في ما يصرفه الطلبة الأجانب بالخصوص، على رسوم التسجيل الدراسي لديها، ولا يختلف الأمر كثيرا، بالنسبة للتكوينات الدراسية في مجالي التجارة والموضة، فالأولى حذرة رغم نسب التسجيل الجيدة بها، والثانية متخوفة من الدخول المدرسي الصعب، بسبب الجائحة الوبائية وتداعياتها في فرنسا.
يعبر ثوماس فروهلشير، المدير العام ل”مدرسة التجارة رين” الخاصة، في مدينة رين الفرنسية، عن ارتياحه قائلا: ” إن الدخول الدراسي لهذه السنة محير ومتناقض. لقد كنا في انتظار وضعية صعبة، إلا أن الأمور أخيرا سارت بشكل جيد”، في أبريل الماضي، لم يخف قلقه، كسائر مدراء المدارس الخاصة بفرنسا، حيث أردف بالقول: “في هذه الفترة، نلاحظ تراجعا سريعا، من حيث دفع الرسوم الأولية للتعليم من قبل التلاميذ، لاسيما الأجانب منهم،
إن الغياب التدريجي، لهذه القيم المالية المهمة، سيؤدي بالمدارس الفرنسية الكبيرة، لمشاكل وأزمات مالية كبيرة، بيد أن صحتهم المالية الجيدة، تستند في الأساس إلى دفع الرسوم التعليمية، التي تبلغ عادة 12 ألف أورو في السنة للطلبة غير الأوروبيين”، معقبا بالقول: “في الأخير، لاحظنا قفزة كبيرة في شهري يونيو ويوليوز، أما الآن، نسجل نموا متزايدا لعدد الملفات المطروحة لدينا”.
من الملاحظ اشتراك جميع المدارس الفرنسية الكبيرة في نفس المشكلة، المتعلقة بالأساس بأثر الأزمة الوبائية الدولية على دخولهم المحدود نسبيا، تعقب المديرة العامة لمدرسة “نيوما بي-إس”، ديلفين مانسو: “نحن نمتلك أرقاما جيدة من حيث تسجيلات الطلبة بمدرستنا، غير أن غياب الطلبة عن المدرسة، يصعب من مهمة التأكد من صحة أرقامنا”، وهي التي مكنت الطلبة الأجانب، من دخول دراسي جديد في شهر يناير، بالنسبة لمن فوتوا فرصة الدخول في نهاية شتنبر “،35% من نسبة الطلبة الأجانب في مدرسة “إيديك” للتجارة قادمون من قرابة 110 جنسية مختلفة”.
إن غياب الطلبة، لاسيما الأجانب منهم وغير الأوروبيين، هو الموضوع الذي يزيد من قلق مدراء المدارس الفرنسية، طارحين سؤالا موحدا مفاده “هل سيتمكن الطلبة الأجانب من القدوم إلى المدارس الفرنسية؟”، سؤال يحمل شيئا من التفاؤل بالنسبة لمدراء المدارس الفرنسية، تقول ديلفين مانسو : “لقد تحركت الحكومة الفرنسية لإعادة إقلاع مسطرة التأشيرة بالنسبة للأجانب، لتعطي الضوء الأخضر للهنود، إلا أن الأمر غير مؤكد في حالة القادمين من أمريكا اللاتينية والصين”، بالنسبة للمدارس الفرنسية، التي تمتلك فروعا لها في الخارج، فالأمر يختلف بشكل جذري، فعلى سبيل المثال، توفر مدرسة “سكيما بي-اس”، بحسب ما ذكرته مديرتها آليس جيوم: “القدرة على متابعة الدراسة، في البلد الأم أو القريب لطلبتنا، في فروعنا في الصين والولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل”.
