العاشر من أكتوبر: زمن الأزمة واعادة طرح السؤال حول متلازمة المساواة والتنمية

يأتي العاشر من أكتوبر لهذه السنة في سياق الاختلالات الكبرى التي أبرزها الكائن المتناهي الصغر كوفيد ١٩، لتتأكد من جديد معاناة النساء على المستويات الاقتصادية و الاجتماعية، وكما ورد في الأرضية التوجيهية التي تقدم بها الكاتب الأول باسم الاتحاد الاشتراكي،فقد كانت النساء أكثر عرضة لتداعيات الجائحة . فعلى الرغم من كون النساء يتحملن المسؤولية الكبرى في الحرص على سلامة الأسرة وتوازنها المالي والنفسي ، فإنهن يمثلن الجزء الأكبر من القطاع غير المهيكل ويسجلن الغياب الصارخ عن الحق في الضمان الاجتماعي. وفي الوقت الذي تضاعفت فيه مسؤوليات النساء و أعباؤهن خلال هذه الأزمة الصحية، تنامت مظاهر العنف المادي والمعنوي تحت طائلة الحجر الصحي بشكل خاص،بل أكثر من ذلك تأكدت « الصنمية الذكور ية» الموغلة في تمثل الدولة للمرأة والمجتمع من خلال آليات الإعانة المالية.
«لأن ثقافة المساواة لم تتجاوز مستوى الشعارات في بلدنا،ولأن المرجعية الذكورية مازالت تتحكم في عقول رجال الإدارة وأحيانا حتى نسائها،فإن توزيع المساعدات المالية اقتصر على تمكين رب الأسرة، والحال أن أكثر من ثلث الأسر المغربية تعولها نساء، وأن الدول المتقدمة عندما وزعت الإعانات وزعتها مناصفة بين رب البيت وربة البيت «(الأرضية التوجيهية للاتحاد الاشتراكي). على المهتمين اليوم، بوضع الملامح الرئيسية للمشروع التنموي الجديد التقاط هذه الإشارة الدالة على المضمون « المؤسساتي « لتمثل مكانة المرأة في المجتمع المغربي،التمثل القائم على اللامساواة العلنية والمبطنة .
إنها إحدى العلامات الدالة على الاختلالات الاجتماعية و الاقتصادية في بلدنا ،اختلالات بنيوية عميقة قبل الجائحة و لكن الأزمة أبرزتها بشكل أكبر و لم يعد بالإمكان تجاهلها اليوم. إننا اليوم بعد دستور ٢٠١١ أبعد ما نكون عن المساواة. فنحن نرتب حسب forum de Dabos في الرتبة 143 على 152 دولة.ويجب التذكير بأن اللامساواة في بلدنا لها أكثر من وجه. فاللامساواة بين الجنسين هي فقط شكل من أشكال اللامساواة تنضاف و تعزز التفاوت بين الدولة المركزية و الدولة الترابية واللامساواة المجالية على مستوى الجهات وكذا اللامساواة الجيلية. إن هذه الغيابات باختصار،هي تجسيد للامساواة المتجسدة في الاهتمام بالدولة و إغفال المجتمع. ولقد كشفت الجائحة الكلفة العالية الإغفال. على المهتمين اليوم بوضع ملامح نموذج تنموي جديد، أن يدركوا أن المساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية، ليست مجرد مسألة معيارية أخلاقية وحقوقية ، ولكنها المدخل الرئيس لبناء مجتمع التنمية والديمقراطية . إنها مفتاح التطور المجتمعي الشامل.
لقد اتضح في سياق الأزمة الصحية والاقتصادية الحالية وبالملموس ، أن مطلب المساواة بين الجنسين لم يعد حبيس الترافع الحقوقي التقليدي الصرف، الذي عرفته المقاربات الحقوقية السابقة المبنية على متلازمة الصراع بين الرجل والمرأة بهدف تمتيع الطرفين بذات الحقوق،بل إن هذا المطلب اليوم يؤسس لجيل حقوقي جديد شديد الصلة بمطلبي الحق في التنمية والديمقراطية كركيزتين أساسيتين لبناء المجتمع الحديث برجاله ونسائه.
