المنافسة الصينية الأمريكية قد تصل إلى لحظة الخطر الأقصى خلال هذا العقد

منظمة الصحة العالمية تستعد لإنهاء سرديات المؤامرة حول فيروس كوفيد 19

 

جرى مواكبة الانتشار العالمي السريع للفيروس التاجي بفيض عارم من الأساطير وسرديات المؤامرة التي تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي. فمع تواجد الناس بمنازلهم، شكلت تطبيقات التواصل على غرار “واتس اب” و «تيك توك» نظام التوزيع المثالي للادعاءات الزائفة وللنظريات التي لا أساس لها من الصحة.
واحدة من أوائل الروايات القائمة على المؤامرة تلك التي تزعم أن كوفيد-19 قد تم تطويره في عام 2014 وأنه اختراع أميركى، ستستفيد منه الولايات المتحدة بإطلاق لقاح باهظ الثمن. وتناقل القصة شخصيات غامضة في وسائل التواصل الاجتماعي من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مذيع تلفزيوني عربي معروف، حيث جرى عرض نسخة مطبوعة من الصفحة الأولى من براءة الاختراع، ظهرت فيها كلمة فيروس التاجي، والتي تم نسج القصة الخيالية حولها.
ومع ذلك، إذا استغرق المرء بضع دقائق فقط فى الاطلاع على الوثيقة لكان قد اكتشف على الفور أن براءة الاختراع كانت في الواقع جزءًا من لقاح لمنع انتقال فيروس من فصيلة كورونا من الطيور إلى بيضها، وأن الورقة كانت موجهة لصناعة الدواجن. لكن أحداً لم يكلف نفسه عناء التحقق من هذه المعلومات قبل نشرها، و لا بد أن مئات الملايين قد شاركوها بالفعل. فقد استلمتها بتنسيقات ولغات مختلفة من الفرنسية إلى العربية ومن جميع أنحاء العالم و قضيت ساعات أتجادل فيها حول الموضوع وغباء تلك المزاعم ، كما فعلت مع ادعاءات مماثلة موضحة أدناه.
كما تستهدف سردية تآمريه أخرى الولايات المتحدة، حيث عرضت بعض شخصيات وسائل الإعلام الاجتماعية تقارير مكتوبة عن الأوبئة التي صنعتها الحكومة أو المخابرات الأمريكية منذ عقد أو أكثر. بيد أنه، للمرة الثانية، هناك تفسير بسيط لذلك. فهذه ليست المرة الأولى التي يصيب فيها العالم جائحة. ففي عام 1918، أودت الإنفلونزا الإسبانية بملايين الأرواح، في حين تسبب تفشي السارس في عام 2002 و MERS في عام 2012 وفيروس إيبولا في عام 2014 في إطلاق جرس إنذار واسع النطاق، إذ تعمل المخابرات الأميركية والمراكز الفكرية والبحثية في واشنطن منذ سنوات على التقارير التي تحدد السيناريوهات المحتملة للأوبئة. وقد نشرت معظم وسائل الإعلام أيضًا مواد مماثلة منذ عام 2002. بما يعنى أنه لا يوجد سر في ذلك ، والعديد منها متاح على الإنترنت.
وعقب وباء السارس، ألقى الرئيس جورج دبليو بوش خطابا يحدد الرد على تفشي المرض. ومع ذلك، حتى في الوقت الذي ضرب فيه الفيروس التاجي الولايات المتحدة بشدة، وجد منظرو المؤامرة طريقة لتدوير الوضع – والمثير للدهشة أن الكثير من الناس قد التهموه مثل الدواء.
وأخيرًا، تحاول إحدى نظريات المؤامرة الرئيسية ربط انتشار الفيروس التاجي بتطوير شبكات الجيل الخامس 5G ، والتي يُزعم أنها تقلل من مستويات المناعة. هنا أيضًا، تمت مشاركة مقاطع الفيديو من قبل شخصيات وسائل الإعلام الاجتماعية، وليس الخبراء، والتي تعرض خرائط 5G متداخلة مع خرائط حالات الفيروس التاجي.
لكن و كما نعلم جميعًا، فإن “الارتباط لا يعني السببية”. ببساطة عن طريق التحقق من عدم وجود 5G في إيران التي تعرضت لضربة قاسية أو معرفة أن أستراليا لديها 5G منذ مايو 2019، لكن الحالات ظهرت فقط في عام 2020، يمكن للمرء أن يبدأ فى التشكك بتلك التصريحات المريبة. ومع ذلك، يتجاهل الأشخاص الذين ينشرون هذه المعلومات العلماء والخبراء والمنظمين، وعوضاً عن ذلك يختارون التركيز على الإثارة، أو ما يغذي استياءهم تجاه البلدان أو الشخصيات العامة.
إذن، ما سبب هذه الظاهرة العالمية؟ هل تدفع المنظمات التي ترعاها الدول هذه القصص؟ الأهم من ذلك، لماذا يعتقد الكثير من الناس في هذه الادعاءات؟ وأخيرًا، لماذا لا تستطيع الحكومات فضح هذه النظريات بسهولة؟
جميع نظريات المؤامرة تعمل بنفس الطريقة. حيث يتم إخراج المعلومات من ساقيها الأصلي وعزلها مع إضافة أخرى مزيفة. ومن ثم، يجرى إعداد المكون الأخير المتمثل في تحليل خاطئ، والذى عادة ما يقدم من قبل شخصية موثوقة بوسائل التواصل الاجتماعي تتميز بالدهاء. وقد ينتهي الأمر بعرضه على شاشات وسائل الإعلام الشهيرة، مما يمنحه الشرعية النهائية.
على الرغم من كل هذا، يميل الناس إلى تصديق الروايات الملفقة وإرسال الرابط أو الفيديو. غير أنه مع الفيروس التاجي، قد يكون من المطمئن نوعاً ما الاعتقاد أو التفكير في أن هذا الوضع الرهيب ناتج عن قوة خفية أو منظمة شريرة وليس عن “الطبيعة”. فالخوف هو ما يستغله مؤسس نظرية المؤامرة في نهاية المطاف لتحقيق مكاسب سياسية أو لإحداث زعزعة بسيطة في الاستقرار.
في جميع أنحاء العالم، معظم المجموعات أو الأفراد الذين يدفعون بنظرية المؤامرة متشابهون إلى حد بعيد. سواء كانوا من اليمين المتطرف أو اليسار، فقد استغرقوا فى ذلك قبل جائحة الفيروس التاجي وسيواصلون بعد انتهائها بإذن الله .حيث يتعلق الأمر دائمًا بزرع الشك، والاعتداء على شرعية الحكومات والمؤسسات التراثية والمصادر التقليدية للاستقرار العالمي.
في المناخ العالمي التنافسي الحالي، اتهمت الولايات المتحدة روسيا والصين بالتورط في نشر هذه الادعاءات الزائفة. وبغض النظر عن كونهما لهم دور في ذلك أم لا ، فإن الهدف المفضل لمنظري المؤامرة سيظل الولايات المتحدة بسبب قيادتها واستقرار دورها العالمي.
إن الحل الواضح الوحيد للمشكلة هو عودة الناس إلى الفطرة السليمة ، والانفتاح والتعاون بين قوى العالم. لاسيما وأنه في مثل هذه الأوقات العصيبة حين ينتشر عدم اليقين والشك والخوف بين الناس والقادة تتشكل أرضية خصبة لنظريات المؤامرة.