في باقي أرجاء العالم، استثمرت المدارس الفرنسية، جميع أموالها لإغناء العرض من الحصص الدراسية عن بعد، كما الحال بالنسبة لمدرسة “إيديك” للتجارة، في شخص مديرها إيمانويل ميتيس، الذي قال: “لقد أعدنا تعيين قاعاتنا، لتكون ملائمة من أجل التعليم عبر البث الرقمي”، عملية كلفت المدرسة بضعة ملايين من اليورو، غير أن الحصص الدراسية عن بعد لا تستهوي جميع الطلبة، لأن معظمهم يبحث عن التفاعل الطلابي داخل القاعات الدراسية، حيث تلقت العديد من المدارس الفرنسية، بعد فترة الحجر الصحي في البلاد، الكثير من طلبات التعويض من قبل الطلبة، الذين عبروا عن عدم رضاهم عن المستوى التدريسي عن بعد، كما أن عوارض الرفض قد أشعلت المنصات الرقمية، كل ذلك ذهب هباء، وينضاف إلى المواضيع التي تقلق الطلبة، ما يرتبط ب”فرص الشغل” و”الوظيفة”، حيث يقول المدير العام ل”إيسكا” جون شاروان: “في حالة تأزم التناوب الطلابي، سيصبح من الصعب جمع رسوم التدريس من قبل المدارس”، كما الحال بخصوص موضوع “التكوين المستمر”، حيث تصرح ديلفين مانسو: “لقد اضطرنا الأمر لتأجيل المناهج الدراسية إلى ربيع سنة 2021”.
لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للطلبة الأجانب، المنتسبين لمدارس الموضة في فرنسا، إذ تتأسف فاليري بيرداه ليفي مديرة معهد “مارانغوني” في باريس، قائلة: “ينتاب الصينيين عدم الارتياح من فكرة القدوم إلى فرنسا”، بالرغم من فروع المعهد في كل من ميلان وباريس ولندن وفلورنسا، إلا أنها على علم بأن الغالبية العظمى من التلاميذ لن تتمكن من القدوم، إذ تعقب بالقول: “المئات منهم قرروا عدم القدوم في الأخير”.
باعتبارها أيقونة للموضة والفن، تستقبل باريس ومدارسها الخاصة في مجملها، عادة، الكثير من الطلبة الأجانب خاصة الآسيويين، الذين فضلوا هذه السنة عدم القدوم إليها، أو تأجيل رحلتهم صوبها، و تعقب بالقول، “بالنسبة للهنود والبرازيليين، فإن الرحلات من وإلى باريس، أصبحت معقدة أكثر من ذي قبل، وذلك للإجراءات الصحية والتكاليف الاقتصادية”، بالنسبة للأستوديو “بيرسو”، الذي يقع في الدائرة العاشرة، فإن الدخول الدراسي يتسم بشيء من الصعوبة والتعقيد، و تصرح ماري روكي مديرة المدرسة منذ 49 سنة “لقد تخلى بضعة عشرات من الطلبة عن الالتحاق بالمدرسة هذه السنة، ولذلك لجئنا إلى التمويل الذاتي، كما أجبرنا عن الاستغناء عن خدمات إثنين من الأساتذة”.
لغياب الطلبة عن مدارسهم أثر كبير على مداخيل المدراس والمعاهد الفرنسية، فنفس ما تعيشه المدارس الأخرى ينطبق على المعهد الفرنسي للموضة (IFM)، الذي أسسه بيير بيرجي في 1986، والمندمج اليوم مع غرفة نقابة الأزياء الراقية في باريس، مسجلا هبوطا في عائداته بلغ 25% سنة 2020، ويتوقع انخفاضا بنسبة 10% في سنة 2021. خسائر تعود في الأساس إلى تراجع عائدات “التكوين المستمر”، وتوقف نشر الدراسات الاقتصادية.
من المصادفة، أن الطلبة الفرنسيين، يعيشون نفس المعضلة، إذ يصرح المدير العام ل”IFM” كزافيي روماتيت، بالقول: “لن نكون بصدد المعاناة، من تخلي ما بين 7% الى 15% من الأجانب عن دوراتهم التكوينية، إذ سنقوم بملء الأماكن الشاغرة بفرنسيين يقعون في لائحة الانتظار”، تعقب مديرة مجموعة “Lisaa”، السيدة آن بالاسكاين بتفاؤل: “لقد وفرنا نفقات تنظيم والإشراف على عروض الأزياء أثناء الحجر الصحي”. نفس الأمر بالنسبة للسيد نينو ساتورو، مدير مدرسة “ليس مود” ذات الفروع ال20 على مستوى 13 بلدا، الذي أكد بأن الدروس ستبقى مستمرة ولو عن بعد، بالرغم من عدم يقينه من كيفية تدريس التطريز والخياطة عبر البث المباشر.
