«المنطقة الشرقية والبحر الأبيض المتوسط.. ما وراء الحدود» مؤلف لليلى المزيان والمدير العام لوكالة تنمية أقاليم الجهة الشرقية محمد لمباركي


جاء مؤلف “المنطقة الشرقية والبحر الأبيض المتوسط.. ماوراء الحدود”، لأستاذة التاريخ المعاصر ليلى المزيان، وبمشاركة المدير العام لوكالة تنمية أقاليم الجهة الشرقية، محمد لمباركي، كثمرة تعاون بينها وبين وكالة تنمية أقاليم الجهة الشرقية، بغية تجميع كل الوثائق والمعلومات المهمة والمصادر التاريخية، المتحدثة عن الدور المهم الذي لعبته سواحل الجهة الشرقية في الحركة الملاحية للسفن، سواء التجارية أو لنقل الأشخاص، المتنقلة بين أوروبا والمغرب في الماضي، ولاستشراف، من خلال أسطره أيضا، الدور الذي ستلعبه هذه السواحل في الحركة الديناميكية للسفن في المستقبل، وعلاقتها بنهضة المغرب وازدهاره الاقتصاديين.
جاء في مقدمة مؤلف ليلى المزيان ما يلي: “لدى المغرب حظ وفير بإطلالته على واجهتين بحريتين، ألا وهما البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ذي الرواج الملاحي للسفن الأكبر مقارنة بشقيقه، كما تمتد هذه الواجهة البحرية، على مسافة تقرب من 3400 كلم، التي تعكس كرم الضيافة المغربي، غير أنه ومع الغوص في تاريخ هذا البلد، يلاحظ سعي رجاله لترويض الطبيعة وتطوير ثقافتهم البحرية، يتضح ذلك جليا في كل المراكز البحرية، الممتدة من العصور القديمة، مرورا بالقرون الوسطى، الأزمنة الحديثة والمعاصرة، التي تعتبر شاهدا متميزا على هذا التاريخ.
في هذا العمل الذي بين أيديكم، سننكب على مواكبة هذا التطور، منذ العصور القديمة وإلى غاية اليوم، وعلاقة المغاربة بالبحر الأبيض المتوسط، وسنركز بالخصوص على المنطقة الشرقية، التي تعتبر سواحلها واحدة من أبرز الشواطئ المعروفة بالمغرب.
من النظرة الأولى، قد يتبادر إلى الذهن بأن هذه السواحل مهمشة، إلا أنها ليست سوى كيان له حياته الخاصة. لقد كانت ميدان الإنسان، فبالرغم من امتدادها الشاسع، إلا أننا نلاحظ الحضور الجلي لجهة تاريخية كبيرة. بفضل المصادر العربية والأوروبية، غنى المحفوظات الأرشيفية الإسبانية والفرنسية، التي بدورها تكمل بعضا من الأعمال المنشورة مسبقا والأبحاث المشرف عليها على طول مساحة الواجهة، سنتمكن من استكشاف علاقة الإنسان بهذا الفضاء الساحلي الديناميكي ذي الشكل البحري. الحق يقال، لقد تركوا لنا شهادات معمارية، أدوات، معدات للصيد وأيضا هوية لغوية خاصة. فمنذ الأزمنة القديمة وتحديدا في العصور الوسطى، بدأت طرق الشحن والتبادل البحرية الرئيسية نحو البلدان البعيدة تشق طريقها، مفتوحة على نطاق واسع في الحوض الغربي والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا تحديدا بالأندلس، وإلى الشمال، لتترجم إلى كثافة تجارية أعقبها نشاط مينائي واضح انطلق من باديس وصولا إلى تاونت في الشرق، بالقرب من السواحل الجزائرية.
إن هدفنا يتمركز حول التعريف بالحياة العميقة للساكنة، التي تعيش في ومن الشواطئ، بالمهن وتقنيات الصيد على السواحل، وعلى مدى هذا الشريط الساحلي، فهنا تعيش وتتموقع ثروة بلاد الشرفاء.”.