هل تتعاون واشنطن ؟

عادة ما تولد الأمراض المعدية فرصًا للتعاون الدولي. غير أن ما شهده العالم هو التراشق بين واشنطن وبكين إذ عززت كلا الدولتين نظريات المؤامرة، عكس ما فعله البلدان إزاء تفشي السارس عام 2003، على سبيل المثال.
كان ينبغي أن يوفر تفشي كوفيد -19 فرصة مثالية للصين والولايات المتحدة للارتقاء فوق خلافاتهما ومعالجة التهديد المشترك معًا. حيث كان يمكن للبلدين أن يتعاونا لدعم منظمة الصحة العالمية في تنسيق الاستجابة الدولية للوباء. كما أن خبراء من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في أمريكا كان بإمكانهم أن يساعدوا بكين فى البحث حول أصل وطبيعة الفيروس “الغامض” . فيما كانت الصين تستطيع، بصفتها رائدة في تصنيع وتصدير المكونات الصيدلانية الفعالة، أن تعمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة لتقليل تعطيل سلسلة توريد الأدوية. إذ يتمتع كلا البلدين بقدرات قوية لتصنيع اللقاحات وبإمكانهما تعبئة هذه القدرات في جهد تعاوني لتطوير اللقاح وإنتاجه وتعميمه على جميع دول العالم، بدل هذا الصراع الذي نعيشه الآن، والذي يستثني الدول الفقيرة.
مثل هذه الجهود، إلى جانب اتفاقية التجارة التي توصل إليها البلدان في 13 ديسمبر 2019، كان من شأنها أن تهدئ التوترات وتعيد تنشيط العلاقة التي أفاقتها الحرب التجارية والتنافس الاستراتيجي على مدى السنوات الثلاث الماضية..
اقد استاءت الصين ليس فقط من المسؤولين الحكوميين فى واشنطن ولكن أيضًا من وسائل الإعلام الأمريكية. واعتبارًا من فبراير ، أفادت وسائل الإعلام الأمريكية بقوة عن تفشي COVID-19 في الصين، فضلاً عن أن انتقادها لتعامل البلاد مع الأزمة أثار غضب الحكومة الصينية. وفي 3 فبراير 2020 ، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مقال رأي بعنوان “الصين هي رجل آسيا المريض الحقيقي”. على الرغم من أن المقالة وصفت فقط مشاكل الحكم الصيني ، إلا أن العنوان أنعش الذاكرة التاريخية للصين التي تعرضت للإذلال والتسلط من قبل القوى الغربية. وبكلمات كوي ، كان الأمر “مهينًا جدًا للأمة الصينية بأكملها”.
وندد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بالمقال واصفاً إياه بالـ”عنصري” و الـ”ضار” وطالب باعتذار مفتوح ورسمي من صحيفة وول ستريت جورنال.
وقبل أن يهدأ الغضب من المقال، فرضت إدارة ترامب قيودًا جديدة على عمل وكالات الأنباء الصينية التي تديرها الدولة في أميركا، مما قلص من عدد المواطنين الصينيين الذين يمكنهم العمل في الولايات المتحدة إلى 100 موظف فى خمس مؤسسات إخبارية تعمل هناك. مما أجبر 60 موظفا صينيا على مغادرة البلاد. في اليوم التالي ، أعلنت الصين أنها ستطرد ثلاثة مراسلين من وول ستريت جورنال في بكين.
في غضون ذلك، بدأ الجانبان يتنازعان لفظيا حول أصل الفيروس. وأشار توم كوتون، السناتور الجمهوري من أركنساس، الذي يعمل في لجنة المخابرات ولجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ ، إلى أن الفيروس ربما يكون قد جاء من برنامج الحرب البيولوجية الصيني ، وهو اتهام اعتبره كوي “مجنونًا تمامًا“.