في سياق آخر، تفتخر جامعة “Sciences Po” الفرنسية، وهي جامعة دولية مختصة في تلقين العلوم الاجتماعية، بأن أرقامها على الورق تعتبر أفضل من نظيراتها الجامعية الفرنسية، إذ تقول فانيسا شيرفر مديرة الشؤون الدولية في الجامعة، ” سنستقطب المزيد من الطلبة الأجانب، بخلاف الموسم الدراسي 2019-2020″، بالرغم من كون الحدود الجوية الخارجية مغلقة نسبيا، وذلك بسبب أثر الجائحة الوبائية على التعليم العالي بفرنسا.
وقررت جامعة “Sciences Po” الفرنسية، أن تخوض غمار مغامرة فتح أبوابها، للطلبة الأجانب بفرنسا، وتحديدا في سنة 1990 من قبل المدير السابق ريشارد ديكوينغز، فمن أصل 14 ألف تلميذ، الذين تضمهم الجامعة، 47% أجانب، حيث إن حقوق الدراسة لغير الأوروبيين لاتزال مرتفعة، إلا أن عدد الترشيحات الأجنبية قد زاد بنسبة 16%، وأن نسب طلب الالتحاق بالمدرسة الجامعية بلغت 7.5%، وبنسبة 19.3% لمستوى الماستر.
في نفس السياق، بلغت نسبة الطلبة الجامعيين الجدد، الذي دفعوا القسط الأول الدراسي بالجامعة قرابة 95 في المئة، بحسب المعطيات المستقاة من قبل الجامعة، فإن 68% من الطلبة المسجلين في الجامعة الدولية، لديهم الرغبة في القدوم للدراسة بها، مبررين قرارهم باطمئنانهم لسياسة الدراسة المزدوجة (ما بين الواقعي و الافتراضي)، غير أن البقية من المشاركين في الدراسة، قد عبروا عن عدم ارتياحهم من الدراسة عن بعد.
بالنسبة لمجموع الطلبة الأجانب، سواء منهم الجدد أو القدامى في جامعة “Sciences Po”، فقد اعترفوا بضرورة إعادة مراجعة رسوم وتكاليف الدراسة بالجامعة، من بينهم “جيوفروي” بدرجة الماستر والمنحدر من غرب إفريقيا، الذي اضطر لاقتراض مبلغ 14 ألفا و700 يورو، من أجل إتمام دراسته بها، معترفا بأن مواكبة الدروس عن بعد ليس ب”الأمر الهين”، بيد أنه اختار الجامعة لسبب معين وهو “لجانبها الإنساني والحياة الجامعية”.
لا يختلف الأمر بالنسبة للأمريكية لورين، التي تدرس بدرجة الماستر كذلك، فبالرغم من مواكبتها للدراسة عن بعد باستمرار، إلا أنها تشتكي “غياب التواصل الفعلي مع الأساتذة”، ينضاف إلى هذه الإشكالات، ما يتعلق بمشاكل التأشيرة للطلبة الأجانب، تذاكر الطائرة والصعوبات المالية، وبالنسبة للبرازيلية لويزا فإن مواصلة الماستر، في درجة “الشؤون الدولية” حلم صعب المنال، حيث تقول: “مع تراجع الاقتصاد و زيادة الرسوم الدراسية في درجة الماجستير، لا أعتقد أنه من المعقول أن أدفع تكاليف المعيشة في باريس فقط للحصول على دروس وحصص تعليمية عبر الأنترنت”.
تسعى الجامعات والمدارس المعروفة الأجنبية، سواء أكانت الولايات المتحدة الأمريكية، استراليا أو المملكة المتحدة، إلى استقطاب أكبر عدد من الطلبة الأجانب، وذلك على حساب الأماكن التي توفرها للطلبة المحليين، وهذا من أجل تعويض شيء من الخسائر المالية التي لحقت بها، على غرار العديد من القطاعات في عدة بلدان حول العالم، بسبب جائحة كورونا المستجد “كوفيد-19″، ورغبة منها كذلك في تعزيز وتعديل توازنها المالي، فهي على أشد العلم بأن الجائحة ستضعف شيئا فشيئا نموذجها التعليمي والاقتصادي على حد سواء.
