الفاعلية التصويرية المتخيل الشعري وبناء الصورة الشعرية .. الفاعلية التصويرية المتخيل الشعري وبناء الصورة الشعرية

ناس مصطلح : “المتخيل الشعري” قبل أن يستقر على يد جان بوكوس Jean Bourgos، بين الخيال والتخييل والمخيال والمخيلة. ولا اختلاف في المحصلة بأنه قوة خاصة من قوى الإدراك الباطن، قوة حرة تقوم بالمقارنة والتركيب والتمييز، والتأليف بين الأشياء وتوحيدها وتشكيلها على نحو جديد، “كما أنه يجسدا لأفكار التجريدية في صورة مادية محسوسة، ويشخص الجمادات في هيئة كائنات عاقلة تحس وتشعر، فهو يعيد صياغة الواقع، ويحطم الحواجز بين الإنسان والطبيعة وبين الماديات والمعنويات” (1).
تاريخيا، اُسْتُعْمِلَ مصطلح “التخييل” لا “الخيال” أو “المتخيل” في الثقافة العربية القديمة نقدا وبلاغة. ذلك أن “الخيال” اعْتُبِر من وجهة نظرهم المعرفية والفنية، منافيا للحقيقة. ومن بين المعاني التي يسوقها “لسان العرب” للخيال: هي “الظن والاشتباه والوهم”. في حين، شُدَّ التخييل بنسب قوي إلى دراسات أرسطو النفسية. ومن هنا خاض فيه المتفلسفة المسلمون كالفارابي، وابن سينا، وابن رشد وحازم القرطاجني. بل إن منهم من قَصَرَ الشعر عليه، واعتبره ذا خطر حقيق بكل شعر رفيع. غير أن بعض اللغويين العرب والبلاغيين لابسوا بين التخييل والخروج عن الحدود المرسومة للصورة الشعرية التي ينبغي أن لا تنبو عن الحس والإدراك والفهم. يقول عبد القاهر الجرجاني: [وجملة الحديث الذي أريده بالتخييل ههنا – ما يثبت فيه الشاعر أمرًا هو غير ثابت أصلا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولا يخدع فيه نفسه، ويريها ما لا يُرَى] (2).
والظاهر أن الجرجاني يعرض للتخييل في باب مقارنته بالاستعارة التي هي أدخل ما تكون في خيط المشابهة والمماثلة والتقريب.
لقد اتكأ المتفلسفة المسلمون في إيرادهم للتخييل واعتماده في مقارباتهم للشعر، على نظرية المحاكاة الأرسطية، وكان رَائِدَهم في ذلك أبو نصر الفارابي الذي مهد الطريق لمن تلاه منهم أمثال مَسْكَوَيْه، وابن سينا، وابن رشد، وأوضح لهم الصلة بين الشعر والتخيل. وكان الفارابي بفعل ذلك، يثري الدراسة النقدية عند العرب بوجه عام، ويعمق الوعي بطبيعة الصورة الفنية وعلاقتها بالخيال أو التخيل بوجه خاص. ومن ثَمَّ بدأت كلمة “التخيل” ومشتقاتها، تدخل في دائرة المصطلح النقدي والبلاغي، تقترب منه على استحياء في النصف الثاني من القرن الرابع، أي بعد وفاة الفارابي، ثم يتدعم وجودها شيئا فشيئا مع إضافات ابن سينا في القرن الخامس، وابن رشد في القرن السادس، حتى تصل إلى أقصى درجات القوة والوضوح عند حازم القرطاجني في القرن السابع (3).
غير أنه لا مندوحة من الإشارة إلى “أن التخييل عند الفارابي وابن سينا من بعده، يُسْتَخْدَمُ – ضمن ما يستخدم- باعتباره اسم جنس تندرج تحته أنواع التشبيه والاستعارة على أساس أنها صور ومعان تخييلية تقوم على الإيهام” (4).