تنتقل الكاتبة بعدها إلى الصفحة 19، التي تتحدث عن السفن والتنقل البحري، نشارككم شيئا مما في أسطرها، حيث قالت : “منذ الأزمنة القديمة، تمكن المغرب من استغلال وضعيته البحرية الممتازة كيفما يشاء، من أجل الخوض في تبادلات غنية مع العالم المتوسطي، وهذا بالرغم من حذره من الأخطار المتعددة التي اتسمت بها هذه “الحدود” البحرية، مصدر الغزوات الأجنبية، العواصف القاسية وحطام السفن. تحول المغربي شيئا فشيئا إلى بحار بالرغم منه. على غرار البحارة المتوسطيين الآخرين، تجنب البحارة التنقل ليلا، وذلك بسبب صغر السفن وعدم القدرة على تحديد الوجهة الصحيحة، كما أن حمولتها لا تتجاوز 60 طنا. إن التأكيد في هذا الصدد، يأتي من نوع الملاحة الممارسة على طول السواحل المغاربية، والتي أدت إلى التأسيس، تزامنا مع نهاية الألفية الثانية قبل عصرنا الحالي، لسلسلة كاملة من الطلعات الفينيقية المتباعدة عن بعضها بحوالي 30 كلم، أي ما يقرب من مسيرة ملاحية ليوم واحد، بحسب ما كتبه المؤرخ الفرنسي جون روجي. بمرور الزمن، استبدل الفينيقيون بالقرطاجيين، باعتبارهم قوة بحرية كبيرة في المنطقة، لتتحول مراسي المبيت البسيطة إلى أروقة مؤقتة للمقايضة، ليتم تحويل البعض منها في وقت لاحق إلى مؤسسات دائمة. هذا حال سلسلة من المواقع المنتشرة على طول الساحل المغربي، وهي (روسادير، آد سيكس أنسولاس، تامودا، سيبتيم، تينجيس، زيليس، ليكسوس، تاموسيدا…)، وهي مراسي كانت مجرد ملاجئ محمية بشكل جيد، قبل أن تمر بتحولات طفيفة جعلتها مناسبة للخدمات المتوقعة منها”.
في نفس السياق، جاء في استهلال المؤلف ما يلي: “لقد مارس البحر دائما الكاريزما الغامضة له على الشعراء والمستكشفين، مثيرا رغبة جامحة للبحث عن الكنوز الرائعة، أو ، بكل بساطة، في كل ما يثير الرغبة في الانفتاح على العالم، لكي يتخلى الإنسان عن الحدود من أجل استكشاف آفاق جديدة. هذا بالضبط ما يربطنا بالشرق المتوسطي، بيد أن هذا الكتاب، كما هو مختص، غني بالأفكار التشغيلية. اليوم، هذا “السعي وراء الآفاق الجديدة” يعني، بالنسبة لنا، الاستثمار في مساحات ثقافية واقتصادية جديدة، في صانعي الثروة، في التقدم والقيمة.
يقول شارل بودلير، في ديوانه الشعري “أزهار الشر”:“أيها الإنسان الحر، ستعتز بالبحر دائما! فالبحر مرآتك :حيث تتأمل نفسك”، وهذا ما ينطبق على الحياة البحرية في منطقة الشرق، مرتبطة عادة بالمجال المتوسطي المغربي، فهي تاريخ ممتد على عدة قرون من حياة الرجال الأحرار، أو في “روح” الشاعر المعبر عن الفعل، توجِّه البحارة الشجعان، تحتوي جرأتهم أو تحفز بطولاتهم في بعض الأحيان. علم بودلير، مؤلف “الرجل والبحر”، بمدى احترام البحار ل”الأزرق الكبير” والتحديات التي ترافقه، المرتبطة بالمناخ، قوى الطبيعة، وما يتعلق بالبحث عن الرخاء الجديد.
لقد عرف البحر الأبيض المتوسط دائما بمثابة “بحيرة العرب”، فيه ستعرف موانئنا وكذا بحارتنا، على حد سواء، أمدا طويلا من النجاحات العسكرية، الدبلوماسية، التجارية وغيرها… حكاية كاملة مبنية على التبادلات، الصيد، علاقات الهدنة، وأيضا التسابق، نشاط القرصنة البحرية الملتهب، الذي عرف أوجه في غرب البحر الأبيض المتوسط… بعجالة، إنه تلاحق للفترات الهادئة والمتوترة المميزة للطباع المتوسطية!