أزمة الطلبة الجامعيين حول العالم

تعتبر استراليا، من بين أكثر الوجهات التعليمية، التي يسافر نحوها الطلبة من آسيا خصوصا، بغية تعزيز تكويناتهم التعليمية وذلك لما توفره من مناهج متنوعة، وهذا ما اعتاد عليه الطلبة الأجانب من الصينيين كل سنة، إلا أن جائحة “كوفيد-19 “قد غيرت هذه العادة السنوية، ليحرم قرابة 165 ألفا منهم من الالتحاق بأستراليا، برسم الموسم الدراسي 2020-2021 ، وبالنسبة لأستراليا، فإن عائداتها الجامعية ستتراجع بنسبة 21% في كامل البلاد، بحسب تصنيف “U-Multirank” الأوروبي لجامعات العالم، في نفس السياق، ستسبب جائحة كورونا المستجد، خسارة في العائدات الجامعية حول العالم، التي تستخلص من رسوم تسجيل الطلبة الأجانب، بما يقرب من 7% في الولايات المتحدة الأمريكية، وبنسبة 5% في الاتحاد الأوروبي، بحسب نفس التصنيف الأوروبي، في حالة بريطانيا، فإن الخسارة مضاعفة نسبيا، مع مواجهة الجائحة وتداعيات أزمة “البريكسيت”، ففي منطقة “أوتر-مونش” على سبيل المثال، سيحرم 270 ألف طالب من بدء تكوينهم بداية الخريف الحالي، مسببين للمنطقة في خسارة ربع عائداتها المالية للتعليم العالي، بحسب معهد الدراسات المالية البريطاني، الذي أشار إلى أن الأزمة الوبائية الحالية، ستتسبب في خسارة ما يقرب من 7 ملايير جنيه استرليني (7.9مليار اورو)، من عائدات رسوم التسجيل للطلبة الأجانب، ما يمثل ثلث رسوم التسجيل المعلن عنها من قبل الجامعات، وما يقرب من ربع العائدات العامة للتعليم العالي في بريطانيا العظمى.
ومنذ سنوات، تشهد حصة رسوم تسجيل الطلبة الأجانب سواء بالمدارس العليا أو الجامعات، ارتفاعا ملحوظا في العديد من الدول وخاصة البلدان الأوروبية، كحال السويد و الدنمارك اللتين عدلتا من رسوم تسجيل الطلبة غير الأوروبيين، ومكنتا من تأسيس رسوم خاصة موجهة لهؤلاء، أما ببلجيكا وهولندا، فيختلف توجههما المالي حيث أثقلتا شيئا ما من رسوم الدراسة الجامعية بهما على الطلبة الأجانب، بحسب الجمعية الأوروبية للجامعات (EUA)، وفي الضفة الأخرى، أي الولايات المتحدة الأمريكية، تمارس جامعة نيوجيرسي نفس السياسة، إذ ضاعفت من قيمة الرسوم التعليمية للأجانب، لتبلغ ما يقرب من 11 ألفا و 500 دولار للفصل الدراسي،
985 ألف طالب أجنبي، تسجلوا في الجامعات الأمريكية سنة 2019، أي 5% من الطلبة على العموم، كما من الممكن أن تخسر مدينة برايستون في نيوجيرسي، 7% من عائداتها المالية الجامعية هذه السنة”، يقول فرانس فان فوخت، أحد المسؤولين عن تصنيف “U-Multirank”، “بالنسبة للطلبة، فان التخوف من الجائحة الوبائية، صار أوضح من ذي قبل، إذ باتوا متخوفين من التسجيل في الجامعات الأجنبية”، لكن تكاليف رسوم التسجيل في الجامعات الأجنبية، ليست القيمة المالية الوحيدة التي تؤرق بالهم، بل ينضاف إليها رسوم بدل المعيشة والطعام واللباس والتطبيب… ينضاف إلى ما سبق توجه الجامعات التي توفر التدريس عن بعد، إلى التقليص بنسبة 75% من رسومها التسجيلية فقط للحفاظ على زبائنها غير القادرين على دفع الرسوم التعليمية في ظل الظروف الحالية،
في آسيا، وتحديدا كوريا الجنوبية، يمكن ل40%من المؤسسات التعليمية، تعويض جزء من الرسوم التسجيلية للطلبة. بالعودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، فإن المؤسسات الجامعية أقل تضررا من نظيراتها الدولية، ويعود السبب في ذلك إلى اعتمادها بشكل كبير، على العطايا أو التبرعات و حتى الصناديق العامة، إلا أن خطر الاقتطاعات الرأسمالية يهددها، ولاسيما المؤسسات الجامعية البحثية، كما أن الصناديق العامة ستتراجع بدورها بسبب الحالة الاقتصادية العامة.