لا نستدبر احتفال الصوفية بالخيال –وهم بذلك استثناء في تاريخية الشعرية العربية، كما لا نستدبر، ما كان للخيال من احتضان سعيد، ومديح استثنائي من قِبَلِ الرومانسيين الغربيين في معركتهم الشائقة والغنية مع الكلاسيكيين صِنْوِي العرب النَّقَدَة، والبلاغيين القدامى في احتفائهم بالعقل والقصد التشبيهي والتدبير اللغوي. حسبنا هذا الخطف الإشاري لهم: (الرومانسيين)، بحسبانهم المهاد للبرناسيين، والرمزيين، والسورياليين والحداثيين، حتى استقرت تسمية المتخيل الشعري استقرارا رَكَّزَهُ المعطى النصوصي والاستبار القرائي، والتلاقحات الإبستمولوجية والنفسية (السايكولوجية)، والأنطروبولوجية. ففي البال، إذاً – العالم النفسي “يُونْجْ”، والفينومينولوجي “هوسرل”، والإبستمولوجي التكويني “جان بياجي” Piaget، والمتخصص في المتخيل الشعري المعتمد على ما ذكرناه للتو: جان بوركوس (Bourgos).
“إن المعطيات النظرية، والإمكانات الإجرائية التي تقدمها انطروبولوجيا المتخيل بأنسابها الرومانسية والسريالية والبَاشْلاَرية، والآفاق الاختبارية التي تنفتح عليها، تعد أرضية صالحة لتأسيس شعرية للمتخيل، تقوم على أساس الصورة كفعل خيالي توافقي وتصادمي بين عدة قوى قادرة على توفير تجربة عيش واقع جديد تماما، بفضل طاقاتها الدلالية المتعالية على حدود الدليل اللِّسْني المحض، لكن مع تأطير كل ذلك ضمن الموضوع النصي. هذا التوجه هو الذي يحكم بناء شعرية المتخيل لدى جان بوركوس” (5).
فالمدركات الحسية هي منشأ ومصدر المتخيل بإطلاق، والشعري بالتحديد. ووظيفة التخيل استعادة الصور التي تَحَصَّلَتْ من الإدراك، منظومة وَمُنْسَلِكة في خيط تآلفي تناغمي، أو مبعثرة مشذرة كأَنْ ليس بينها اتفاق ولا تقارب، أو مركبة أو مفككة وَفْقًا لما يتغياه الشاعر منها وهو يبني نصه الشعري. وليس من شك في أن مهماز التجربة راصد للعملية، ومفجر لآليات اشتغالها. من هنا تفاوت المبدعين في إتيان الصورة الشعرية، ونفخ روح الاكتناز والرشاقة فيها، أو تقديمها ضمن النص، متآكلة موطوءة ومهترئة كسمكة زنخة !.
ذلك أنه في ميدان الصورة – وهي تَجَلٍّ من تجليات المتخيل الشعري ـ “ينشد الكل إلى الكل” – فيما يقول جان بُورْكُوسَ- وأن لا شيء بدون دلالة، وأن انبثاق معنى ما، يمكن أن ينتج عن توافق (اتفاقات) شبكة من الدلالات. فالصورة تطرح معناها الخاص ضمن عنقود الصور الذي تشيده، وتستقر داخله، لكنها بدورها تتعدل، وَتُغَيِّرُ شكلها بواسطة الصور المحيطة بها والتي تخرقها بدون توقف وترغمها على تحولات جديدة لتفتح الطريق دائما للمعنى الآتي” (6).
إن الصورة الشعرية – بحسب شعرية المتخيل “إمكان محض”، لأنها حركة دائبة متفاعلة مع باقي المكونات الشعرية، وإذ هي كذلك، فإنها تحفر مجراها الفاتن من خلال كل نص شعري، بمعنى أن لا مستقر لها.. ولا ثوابت تتعين بها عدا تلقياتها القرائية، ومعاشرة الذوات لها، فهي تتحقق بالعين، وتنفلت – في اللحظة ذاتها- من قبضة الجاهزية والمسكوكية. بمعنى أن مقياس الإحاطة بها والتقعيد لها، مُغَبَّشٌ وَنَافِل. يتعلق الأمر، إذن، بالصورة الشعرية الحداثية التي تنهل من عديد المرجعيات، والدخائر الثقافية، وإلا، فإن الصورة الشعرية ذات اللبوس التقليدي تكذب زعمنا، وَتُدِكُّ رأينا. فالترابط هو المحرك للحيوية الدلالية للصورة في تعالقاتها داخل الفضاء النصي. لم يعد هناك مكان للصور المفردة الطافية على ماء النص، صار الشعر – راهنا- عنقودا متشابكا مُبَنْيَنًا من الصور الفنية- بما فيها التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل، وما يند عن هذه الحدود، – يحكمه دال إيقاعي عريض بما هو جماع المعنى والذات والكتابة. “هكذا يكون التصور البلاغي والأسلوبي قد كف عن توجيه اختزالي لا يرى في الصورة إلا تلك الإوالية العقلية التي تدرك عناصرها بناء على علاقات منطقية أو تماثلية معيارية قياسية في أحسن الأحوال” (7).