مكن علم الفلك العربي البحارة من أفضليات قيمة ومصيرية، كما الحال بالنسبة لخبرة النجارين البحريين، ووفرة الغابات في المنطقة مكنت من إنتاج سفن قابلة للمناورة، مناسبة بشكل خاص للمعارك البحرية، وأيضا لأنشطة النقل وصيد الأسماك، بحسب الحاجة في ذلك الوقت. إن هذا المؤلف، يشرح كل هذا بالتفصيل، والدليل، ويوضح النصوص بأيقونات غنية و حصرية! مع شهادات ذات صلة، تصاحب وتدعم تحليلا يجعلنا نتجاوز الحدود الجهوية.
لعبت موانئنا وملاجئنا الساحلية دورًاكبيرًا. إذ كانت متنفساً للمغرب المتوسطي، والمنطقة، وواجهة ضرورية لمبادلاتنا مع الأندلس على وجه الخصوص. كما أنها كانت في وقت لاحق، موضوعا أسال لعاب القوى الأجنبية، إذ تحولت الفرصة لنكون قادرين على الاستفادة منها، إلى سوء حظ من قبل شهوة الفاتحين من الشمال.
يحكي هذا المؤلف أيضا، عن الخيارات المفروضة، النضالات والتحديات الكبيرة للسيطرة على البحار، أولا وقبل كل شيء، بحرنا الأبيض المتوسط. ربما لم يتمتع هذا الساحل، في حقبة معينة بالأهمية التي يستحقها، عندما كان المحيط الواسع يبدو واعدا أكثر. على هذا الأساس، أصبح البحر الأبيض المتوسط المغربي متكتماً وصامتا أكثر، متحولا تدريجياً إلى مساحة من القرب والترفيه، وأشبه بفضاء خارجي! لدرجة أن المملكة بدت شيئاً فشيئاً تدير ظهرها له.
لقد بصم العهد الملكي الجديد هذا أكثرمن كونه انعطاف : انعكاس كامل لرؤية المغرب وأولوياته البحرية. فبخلاف ما صدر عن الخبراء والتكنوقراط وغيرهم من المحللين في التجارة الدولية،عرف جلالة الملك محمد السادس، كيف يتخذ الخيار الاستشرافي ويلم جمع ميناء طنجة المتوسط: باختياره العودة التاريخية نحو المغرب المتوسطي الكبير. وفي حين أن الجميع اليوم، يرحب بهذا النجاح المغربي المهم والرائع، إلا أن قلة منهم تتذكر المشروع الأولي الذي دعمته في ذلك الوقت، جميع مهارات اللحظة، المتبناة بقناعة قوية،لاختيار “ميناء أطلسي في المياه العميقة”… ولكن هذا القرارغير المتوقع، أذهل به العاهل المغربي العالم، مبرزا تفوقه السريع والشامل، الذي لم يتوقف عن دعمه.
هذه العودة التاريخية، إلى الأسس المتوسطية للمملكة على وشك أن تتخذ خطوة ثانية،على وجه التحديد في موقع برنامج “الناظورويستميد” العملاق والطموح. المشروع، الواقع في خليج “بيتويا”، في قلب واجهة البحرالأبيض المتوسط الشرقية المغربية، سوف يثبت المنطقة بين عمالقة الموانئ العالميين. وهي مثل من سبقها و سيليها، تعتمد على نشاط لوجستي مكثف يحتل المغرب فيه موقعاً بحريا مثالياً. هذا هوالوعد برئة جديدة للمنطقة، قطب جديد من الازدهار. فهولايزال مغمورا في تاريخ البحرالأبيض المتوسط الكبير والطويل للمملكة.
دعونا نتذكر، قبل خمسةعشرعاما، في 18 مارس 2003، في مبادرة التنمية الملكية للمنطقة الشرقية،حيث قال جلالة الملك: “إن ما نبحث عنه من خلال هذا المشروع الهام، أن نفتح بوابة متوسطية لتنمية المنطقة، وأن نساهم علاوة على ذلك، في توطيد الاقتصاد الوطني وتعزيزمجمع طنجة المتوسطي الكبير. وهكذا، نكون قد أنجزنا مشروعنا الاستراتيجي، الذي يهدف إلى جعل منطقة البحرالأبيض المتوسط، رافعة قوية للإقلاع والتنمية الوطنية، وللشراكة الاقتصادية والاختلاط الثقافي”.