الإفلاس كابوس يهدد الجامعات الدولية
إن تراجع رقم معاملات الجامعات الأجنبية، القادم بجزء أكبر من رسوم تعليم الطلبة الأجانب بها، علاوة على اختفاء العائدات المالية من المؤتمرات وغيرها من الأنشطة، ينذر بقدوم عاصفة الإفلاس نحوها، فعلى سبيل المثال، من المقدر أن تخسر جامعة ميشيغان لوحدها، قرابة 1 مليار دولار من رأس مالها، وفي منطقة “أوتر-مونش”، بلغت خسائر الجامعات البريطانية على المدى الطويل، ما بين 3 إلى 19 مليار جنيه استرليني، أو ما بين 7.5 إلى 50% من مجموع إيرادات القطاع، بحسب معهد الدراسات المالية البريطاني، وأن 13 جامعة تدرس 5% من طلبة البلاد، سيكون مصيرها الإفلاس.
لم يتبق للجامعات الأوروبية، هامش كبير للتقليل من خسائرها المالية، بيد ان استقلالها الإداري، فيما يرتبط بإدارة الموارد البشرية و الممتلكات (الأثاث…) أصبح ضعيفا، غير أن الجامعات المرموقة لا تعاني نفس المعضلة، بالرغم من أن المؤسسات باختلاف أحجامها، صغيرة كانت أو كبيرة لمسها شيء من الأزمة.
وتعمل الأزمة الوبائية على إضعاف قطاع يعاني الأمرين مسبقا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية، أوصدت أبواب ما يفوق 50 جامعة، واضطر بعضها للاندماج لتفادي الأسوأ، خلال السنوات الأخيرة. وعلى الصعيد العالمي، تحاول المؤسسات الجامعية التقليل من نفقاتها المادية، مستهدفة بشكل خاص تعويضات الأساتذة، ومن جهة أخرى ترفع رسوم التسجيل، لدرجة أن الخريج الجامعي الكندي، على سبيل المثال، ينهي مساره الدراسي وهو مدين بما يدنو من 22 ألف أورو، وذلك بالرغم من عمله لتمويل دراسته، كما أن الثقل المالي يبلغ ذروته لدى الطلبة الأجانب،
يقول سكوت غالواي، الأستاذ بجامعة نيويورك، في تصريح له لقناة “بي-بي-سي “، منذ 20 سنة، تضاعفت الرسوم الدراسية بمعدل 2.5 أضعاف. إن أزمة كوفيد-19 كانت النقطة التي أفاضت الكأس، وكانت اللسعة التي أفاقت على إثرها العائلات الأمريكية، لتقول :”يكفي ! الآن، لن ندفع 58 ألف دولار، من أجل حصص دراسية عبر محادثات افتراضية (كالتي تقع على تطبيق زووم…”، قبل الأزمة، أظهرت الأرقام أن أكثر من 500 جامعة أمريكية، تمر بصعوبات مالية وتمويلية، كما ذكرت جمعية “ذي هيشينغر ريبورت”، وتضيف، فمنذ عقد من الزمان، ناضلت ضد تراجع التسجيلات بها، الراجعة للتفاوت الديمغرافي الداخلي، وضعف الدعم المقدم من قبل الحكومات، إضافة إلى تراجع الدين العام والتبرعات، مؤدية إلى توليد الكثير من الجامعات لعائدات أقل من الطلبة في سنة 2017 مقارنة بسنة 2009.
في بريطانيا، سيتحتم على الجامعات المستفيدة من الدعم، الذي وفرته الحكومة، في ظل جائحة كورونا (كوفيد-19)، توفير مناهج تعليمية في المجالات ذات الأولوية، على غرار مجال التربية والتعليم، أو تلك التي تساهم في الرفع من الأجور (الهندسة…)، كما جاءت على ذكره صحيفة “ذي إيكونوميست” في غشت الماضي.
يعمل بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، على تقليد استراليا، في حين تعمل مدينة “كانبيرا” الاسترالية، على مضاعفة رسوم تسجيل الطلبة في شعبة الآداب، وخفض الرسوم ذاتها للشعب ذات التكوين “المهم”، على غرار الفلاحة أو علم النفس السريري.