ومع ذلك، روج المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، لنظرية مؤامرة مماثلة، على تويتر حيث أشار إلى أن جنود الجيش الأمريكي ربما جلبوا الفيروس التاجي إلى ووهان.
كان رد فعل تشاو على الأرجح على ملاحظات بومبيو في 6 مارس أن “فيروس ووهان التاجي” تسبب في الوباء وأن افتقار الصين للشفافية قد أخر الرد الأمريكي. وفي مكالمة هاتفية، حذر بومبيو كبير الدبلوماسيين الصينيين يانغ جيتشي من نشر “شائعات غريبة” حول الفيروس.
وبحسب ما ورد نبه يانغ بومبيو بأن محاولات تشويه جهود الصين لمكافحة الأوبئة “لن تنجح.
وصعد ترامب الخلاف الدبلوماسي حول تفشي المرض في 16 مارس بالإشارة إلى COVID-19 على أنه “الفيروس الصيني”، على الرغم من أن تسمية الأمراض وفق الأماكن أو الأشخاص (على سبيل المثال ، الإنفلونزا الإسبانية، والتهاب الدماغ الياباني، والحصبة الألمانية، والإنفلونزا الروسية) ليست شائعة، فقد أصدرت منظمة الصحة العالمية في عام 2015 أفضل الممارسات لتسمية الأمراض المعدية البشرية الجديدة حيث اوصت بعدم استخدام الإنسان أو الجغرافيا كأسماء للأمراض.
ولمس استخدام ترامب المتعمد عصبًا خامًا في الصين وأثار ردة فعل قومية. فقد وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية الاسم بأنه “حقير”. في اليوم التالي، أعلنت الصين أنها ستطرد المزيد من الصحفيين الأمريكيين، بما في ذلك أولئك الذين يعملون في نيويورك تايمز، وول ستريت جورنال، وواشنطن بوست.
وصرح والتر راسل ميد كاتب المقال الذى أثار غضب السلطات الصينية لأول مرة، أن إبعاد الصحفيين لن يؤدي إلا إلى “ترسيخ الإجماع بين الحزبين” في الولايات المتحدة على أن الصين تشكل تهديدًا عدائيًا.
ومع أن تفاقم الحرب الباردة المتصاعدة بين البلدين في خضم الوباء يمكن أن ينعكس على الولايات المتحدة، حيث حمل مقال وكالة أنباء شينخوا تهديدًا ضمنيًا مفاده: يمكن أن “تغرق الولايات المتحدة في البحر العظيم للفيروس التاجي” إذا فرضت الصين ضوابط على تصدير المكونات الصيدلانية الأساسية وأقنعة الوجه.
بيد أنه في 13 مارس، كتب رئيس جامعة هارفارد لورانس باكو في رسالة بريد إلكتروني إلى مجتمع الجامعة أن كوفيد- 19 سيختبر قدراتنا على أن نكون طيبين وسخيين، وأن نرى ما وراء أنفسنا ومصالحنا الخاصة.” وأضاف: “مهمتنا الآن هي تقديم أفضل ما لدينا وما نقوم به إلى عالم أكثر تعقيدًا وإرباكًا مما يريده أي منا.”
في الولايات المتحدة والصين ، رأينا أشخاصًا يمدون يد المساعدة لبعضهم البعض. ففي 27 يناير ، خصص بيل جيتس 5 ملايين دولار من أموال الطوارئ لدعم حرب الصين ضد الفيروس. ثم تابع ذلك بتعهد يصل إلى 100 مليون دولار. وفي صباح يوم 16 مارس ، وصلت أول شحنة من تبرع الملياردير الصيني جاك ما ، والتي تضمنت مليون قناع و 500000 مجموعة اختبار ، إلى الولايات المتحدة.
للأسف ، الديماغوجيون ومروجو الشائعات يعرقلون مثل هذه الجهود الإنسانية الأساسية وأفعال الضمير. فعندما يبالغ السياسيون والدبلوماسيون في ردود فعل بعضهم البعض ويبدأ سجال تصريحاتهم غير البناءة وغير المتعاونة ، فإنهم يخلقون دوامة هابطة تفعل أكثر من كوفيد-19 لدفع العالم إلى يوم القيامة.