بهذا المعنى ندرك الفرق الجوهري بين الاستعارة البسيطة الباردة، والاستعارة البعيدة المشعة التي تخلق الصورة الفاتنة. أي ندرك الفرق بين أن تكون الاستعارة تقنية لغوية خاضعة لقواعد معينة، وبين أن تكون ظاهرة نصية استغراقية. فالخيال ثَاوٍ – بما لا خلاف حوله- وراء فتنة الصورة.. لكنه الخيال الفاعل الخلاق.. الخيال الإنتاجي أو الخيال الأول كما سماه الشاعر الإنجليزي “كُولْرِدْجْ” في لحظة شعرية نقدية بهية.
هذا التوصيف الذي نَتَبَنَّاهُ، يلتقي، في العمق، مع الصورة الشعرية الحق، السارية في ثنيات النص، وَبَتْلاَتِ مركباته اللغوية. ويقود، تاليا، إلى المعنى الاستعاري الذي أومأنا إليه قَبْلاً، أي الفاعلية التصويرية التي تستغرق النص الشعري بما هو فَلْذَةٌ من المتن، وإلى رأي الدكتور إدريس بلمليح الذي يقول: “الاستعارة إنجاز لِما لَمْ يكن موجودا من قَبْلُ في مستوى نظام اللغة، أي أنها تفاعل حيوي بين المرسل، وبين نظام اللغة التي ينقل عبرها رسائله. ويتم هذا التفاعل بدمج عبارة ومحتوى التصور الأصلي، ضمن محور المشابهة الخاص لعبارة ومحتوى التصور الفرعي الذي يقترن إليه في مستوى التخيل” (8).
إن القدماء – كما أشَرْنا- لم يخرجوا عن منظومتين بلاغيتين، وهم يُداوِرُون في ما بينهم مفهوم الصورة الشعرية، وهما: المشابهة والمجاورة، وجعلوا من التشبيه، أُسًّا في المشابهة، وعِلَّةَ لوجود الصورة ما دام أنها تخاطب المخيلة بواسطة العقل. بل إن الشاعرية رُدَّتْ إلى التشبيه عند غير واحد من اللغويين في ما يقول جابر عصفور.
ولنا في ابن المعتز وأبي تَمَّامْ، ما ينهض حجة على كلامنا. فقد رُفِعَ مقام الأول، وَخُفِضَ مقام الثاني، أو لنقل رُفِعَ مقام التشبيه وَوُضِعَ مقام الاستعارة. من هنا- ولتطور الوعي الجمالي سلطته وسطوته على الكتابة والذائقة سيان- الْتُفِتَ إلى ما به تكون الشاعرية، وما به يسمو شعر على شعر. وهكذا، رُدَّ للفتح الإبداعي التصويري اعتباره، وللإبداع اللغوي والإيقاعي وغيرهما، منزلته ومجاله. تفردت الصورة، وأضحت “تخترق الحدود المرئية لتبلغ عمق الأشياء، فتكشف عما تعجز عن كشفه الحواس” (9).
صارت، بتعبير الناقد “جان لوي جوبير Joubert”، علامة مميزة للشعر الحديث، فالنص، أصبح، يتحدد كشعر من خلال ما يحمله ويختزنه من صور، محيلا على “بيير ريفيردي Pierre Reverdy” الذي عَرَّفَ الصورة كالتالي: “إن الصورة نتاج عقلي خالص. إنها لا تولد من المقارنة (المشابهة)، ولكن من التقريب بين حقيقتين متباعدتين. وكلما كانت العلاقات بين الحقيقتين موضوع التقريب، متباعدة “ومُتَحققة، كلما كانت الصورة قوية حائزة على طاقة انفعالية، وشعرية عالية” (10).