زمن كورونا وما سيأتي بعده،لم يعد قادرا على قبول التعايش مع المفارقات الصارخة بين الدولة والمجتمع ، بين المركز والمحيط ، بين النص والواقع، بين المرأة والرجل.إن الحاجة قائمة اليوم إلى ترجمة المساواة كحق دستوري لا رجعة فيه على مستوى التمكين الاجتماعي و الاقتصادي للنساء.
تؤكد المندوبية السامية للتخطيط (2019)أن عدد النساء أكبر من عدد الرجال( في البادية كما في المدينة ) و أن20% من النساء يعلن أسرهن و أن هذه النسبة ترتفع في البادية و أنه لا وجود لعدالة أجرية. وتؤكد المندوبية ذاتها أن النساء يسجلن النسبة الكبرى الواقعة تحت كل أنواع الضعف والهشاشة في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والتمكين الاقتصادي، خصوصا على مستوى تواجدهن في المقاولات الصغرى والمتوسطة، وفي ذات الوقت توجه الدولة 40% من الميزانية للجهات لتظل الاسئلة الحارقة ملحة:كم يخصص منها للنساء؟ما هي البرنامج الموجهة للتمكين الاقتصادي للنساء في برنامج الجهات؟كم يصرف من صندوق التضامن بين الجهات على التأهيل الاجتماعي للنساء؟وهل يمكن الاكتفاء بالبرامج الموجهة للنساء على مستوى قطاعي وزارة الداخلية من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ووزا ة الفلاحة من خلال تقديم تقوية دور المرأة في المجال الفلاحي؟في الوقت الذي تغيب فيه برامج قارة ومنتظمة لقطاعات حكومية أخرى باعتبار قضايا النساء و انتظاراتهن قضايا أفقية تعبر كل القطاعات الحكومية ، ويفترض أن تكون دائمة الحضور عند وضع السياسات العمومية.
إن الأجوبة مؤلمة بالتأكيد،وسياق الأزمة الضاغطة اليوم ، ضاعف من خطورتها. تأخذ الهشاشة منحى تصاعديا ،تعاني الفتيات من الهدر والتسرب الدراسيين نظرا لغياب الحد الأدنى من البنيات التحتية في العالم القروي بشكل خاص،تعاني النساء ضعفا مهولا من أجل الوصول إلى الملكية والموارد المالية،كثيرات هن ضحايا الاغتصاب وتزويج القاصرات،تشهد النساء تراجعا كبيرا في مجال الشغل،إذ لا تتجاوز معدلات الانخراط 22%(و ذلك قبل الوباء)،بالإضافة إلى تواجدهن خارج مواقع القرار الاقتصادي والسياسي.
ولأن عدم الاهتمام بالبادية المغربية، هو واحد من أهم أعطاب « النماذج التنموية السابقة»،فإن معاناة المرأة القروية مضاعفة،تكاد تكون المرأة هي المتحكم الر ئيسي في الدورة الاقتصادية في القرية،هي المتضررة من التغيرات المناخية ،الضحية الأولى لشح وبعد الموارد المائية،هي البعيدة والمقصية من الخدمات الأساسية،ومع ذلك فهي الضامنة(بعد الله) لحياة البشر والحيوان في البادية ، فعلى مستوى التفاوت واللامساواة في مجال التمكين الاقتصادي، تعاني المرأة في العالم القروي من حيف مزدوج، من اللامساواة بينها وبين الرجل وبخلفية ثقافية معيقة،ومن اللامساواة بينها وبين المرأة في الوسط الحضري وبخلفية لاعدالة مجالية واضحة.
