المغرب الزنجي (14) : حين كان المغرب يقايض عبيد مالي الزنوج بخيوله البربرية الأصيلة

صدرت منذ سنة ونصف الطبعة الثانية، من الترجمة الفرنسية لكتاب الباحث المغربي شوقي هامل، الحامل لعنوان: «المغرب الزنجي» (البعض يترجمه حرفيا ب «المغرب الأسود» وهي ترجمة غير دقيقة)، ضمن منشورات «ملتقى الطرق» بالدار البيضاء، التي أنجزتها الفرنسية آن ماري تويسن. وهو كتاب إشكالي، معرفيا وأكاديميا، يقارب واحدة من أعمق وأهم القضايا الثقافية والفكرية والتاريخية، ليس بالمغرب فقط، بل في كل الشمال الغربي لإفريقيا، ضمن المجال الذي بلغه ما يمكن وصفه ب «الإسلام المغربي» بمرجعيته المذهبية المالكية وبمدرسته في العبادات والعقائد (الأشعرية على طريقة الجنيد)، التي تبقى موروثا أندلسيا بها، سجلت لاختلاف واضح وكبير عن كل التجارب التأطيرية والفكرية والمذهبية بالمشرق العربي والإسلامي. وهي موضوعة «العبودية» وتبعاتها من سلوكيات عنصرية ضد «الزنجي» الأسود بها.
الكتاب الذي صدر في الأصل باللغة الإنجليزية، للباحث الأكاديمي شوقي هامل، الأستاذ المحاضر بجامعة أريزونا الأمريكية سنة 2013، ضمن منشورات جامعة كامبردج، يقدم مقاربة علمية جديدة لموضوعة «العبودية» ضمن التاريخ الإجتماعي للمغاربة، تأسيسا على ما يمنحه التأويل للنصوص الدينية ضمن مدرسة فقه النوازل المغربية. وهي مقاربة أكاديمية تسجل اختلافها من مرجعيتها الأنغلوساكسونية، المختلفة تماما عن المرجعية «الأفريقانية الفرنسية»، التي لها منطلقاتها المعرفية وإسقاطاتها التأويلية. وهي مرجعية أنغلوساكسونية أمريكية بالتحديد، تجد سندها في كم وحجم الثقافة الأكاديمية الهائلة الدارسة لموضوعة «العنصرية والعبودية» السوداء كما تجلت في التاريخ الأمريكي منذ القرن 17 الميلادي حتى اليوم.
بالتالي، فإن مغامرة ترجمة أجزاء كبيرة من هذا الكتاب الأكاديمي الهام، إنما تهدف إلى محاولة تقديم مقاربة معرفية أخرى لموضوع شائك مثل موضوع «العبودية والزنوجة» بالمغرب، تاريخيا وثقافيا وسلوكيا، من مرجعية فكرية مختلفة عن تلك التي تعودناها ضمن المنتوج الجامعي باللغة الفرنسية. خاصة وأن نقطة «قوة» (إن جاز لنا هذا التعبير) مقاربة الباحث المغربي شوقي الهامل، كامنة في أنه أصلا متمثل للثقافة والمعرفة الأكاديمية الفرنسية في هذا الباب، بسبب كونه خريج جامعة السوربون بباريس، التي حصل بها على الدكتوراه في التاريخ، مثلما اشتغل لسنوات هناك ضمن «مركز الدراسات الإفريقية» حيث تخصص في دراسة واقع إفريقيا ما بعد الإستعمار بمجتمعاتها التي تدين بالدين الإسلامي.

 