وإذا كانت هذه اللوحة، أحجية هائلة من الإنجازات، تأخذ منعطفاً شاعرياً، فهذا لأنها متجذرة في تاريخنا الإقليمي العميق، الذي يكاد يكون مستتراً، على استمرارية مؤسساتنا، وإتقان تاريخنا البحري، لدرجة أن هذا العمل كان أكثر من ضروري لمنع تلاشي هذا التاريخ. إن رغبتنا تكمن في أن تكون المنطقة معروفة ومدروسة، وأن تطلع ساكنة المنطقةعليه وتستأنس به، ولأولئك الذين ينظرون إلينا ويزوروننا ليحظوا،على الأقل/ بالأساسيات.”.

محمد لمباركي: العودة إلى الماضي لاستشراف المستقبل

تنتقل ليلى المزيان إلى الخاتمة، للحديث عن ماضي البحر الأبيض المتوسط ومستقبله، معنونة إياها “الأمس، في قلب العالم المعروف.. غدا، على “طريق الحرير؟””، واستقت حديث لمباركي الذي يقول فيه: ” للبحر الأبيض المتوسط أصوله اللاتينية التي تتحدث عنه: ومركزه وسط الأراضي !. إن هذا البحر قد لا يبدو منطقيا، قد لا يأخذ على محمل الجد تاريخه وحاضره إلا في حالة من يتحدثون عنه. اليوم، يعيش على مقربة منه 23 بلدا، يسكنها ما يبلغ من 500 مليون شخص !. وبالانتقال بين اللغات، سيعرف أيضا بالبحر الأبيض أو البحر الروماني، طريقة تشابه سابقاتها للتذكير بأن هذا البحر… هو أم حضاراتنا !
لقد امتلك الجميع، الإرادة لغزو هذه البحيرة العظيمة المفتوحة على المحيط، والحلم بحدود جديدة وبعيدة… يحسب لهم نجاحهم في بعض المرات، كما الحال لخسارتهم تقريبا في نهاية المطاف. إن حكمة القرن الخاص بنا، تكمن في تثبيته السليم لواقع استرضائي تقريبي، يعطي الحق لمجتمع في تقرير مصير الدول المجاورة، بعد الكثير من الصراعات العبثية. وفي حالة خسارة القليل منهم، إلا أنهم من جهة أخرى يأسسون لقيم عالمية جديدة، سمات تميز المنطقة المتوسطية ! يكشف الأفق بالفعل، ملامح عالم جديد تغذيه إلى حد كبير الدروس المستفادة من تاريخنا المشترك. -إن قراءة هذا الكتاب، هي الاستنتاج الأول الذي يجب التمسك به.
صوب الشمال، نجد الحدود البحرية تكون منطقتنا، حيث تربتنا المغذية هي لحمنا ، وما بينهما، الساحل، كالجلد، يحمي ويؤطر المبادلات. بيد أن موانئنا هي مسام هذا الجلد. ومنها تمرر جميع المشاركات. منها تنبثق كل ثرواتنا ونستقبل ثروات الآخرين، وكذلك الحال بالنسبة للثروات السمكية التي ساهمت دائما، ولا تزال حتى اليوم، في إغناء المطبخ المغربي.
لم يتوقف المغرب المتوسطي عن التنفس عبر سواحله. لقد استغل السكان الأوائل للمنطقة من العرق البشري بشكل واسع، فارضين على أنفسهم أحيانا مسيرة طويلة للوصول إليه، فعلى سبيل المثال، بغية جمع القواقع الثمينة، قبل العودة إلى مساكنهم في أقصى البلاد. في حركة دائمة ! ما بين الأرض و البحر ذهابا وإيابا أو العكس، فمنذ القديم منح كل منهما للآخر ما يعنيه… فمنذ القديم، شكل هذا البحر وهذه الأرض، دائما، أنماط حياة تطمئن وتحرر وتحمي.