فما المطلوب إذن وأمام هذه الوضعية، من أي نموذج تنموي جديد مادمنا مازلنا في زمن المشاورات؟ لا بديل عن التمكين الاقتصادي كمدخل أساسي للعدالة الاجتماعية المساواة الفعلية. يتعين وضع استراتيجية واضحة من أجل إدماج النساء في سوق الشغل بدءا بالارتقاء بالمستوى التعليمي للفتيات،إذ لم نعد في الحاجة إلى التذكير بالعلاقات الطردية بين المستوى التعليمي للمرأة ومستوى الوعي الاجتماعي ومستوى التفوق الدراسي للأطفال من جهة، وبين المستويين: المستوى التعليمي للمرأة والولوجية لسوق العمل من جهة ثانية،وكذا بين الولوجية لسوق الشغل والرفع من كيف العيش داخل الأسرة والتطور المجتمعي العام من جهة ثالثة.
و يترتب عن تحقق هذه العلاقات تنشيط للدورة الاقتصادية وارتفاع في نسبة الاستفادة من الخدمات،وذلك لأن 80% من أجور النساء على تعليم وتطبيب الأبناء مقابل40 % فقط من أجور الرجال، لا بد أن تصطدم أي مخططات تنموية جديدة بالسؤال: لماذا هذا الضعف في اندماج النساء في سوق الشغل ولم تغيب فيه الانتظامية والاستمرار؟ وقبل التفكير في الأسباب البنيوية ومدخلات المعالجة، لا بد من التنبيه إلى أن ضعف الولوجية ليس مرتبطا دائما بالفرضية القائمة على إقصاء النوع ، فقد تعود صعوبات النساء إلى عدم القدرة على التوفيق بين العمل داخل البيت وخارجه، ويمكن تيسير ولوج النساء للشغل واحتفاظهن به عند اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي والرؤية الإنتاجية المبدعة .فبدل أن ينظر إلى عمل المرأة بعدد الساعات المنجزة، ويقدر أجرها على هذا الأساس ،ينظر إليه من حيث قيمة الإبداع وحجم الفائدة ودرجة الجدة ،فاعتماد مقاربة النوع في تشغيل النساء،يجعل البرامج الموجهة لهن تتصف بالمرونة وقابلية التكييف مع وسط النساء وأدوارهن الاجتماعية بأقل ما يمكن من الاصطدام الثقافي.
ولعل أحد الأسباب الرئيسية في ضعف مردودية برامج التكوين والتمدرس ومحو الأمية في الوسط القرو ي، هو غياب مقاربة النوع وسوء تقدير الأدوار الاجتماعية للنساء.
في غياب الربط بين المساواة والتمكين الاقتصادي للنساء ، الرافعة الحقيقية للتنمية، يظل تملك والمساواة، تملكا مبتورا تعد به النصوص، و تصدح به الشعارات، ويتنكر له الواقع. ولكن…ونحن اليوم في صلب أزمة تعد بالتفاقم وتتطلب توظيف كل الذكاءات الإنسانية والطاقات البشرية لكل رجال ونساء هذا الوطن …ما العمل الآن أننتظر حلول التحولات السوسيوثقافية وثمار التمكين الاقتصادي للنساء، ليفرضا وقوع التحولات المطلوبة على المستويات السياسية والقانونية في إطار علاقات سببية منطقية مألوفة ،أم نتجه إلى تطوير التشريعات والقوانين قصد إنصاف النساء حقوقيا وسياسيا حتى يتواجدن في مواقع القرار بقوة أي بقوة القانون كقوة فاعلة تمد الجسور إلى مواقع القرارالاقتصادي والسياسي؟ من داخل الأزمة ، ونحن بصدد المشاورات حول إصلاح المنظومة الانتخابية، نتجرأ على أن نحلم بالقطع مع الفهم المعطل للدستور والسعي المعلق للمناصفة والمساواة الشكلية والمبتورة بين الجنسين. في مجتمع كمجتمعنا،حيث تهيمن الثقافة التمييزية،وحيث يظل اللاشعور الجمعي راكدا متحجرا،وحيث لا تتحرك عملية التحديث وثقافة المساواة إلا ببطء شديد، وحيث لم يدرك بعد مطلب المساواة باعتباره مطلبا للتنمية والتطور المجتمعي، في مجتمع كهذا يصبح للقانون والإرادة السياسية الشجاعة ،يصبح لها القوة المطلوبة من أجل إحداث التغيير.


الكاتب : خدوج السلاسي

  

بتاريخ : 08/10/2020

//