بهذا المعنى، تحتل الصورة الشعرية مكانا مركزيا في تكون شعرية النص. فإلى جانب، اعتبارها، لدى البعض، فيصلا بين الشعر والكلام العادي، فإنها حققت – كما ألحفنا- تطورا وفتحا مبينا على مستوى تجربة الكتابة، راهنا، إذ تَحَصَّلَ لهذه التجربة، فضلا عن تبديل المناولة، وانشباك الوعي الجمالي بالمعرفة الفائرة، تَقْوِيضٌ للمعنى الذي كان يُسْتَشَفُّ، وَإِنْ بَعْدَ كَدٍّ، من الصورة الشعرية، عَنَيْنَا من خلال أوجهها البلاغية المعروفة: (التشبيه – الاستعارة، والمجاز المرسل). أي أَنَّ التجربة الشعرية المعاصرة وهي تَنْكَتِبُ ولو على سَمْتِ وصدى هذه الصور البيانية، تنفلت من القبض، والضم والتطويق. وليس في الأمر – من قبل ومن بعد- إغماض وإبهام وَتَقَصُّدٌ سوريالي، أو توجه عدمي. وما ذلك إلا لأن المتخيل الشعري.. وهو يُنْتَسَجُ في النص وبالنص، ينشبك مع التجربة المصورة باللغة، فإذا الواقع الداخلي منبثق، وحركة الوجود في صعود وهبوط..وتمزق وامتداد، وإذا العلائق بين الأشياء لها شُكُولٌ لا متناهية، وأطياف قزحية أو رمادية، وإذا الذات تقول مواجعها أو فرحها بالأسود والأبيض والبنفسجي والأصفر والأخضر واللاَّزَوَرْدِي.
مما يعني، أيضا، أن الصورة في ظل وظيفتها الرمزية، واشتغالها النص التركيبي، تتجاوز حدود الاستعارة، وتقيم على تخوم المعنى المفتوح، يحدث ذلك “حين تتسع المسافة جدا بين المشبه والمشبه به، وحين تصير المجموعات منفصلة إلى حد انعدام أي نقطة تقاطع فيما بينها، سواء كان جليا أو ضمنيا…” (11).
نستنتج من هذه التحديدات والمفاهيم المختلفة أن الصورة إمكان قادم دوما.. وليس واقعا معطى.. أي مدركا حسيا سَيَّجَتْهُ اللغة وَبَلَّلَتْهُ التجربة. والقول بالإمكان هو القول بالانجذاب المتواصل نحو بؤرة مشعة بالألوان والأطياف، وهو القول –في الآن نفسه، حيث بِتَنَّزُلِ الشعر ساحة النص، وهو يهدم الموطوء والمتواضع عليه، ويؤسس آفاقا جديدة ملؤها الرؤيا، والمحتمل، والمنبثق الفجائي.
احالات:
-1 عبد الفتاح محمد : مجلة فصول، المجلد الثالث، العدد الأول، 192، ص: 145. سنة1982.
-2 عبد القاهر الجرجاني : أسرار البلاغة، تحقيق : محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1978، ص: 239.
-3 د. جابر عصفور : الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة 3، 1992، ص : 26.
-4 د. جابر عصفور : المرجع نفسه، ص : 77.
-5 العربي الذهبي: شعريات المتخيل، اقتراب ظاهراني، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2000، ص:269.
Jean Bourgos – 1982 – (pour une poétique de l’imaginaire).
-6 نقلا عن العربي الذهبي : Edi Seuil-col Pierre vivre-P.270
-7 العربي الذهبي: المرجع السابق، ص : 276.
-8 د. ادريس بلمليح: القراءة التفاعلية، دار توبقال للنشر، المغرب، الطبعة 1، 2000، ص:58.
-9 صبحي البستاني : الصورة الشعرية في الكتابة الفنية (الأصول والفروع)، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى، بيروت، 1986، ص:12.
-10 من ترجمتنا Jean Louis Joubert- La poésie-édi – 1977- Tunis-p 79.
-11جان بوركوس : نقلا عن العربي الذهبي، ص: 277. …


الكاتب : محمد بودويك

  

بتاريخ : 18/09/2020

أخبار مرتبطة

أصدر الأديب عبد اللطيف سندباد كتابا جديدا بعنوان « التجربة والرؤيا عبد الكريم الطبال نموذجا « عن مؤسسة آفاق للدراسات

صدر عن دار أمل الجديدة في دمشق – سوريا (بالإشتراك مع مؤسسة المثقف العربي/ أستراليا)، كتاب جديد لماجد الغرباوي بعنوان:

لم يكن البحر غافلا عما اقترفه الغرق ولا النار نائمة حين الرصيف احترق. هي إشاعات ينشرها الهواء في أزقة المدينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//