وإن كان علينا أن نقدم ملاحظة ثانية، فستكون حول هذا الاستقلال، المؤكد من قبل التاريخ، المرتبط بالرغبة في الحضور و إثبات نفسه، في وجه العطش المتزايد لاستكشاف الآفاق الجديدة. لذلك فمن الصعب فهم البحر الأبيض المتوسط لمنطقة الشرق، دون أن نربطه بالأراضي الداخلية الجهوية، إذ يستحيل تصور مستقبله دون النظر إلى الوعود الهائلة لساحله.
إنه بحر غريب، شبه مغلق، يفتح هنا بالضبط، تحديدا في منطقة الشرق، في ممر على بعد بضعة كيلومترات، حيث يدعم واحدة من بين أكثر الحركات المرورية كثافة في العالم. فعلى غرار المغرب، تستثمر العديد من البلدان الساحلية بكثافة في بنياتها التحتية، لأن كل الإشارات تشير إلى أن هذه الحركة ستزيد من كثافة التدفقات البحرية. إن عودة المغرب المتوسطي عبر بوابة ميناء طنجة المتوسط، كانت قرارا يترجم النظرة المستشرفة للمستقبل في المغرب، الذي يعدنا نجاحه بنجاحات أخرى في القادم من الأيام…
عرف البحر الأبيض المتوسط دائما كبحر عابر للقارات، ما بين إفريقيا وأوروبا. وهو الآن، على وشك أن يمنح الكثير من الأفضليات، بحر أمريكي و آخر أسيوي… ما دامت التغيرات في البحر الأبيض المتوسط المغربي ستفتح آفاقا جديدة. إن المشاريع الساحلية الكبرى، وخاصة مجمع “الناظور ميد”، الذي لا يزال قيد الإنشاء، يفتح المجال على البعد العالمي الذي تصبو القارة إليه، وخصوصا المغرب الكبير أولا.
ومن هذه الحقائق، تبرز لنا نتيجة ثالثة تمثل لنا أملا عميقا، وهو الوعد القوي بازدهارنا الجهوي. فمن العصر الحجري القديم إلى يومنا هذا، واصلت المناطق الجهوية البعيدة عن سواحلنا توسعها، لتشكيل مساحة تشارك في نشاطات وتتقاسم فوائد هذا البحرالغارق في التاريخ. تدريجياً، انتقل عمقه من بضعة كيلومترات، إلى عشرات ومئات، والآن آلاف الكيلومترات التي سوف تتحكم تدريجيا فيً تبادلاتنا، وستخلق ثروة وفرص عمل جديدة. هذه المساحات الجديدة تتطلب منا أن تخترع أحياء جديدة، لبناء نموذج جديد للتنمية…
إن السياسة الدولية للمملكة، هي تأكيد تام لعمق الإرادة الإفريقية للمغرب. إذ تستعد الآن، للاستجابة للتحدي الهائل القادم من الصين، بالرغم من كونه يبدوحتى الآن بعيدا، لكن قريبا أكثر من أي وقت مضى، مع العودة الفعلية لما يسمى ب”طريق الحريرالجديد”، الذي يمكن أن يطوق العالم يوما ما، ونرى معه بلادنا تصبح تدريجيا، ذروة مغاربية لهذا التدفق الاقتصادي الهائل، فهل تعززها ربما ذكرى “ثورة الملك والشعب”؟.
إن تحقيق ذلك، يرتبط جدا بالبنية التحتية الحديثة المتعددة الوسائط، الكفاءة، الطرق السريعة،السكك الحديدية، الهواء. لكن ماذا عن البحر؟
إن الإجابة هي “نعم”، فموانئنا والخدمات اللوجستية التي تصاحبها، هي المعالم البارزة لهذه الاستراتيجية العالمية. فأين ترسو السفن، يجب التوفر وإتاحة الموارد البشرية الأنسب، والتي سوف تعزز من خلال التدابير المتعلقة بالتعليم والتكوين المهني، المعلن عنها في الخطاب الملكي في 20 غشت 2018.”.
