المجلس الاقتصادي والاجتماعي يدعو إلى الحرص على فصل السلط وتوازنها خلال حالة الطوارئ و نبه إلى ضرورة ضمان المراقبة البرلمانية والقضائية وتأمين الاستمرارية الإدارية

اتساع هامش السلطة التقديرية للقوات العمومية ولد أحيانا إحساسا بالتعرض لتجاوزات وشعورا بالحيف

 

دعا تقرير أنجزه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول «الانعكاسات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا «كوفيد 19» إلى ضرورة الحرص على تعزيز مبدأ فصل السلط وضمان توازنها خلال حالة الطوارئ الصحية، مع العمل، بشكل مستمر وممنهج وناجع، على ضمان المراقبة البرلمانية والقضائية، حسب اختصاصات كل سلطة للتدابير التنظيمية والإدارية التي يتم إقرارها أو الإجراءات المتخذة من لدن السلطات العمومية في إطار تدبير هذه الوضعية الاستثنائية.
وأكد المجلس على أنه يجب أن يوازي الحرص على ضمان المقبولية الاجتماعية للقرارات الصعبة التي يمكن اتخاذها لمواجهة انتشار الجائحة، الحرص نفسه على ضمان استمرار الأمن القانوني والقضائي أثناء حالة الطوارئ الصحية، لما فيه خدمة المرتفقين والمتقاضين، كما تكفل ذلك دولة الحق والقانون.
ونبه التقرير إلى كون السلطات العمومية، وعلى الرغم الإمكانيات المتعددة التي كانت مطروحة أمامها والتي يمنحها لها الدستور، فضلت عدم اللجوء إلى الفصل 70 من الدستور الذي ينص على أنه «للقانون أن يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود، ولغاية معينة، بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها. ويجري العمل بهذه المراسيم بمجرد نشرها. غير أنه يجب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة، عند انتهاء الأجل الذي حدده قانون الإذن بإصدارها».
وأشار المجلس إلى أنه من بين جميع الحالات الاستثنائية التي ينص عليها الدستور من قبيل حالة الاستثناء (الفصل 59 من الدستور) أو حالة الحصار (الفصل 74)، فإن السلطات العمومية اختارت هذا التدبير غير المسبوق، ألا وهو حالة الطوارئ الصحية، مستندة في ذلك على الفصل 21 من الدستور الذي ينص على أن السلطات العمومية تضمن «سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع».
ومن خلال الوقوف على الاختيارات التي تبنتها السلطات العمومية في تدبير حالة الطوارئ الصحية، لاحظ المجلس هيمنة للمجال التنظيمي. إذ أقرت السلطات جملة من الأحكام، التي تندرج حصريا ضمن مجال القانون طبقا للدستور (الفصل 71)، باللجوء إلى قرارات إدارية تصنف أحيانا في أدنى سلم تراتبية القواعد القانونية (قرارات، دوريات، مناشير، بلاغات الصحفية، إلخ). فعلى سبيل المثال، تدخل إجبارية ارتداء الكمامة الواقية، التي صدر قرار فرضها بموجب بلاغ مشترك، ضمن المجال التشريعي المتعلق بالحقوق والحريات الأساسية.
وقد تم في إطار تدبير حالة الطوارئ الصحية، إصدار أزيد من 100 نص، من قوانين ومراسيم وقرارات ودوريات وبلاغات. وسمحت هذه الترسانة الجديدة، الصادرة أساسا عن القطاعات الوزارية المكلفة بالداخلية والصحة والمالية والتجارة والصناعة والتربية الوطنية، بتأطير عمل السلطات العمومية خلال هذه الفترة، وفي المجمل، اتخذت الحكومة العديد من التدابير المواكبة، لا سيما من خلال المصادقة على أكثر من 13 مرسوما، منها 8 مراسيم تتعلق بتمديد حالة الطوارئ الصحية.
من جهة أخرى، تقرر إحداث آليات حكامة موازية على المستويين المركزي والترابي، من أجل تدبير الجائحة، من قبيل لجنة للقيادة على الصعيد الوطني، ولجنة اليقظة الاقتصادية، وخلية وزارية مشتركة لتدبير الأزمة، ولجنة علمية وتقنية مختصة، ولجان اليقظة الإقليمية، وغيرها. غير أنه، نظرا لضرورة التفاعل على وجه السرعة مع مستلزمات هذه الظرفية الخاصة، فقد تم إسناد صلاحيات واختصاصات مهمة لهذه الآليات، لا سيما لجنة اليقظة الاقتصادية والخلية الوزارية المشتركة لتدبير الأزمة في اتخاذ العديد من القرارات والتدابير المهمة، دون المرور وجوبا عبر مجلس الحكومة أو البرلمان (على سبيل المثال: المساعدات المباشرة الممنوحة للأسر التي تعمل في القطاع غير المنظم).
واعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه المرحلة اتسمت باتساع هامش السلطة التقديرية المخولة للقوات العمومية المكلفة محليا بالسهر على تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالتقييد المؤقت لبعض الحقوق والحريات الدستورية، ومعاينة المخالفات والجنح المرتبطة بخرق أحكام حالة الطوارئ، وكذا فرض احترام تدابير التباعد التي جرى إقرارها في هذا الإطار، مشيرا إلى أن هذه السلطة التقديرية تمس الأفراد، في ما يتعلق بارتداء الكمامة الواقية أو عقد التجمعات أو التنقل خارج المنزل وبين المدن، كما تمس نشاط المقاولات عندما يتعلق الأمر بشروط إعادة فتح المحلات التجارية واستئناف العمل في المصانع ووحدات الإنتاج. وقد ولدت هذه السلطة التقديرية التي اتسع هامشها في بعض الأحيان إحساسا بالتعرض لتجاوزات، وشعورا بالحيف، بل أدت إلى حالات من التوتر في بعض الأحياء.
كما لاحظ المجلس أنه تمت تقوية الوصاية الإدارية والمالية على الجماعات الترابية (الجهات، مجالس العمالات والأقاليم، والجماعات) رغم أن هذه الأخيرة تتمتع بمبدأ التدبير الحر المنصوص عليه في الدستور (الفصل 136). وفي هذا الإطار، تم استنادا إلى الأحكام المنصوص عليها في المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، اتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير التي قلصت من مجالات تدخل الهيئات المنتخبة وأدت إلى مراجعة أولويات النفقات المبرمجة في ميزانياتها.
وأوصى المجلس بضرورة إدراج مقتضيات قانونية وبروتوكولات تدبيرية استثنائية في صلب حكامة الإدارات والمرافق والمؤسسات الدستورية والعمومية، بحيث يتم تفعيلها تلقائيا في حالة وجود «قوة قاهرة أو حادث فجائي» يستلزم الإعلان عن حالة استثنائية طبقا للدستور أو القانون، على غرار حالة الطوارئ الصحية، واعتبر المجلس أن الغاية من سن مساطر استثنائية بأثر استباقي وتوقعي ( من مقومات الأمن القانوني)، هو تأمين الاستمرارية الإدارية، وتمكين هذه المرافق والمؤسسات من تدبير مواردها البشرية والمالية واشتغال أجهزتها التداولية بكيفية مرنة وملائمة وناجعة، وبالتالي ضمان ولوج المرتفقين إلى خدماتها الأساسية.


الكاتب : عماد ع

  

بتاريخ : 21/11/2020

//