علق عدد كبير من المؤرخين بتفصيل على ثروات مانسا الغنية، وعلى كبير اهتمامها بتلقين تعاليم الديانة الإسلامية. وحسب المؤرخ الدمشقي إبن الفضل العمري، المتوفى سنة 1349 ميلادية، فإن: «(مانسا موسى) قد وحد بلاد السودان وألحقها بالمجال الإسلامي. حيث بنى بها مساجد بسيطة أو كبيرة، بمآذن، وفرض احترام صلاة الجمعة والصلوات الجماعية ورفع آذان الصلاة بها. مثلما استقدم فقهاء من المالكية، وأشرف بصفته سلطان المسلمين على دراسة أصول الشريعة وعلوم الدين».
مثلما علق ابن خلدون على ثروة مانسا، المتجلية من خلال كم الذهب والعبيد اللذين كانا في ملكيته. لأنه مثلما كان عليه الأمر في باقي مناطق العالم الإسلامي، فإن العبودية قد شكلت جزء من النسيج المجتمعي لإفريقيا الغربية. حيث كتب ابن خلدون يقول:
«لقد أدى (مانسا) فريضة الحج سنة 1324 ميلادي، وفي كل المراحل كان يمتع مرافقيه بأطباق نادرة ولذائذ متعددة. وكان ركابه محمولا بحوالي 12 ألف امرأة من الإماء (الوصيفات)، اللواتي ترتدين الديباج وحرير اليمن. وكان مانسا قد وصل محملا ب 80 حملا من تراب الذهب، ولا يستعمل في نقل ذلك سوى عبيدا من الرجال والنساء، وبسبب طول المسافة إلى الحج، فقد كان لكل واحد منهم مركوبه الخاص».
فيما انتبه المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، المتوفي سنة 1442 ميلادية، إلى أن الأوصاف المقدمة في ما يتعلق بالغنى الفاحش لملك مالي، إنما تقدم بعضا من النموذج حول تعميم الإستعباد بالعالم الإسلامي، يشمل كل الطوائف والإثنيات. حيث كتب يقول:
«قيل إن مانسا موسى قد حمل معه 14 ألف أمة شابة كن في خدمته الخاصة. وعملت حاشيته على استجلاب إماء صغيرات من تركيا وإثيوبيا، ومنشدات ومغنيات وأثواب، بالشكل الذي جعل الكساد يطال قيمة الدينار الذهبي الذي هوى بستة دراهم دفعة واحدة».
لقد تم تجسيد شهرة ذلك الملك، كما بلغ صداها إلى أروبا، من خلال الخريطة الكاطلانية المرسومة سنة 1375 ميلادية من قبل أبراهام كريسك دومايورك. حيث جعلت من الجزء الخاص بإفريقيا الغربية المجال الذي قدم فيه مانسا موسى كأغنى ملك وأكبر نبيل بكامل المنطقة. حيث تم تقديمه كرجل يمسك بعصا من الذهب الخالص، وعلى يساره يقف تاجر، تظهر ملامحه أنه من المغرب.
سيقدم الرحالة المغربي ابن بطوطة شهادة ممجدة للأمن واحترام الأجنبي والزوار ورفاهية المجتمع ببلاد مالي، حين قيامه بزيارة المنطقة سنة 1353 ميلادية، مبعوثا من قبل السلطان المغربي أبوعنان فارس (المريني) المتوفي سنة 1358 ميلادية. بل إنه سيقدم وصفا لبلاد مالي بصفتها شريكا غنيا من العالم الإسلامي. علما أن تلك الرحلة التي دامت سنة كاملة، قد حملته من العاصمة فاس صوب مدينة غاو، عبر طريق القوافل التجارية، حيث زار عددا من المدن والأسواق، من قبيل سيجلماسة وولاتة. وهو الذي دشن العلاقات الديبلوماسية بين المغرب ومالي، ولقد تم تمجيد تلك العلاقة الهامة والقوية، من خلال التمثال التذكاري الذي بعثه السلطان مانسا سليمان المخصص للسلطان المغربي المتوفى أبو الحسن (المريني). فقد كانت طرق القوافل حينها جد قوية وآمنة، وكان أفارقة إفريقيا الغربية يصدرون الذهب والعاج وريش النعام والجلود والعبيد، مقابل استيرادهم سلع إفريقيا الشمالية المتمثلة في الملح والخيول والأثواب والكتب والورق. ولقد مكنت مداخيل