*في نهاية مؤلفها، تشاركنا ليلى، ما جاء على لسان لمباركي، حول نظرته للمستقبل، حيث قال: “وهكذا، فإن تمكيننا من التعبير عما يروج داخلنا سيحيلنا إلى بعض من السمات البحرية لهذا الشاطئ، التي أدركت في وقت مبكر إمكاناتها البحرية. إن هذا العمل، ليس سوى شاهد على حيوية والديناميكية المذهلة للحياة، في هذه الوجهة البحرية للمنطقة الشرقية. لقد تمعنا عن قرب، النصوص الداعمة والأيقونات المساعدة، التي وفرها البحر في أزمنة مختلفة جدا، التي تصل لنفس اليقين. وهو حضورها في حياة الرجال، الذين تمكنوا من نسج روابط متنوعة معها، وصلت لحد العلاقات الحميمة.
لقد حاولنا بمرور الوقت إعادة تتبع كيفية تمكن هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط، من استغلال المزايا التي عرضتها عليها بيئتها الجغرافية الفريدة، المتقاطعة مع أهم الخطوط البحرية العالمية، من أجل تطوير ثقافتها البحرية الخاصة. بطبيعة الحال، لقد عرفت هذه المنطقة منذ القديم، بطبعها الجهنمي وباعتبارها حدا مرعبا، بالكاد أخذت في الحسبان في العصور القديمة، لتصبح في ما بعد عنصرا أساسيا في يد السلالة الحاكمة، سواء على المستويات التجارية، السياسية أو حتى العسكرية. لقد تمكنا في هذا الصدد، من التتبع القريب لهذا التطور، منذ الأزمنة القديمة وصولا إلى اليوم، ومتابعة علاقة المغاربة بالبحر الأبيض المتوسط. لقد تم التركيز خصوصا على السواحل الشرقية، باعتبارها آخر الشواطئ التي لم تنل حقها من الدراسة في المغرب، والتي هي أبعد من أن تكون متجانسة، لأنها تتكون من أقاليم تاريخية متعددة، مختلفة جدا عن بعضها البعض، إلا أن بعضها يكمل البعض الآخر، ولتتشابك في نهاية المطاف بشكل وثيق مع الحياة المتوسطية.
إن المصادر والدراسات المتوفرة، تؤكد بما يقطع الشك، بأن الحياة الاقتصادية في الساحل الشرقي، ارتبطت بشدة بالبحر، في علاقة حميمة ساهمت في تكوين الكون الخاص لهذه العوالم الحية وطفراتها، التي بالرغم من بطئها، سواء على مستوى الموارد التراثية المحددة (التراث الغني، المعدات، طرق الصيد، دوران البحر)، أو التاريخية، أو التسلحية. من باديس إلى تاونت، تمكننا من استكشاف والتعريف بالحياة العميقة للساكنة التي تعيش في/ و من هذا الشريط الساحلي، الذي يحتوي ثقافة بحرية ناضجة، ملقحة بالإرث الإسباني، الفرنسي والمشرقي، بغية التمكن من فك شيء من تشفيرها التاريخي، ليقودنا نحو محاولة فهم كيف رأى سكان الساحل الشرقي البحر، كيف أحسوا به، كيف تعايشوا معه، ليحبوه في آخر المطاف.
حتى اليوم، فإن الأسئلة الجديدة، التي تظهر بغرض مواصلة عملية فك العزلة عن شمال المغرب وعن “تعبئته البحرية”، من خلال بناء موانئ جديدة منفتحة على تحركات العالم، والتي تؤكد هذه العلاقة الإيجابية بالبحر. من شأن المشاريع أن تمثل انفتاحا حقيقيا على البحر الأبيض المتوسط، بيد أنها تلبي متطلبات اقتصاد منفتح على العالم، مع البقاء منتبها في الوقت للتوازنات البيئية، من أجل تعزيز الجاذبية الاقتصادية والسياحية الأفضل لهذه المنطقة، وخلق الثروة من حولها، مستندة إلى منظور المشاركة الضرورية. ومع ذلك، وبسبب ثراء هذه الحياة الساحلية :التاريخ الغني، الهوية البحرية الناضجة، إعادة استكشاف الغاية من التراث البحري و النهري…، إذ يجب أن تبرز هذه المشاريع، وأن تتجاوز الحفاظ على الذاكرة والأماكن سعيا لفتح هذه المساحة على استعمالات جديدة. في نهاية المطاف، إن الغرض الأسمى هو بناء صورة جذابة لهذا الساحل، وتمكينه أيضا من حياة جديدة ذات معنى ومستقبل.”.


الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 08/09/2020

//