استراليا بين نارين: كورونا والصين

كحال بقية دول العالم، أصاب استراليا ما أصابها، نتيجة عصف جائحة كورونا بها، إذ شهد اقتصادها ركودا واضحا مع ظهور فيروس كورونا، بالرغم من أنه لم يتوقف أبدا عن النمو، منذ سنة 1992 و حتى في عز الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008، إذ تراجع اقتصادها في ظل الظروف الوبائية، بواقع 0.3% في الأسدس الأول من السنة الجارية، كما الحال بالنسبة للناتج الإجمالي الخام، الذي انخفض بنسبة 7% ما بين أبريل و يونيو الماضيين.
ينضاف إلى ما سبق، تسجيل ارتفاع واضح في نفقات الأسر، خلال فترة الحجر الصحي عالميا، ولا تستثنى الأسر الاسترالية من القاعدة، بيد أن الاقتصاد الوطني لجميع الدول، كان بحاجة لهذه النفقات لتخفيف ألم الضربة التي تلقاها، إذ يلاحظ من جهة أخرى، أن متوسط عدد ساعات العمل، قد تراجع بنسبة 10%، و أن مقدار المستحقات أو الدعم المالي الاجتماعي، قد زاد بأكثر من 40%، كما أن الاقتصاد بدوره يعيش الأمرين، إذ انخفضت واردات السلع ب2.4%، وتصدير الخدمات بنسبة 18.4%.
يشهد للحكومة الاسترالية، توفيرها لميزانية تقدر ب200 مليون اورو، من أجل التخفيف من آثار جائحة كورونا المستجد على اقتصاد البلاد، هذا بالرغم من أن سنة 2019، لم تكن بالسهلة على الاقتصاد الاسترالي، وذلك بسبب فترة الجفاف وحرائق الغابات، التي أتت على مساحات كبيرة منها.وتتوقع السلطات الاسترالية أن ترتفع نسب البطالة لتبلغ 9.3% في شتنبر، كما تتوقع انفجارا في العجز العام يقرب من 10% من الناتج الإجمالي الخام، في منتصف سنة 2021.
من جهة اخرى، على العاصمة “كانبيرا”، أن تواجه تداعيات التوترات المتزايدة مع الصين، الشريك الاقتصادي الأساسي لأستراليا، الذي يغطي لوحده ربع المبادلات التجارية للبلاد، فمن الملاحظ أن العلاقات بين البلدين، قد تراجعت بوتيرة سريعة بين البلدين، وتحديدا بعد تصريحات الوزير الأول الاسترالي، المطالبة بإجراء بحث دولي، في ما يخص منشأ فيروس كوفيد-19، الذي ظهر في الصين لأول مرة سنة 2019.
ضاعفت بكين بدورها من المضايقات تجاه استراليا، إذ أوقفت في ربيع السنة الحالية، جزءا من صادراتها من الأبقار نحو أستراليا، كما فرضت رسوما جمركية على الشعير الأسترالي بنسبة 80.5%. في يونيو من نفس السنة، دعت الحكومة الصينية، جميع السياح والطلبة الصينيين لتفادي التوجه نحو استراليا، بسبب حوادث “عنصرية”، كما قامت الحكومة الصينية أيضا، بترؤس حملة تحريات حول إغراق السوق الصيني بالخمر الاسترالي، ومنعت الصين أيضا، عملية استيراد الشعير الاسترالي، الذي تشرف عليه مجموعة “سي-بي-أش غرين”، أكبر مصدر للحبوب ومشتقاتها في استراليا. في مواجهة التدابير الصينية، تصدت”كانبيرا” بدورها متم شهر غشت المنصرم، لعملية الاستحواذ على أكبر مجموعة استرالية لإنتاج الحليب ومشتقاته، أي مجموعة “ليون ديري آند درينكز”، من قبل المجموعة الصينية “مينغنيو”.
خرجت استراليا، بأقل الخسائر البشرية الممكنة، من الموجة الأولى لجائحة” كوفيد19″، بما مجموعه 663 وفاة، إلا أن الحكومة بقيت حذرة جدا، حيث وضعت ما يربو عن 5 ملايين نسمة، من ساكنة مدينة “ميلبورن” في الحجر الصحي الإجباري، من أجل التصدي لموجة ثانية محتملة من الجائحة، كما أغلقت معظم حدود الولايات الاسترالية، إلا أن السياحة الاسترالية لم تشهد إعادة إقلاع جديدة.


الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 15/09/2020

//