التجارة تلك ملوك مالي من تقوية مستوى بلادهم العسكري ومن امتلاك المزيد من الخيول لفائدة فرسانهم، مما ضاعف من حملاتهم العسكرية وغزواتهم للحصول على العبيد (يمكن العودة في هذا الباب إلى دراسة جورج نيامكي كودجو تحت عنوان «الغزوات وتنمية دول بلاد السودان الغربي» ضمن أعمال الندوة الدولية حول معاملة السود، المنشورة سنة 1988 من قبل سيرج داجي ضمن مكتبة تاريخ ما وراء البحار بمدينة نانت الفرنسية، في جزئه الأول، الصفحات من 19 إلى 35).
يورد المؤرخ العمري المتوفى سنة 1349 ميلادية، أن: «ملك تلك البلاد يستورد الخيول العربية بثمن عال جدا. حيث كان جيشه يقدر ب 100 ألف رجل، ضمنهم 10 آلاف فارس، والباقي من المشاة». وهذا يقوم دليلا قاطعا على مستوى غنى ذلك الملك، الذي كان بمستطاعه امتلاك 10 آلاف جواد. ومما سجله الرحالة ابن بطوطة أثناء زيارته للمنطقة، أن ثمن الجواد كان عاليا، وأن قيمته تصل حتى 100 مثقال من الذهب. بل إنه قد كانت تتم أيضا عملية مقايضة العبيد بالخيول. مثلما أن الحسن الوزان (ليون الإفريقي)، الذي عاش ما بين 1485 و1555 ميلادية، قد أورد لنا تفاصيل ضافية بعد رحلته إلى بلاد مالي سنة 1512 ميلادية، تبرز الأهمية الكبيرة لتجارة الخيول، قرنا ونصف بعد رحلة ابن بطوطة. ولقد أجمعت تلك المصادر البكر على تأكيد قيمة مستوى التجارة التي رسخها أولئك القادة الأفارقة على مستوى مبادلة العبيد بالخيول. ولقد قدم لنا ابن بطوطة في رحلته، تفاصيل عن خصوصيات المذهب المالكي المتبع على عهد السلطان مانسا سليمان هناك، خلال القرن 14 الميلادي. دون إغفال تقديمه أحكاما سلبية حول المجتمع المالي تعكس رؤية مركزية مغربية عربية أمازيغية، حيث إنه لم يكن يستسغ عددا من تقاليد الساكنة السوداء بسبب الأحكام المسبقة التي تؤطره وعدم تفهمه للتقاليد المحلية، من قبيل رواة وممجدي التاريخ المحلي («الغريو» أو «البارد»). فقد شكل أولئك الرواة المنشدون مصدرا للحفاظ على استمرار التقاليد والأعراف المحلية الحامية لنسيج مجتمعهم ولحمته. فقد كانت مكانتهم كبيرة، حيث إنهم حافظوا على موروث شفاهي عبر أغاني موزونة ومحكيات ونصوص تاريخية وأمثال ومواعظ. ومما يؤكد عليه، اليوم، الباحث المالي الشهير أمادو همباتي با، أنه: «في إفريقيا اليوم، فإن وفاة مسن يعتبر ضياعا لمكتبة قائمة بذاتها».
كان وصف ابن بطوطة للعبودية في مالي، شبيها للحال الذي كانت عليه تلك السوق التجارية بالمغرب، عدا عدم رضاه على تحرك الإماء بصدور عارية. حيث أورد أن العبيد ببلاد السودان الغربية هم من الجنسين وأنهم من كل الأعمار شيبا وشبابا. وأنهم يؤدون كل الأعمال من الجندية إلى الحراسة إلى نقل الرسائل إلى خدمة البيوت إلى التمتع بالجواري. مثلما أن الذكور منهم يعملون في مناجم الملح والنحاس، مثلما يعملون مساعدين للتجار وللحمالة. وبالإمكان بيعهم أو بيعهن أو معاقبتهم أو تقديمهم كهدايا. ولقد انتبه ابن بطوطة قبل وصوله بلاد مالي إلى عذابات الخدم في الصحراء، مؤكدا أنه «لا أحد يعيش في بلاد تاغازا عدا العبيد من قبيلة مسوفة من أمازيغ صنهاجة، الذين يستخرجون الملح. ويعتاشون من التمر المستقدم من بلاد درعة وسجلماسة وكذا من لحم النوق ومن حبوب النيلة المستقدمة من بلاد الساحل».


الكاتب : شوقي الهامل / ترجمة: لحسن العسبي

  

بتاريخ : 31/07/2021

//