دائرة الخطر .. الأزمة القادمة

في دوائر السياسة الخارجية ، أصبح من الحكمة التقليدية أن أمريكا والصين تديران “ماراثون قوة عظمى” قد يستمر قرنًا من الزمان. ولكن ماذا لو كانت أشد مراحل تلك المنافسة شبهاً بعدو سريع يمتد لعقد كامل؟ من المؤكد أن المنافسة الصينية الأمريكية التي يقودها تضارب المصالح الجيوسياسية والعداء الأيديولوجي الصارخ لن تتم تسويتها في أي وقت قريب.
ومع ذلك، فإن شدة حتى أطول المنافسات يمكن أن تختلف اختلافًا كبيرًا بمرور الوقت.
يشير كل من التاريخ ومسار الصين الأخير إلى أن المنافسة الصينية الأمريكية قد تصل إلى لحظة الخطر الأقصى خلال هذا العقد. والسبب في ذلك هو أن الصين قد وصلت إلى لحظة محفوفة بالمخاطر بشكل خاص في حياة قوة صاعدة– وهي النقطة التي اكتسبت فيها القدرة على تعطيل النظام الحالي بشكل كبير ولكنها فقدت الثقة في أن الوقت في صالحها.
فمن ناحية، كان ميزان القوى يتغير لصالح بكين في مجالات مهمة من المنافسة الأمريكية الصينية، مثل مضيق تايوان والصراع على شبكات الاتصالات العالمية. علاوة على ذلك، تستطلع الصين حاليًا العالم والقوة العظمى المنافسة المحبطة والمشتتة للانتباه. من ناحية أخرى، تواجه الصين، منذ سنوات، تحديات سياسية واجتماعية وديموغرافية تلوح في الأفق. ليس أقلها، أن الحزب الشيوعي قد أثار الآن رد فعل استراتيجي معادًا ليس فقط من أمريكا ولكن أيضًا من المجتمعات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
اليوم، تواجه الصين خصومها على جبهات متعددة في وقت واحد. فالحكومة تعلن عن تصميمها على إعادة تايوان إلى قبضتها، وخلق مجال نفوذ في المحيطين الهندي والهادئ، وإعادة ترتيب النظام الدولي حسب رغبتها.
النبأ السيئ هو أنه على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة، ستكون وتيرة التنافس الصيني الأمريكي متوترة، وستكون احتمالات نشوب حرب في المناطق الساخنة مثل مضيق تايوان حقيقية بشكل مخيف، حيث تميل بكين إلى الاندفاع نحو أهدافها الجيوسياسية. ستظل أمريكا بحاجة إلى استراتيجية مستدامة لإدارة وربح منافسة عالمية طويلة الأمد. لكنها تحتاج أولاً إلى استراتيجية قصيرة المدى للتنقل في منطقة الخطر.


الكاتب : وكالات

  

بتاريخ : 03/04/2021

//