تمثل الجنس القصصي وأبعاده الإبداعية في مجموعة «الظلال الخفية»

 

تنهل نصوص مجموعة « الظلال الخفية « للقاص المغربي بوعزة الفرحان من وقائع محيطه وما يعج به من حالات ومواقف بحمولات قيمية ووجودية واجتماعية، تعكس صورا لأنماط حياة حبلى بالمفارقات والمتناقضات داخل منظومة علاقات موسومة بسلوكيات تفتقر للصدقية والصفاء، لما يشوبها من زيف وخداع مما يفرز أوضاعا ترزح تحت نير المعاناة والمكابدة في مجابهة متطلبات عيش مكلفة ومستنزفة داخل مجتمع تحكمه مواضعات وأعراف ترفض مخالفة ثوابتها ، والزيغ عن محدداتها الراسخة ، وتقاليدها المتجذرة التي تحظر وتحرم الخوض في أي جدال أونقاش خارج الدوائر المرسومة سلفا . نصوص تكشف عما يعتور المجتمع، في تركيبته وتشكلاته، من اختلالات ونواقص، وما يعتريه من أعطاب وآفات في قالب قصصي يعتمد أسلوبا يروم التلميح والإيحاء بدل الإقرار والإخبار بما تفتحه نهايات القصص من مساحات للقراءة والتأويل ،بدل الاستخلاص والتحصيل ،عبر الإشارة والتلميح.وقد وفق الكاتب،إبداعيا، في الوفاء لجنس القصة القصيرة باستفادته من رحابة القصة وكثافة القصة القصيرة جدا في توليفة أنتجت قصصا قصيرة بمقومات سردية متجانسة ومتكاملة.
تزخر قصص الأضمومة بلغة تميل إلى مجاز لا يخلو من نفس شعري مما ينأى بها عن مغبة التقرير والتصريح في تصوير مشاعر شخوصه، والكشف عن أحاسيسهم: « تركتهم يشنقون غضبي» 28، وحالاتهم المتذبذبة بين شعور تغيب فيه الروية والتركيز : « تركته وهو يعانق ذاكرته المثقوبة « 30 ، وإحساس يحضر فيه الوثوق واليقين : « رأت زينب ابنة جارتها تحن بكفها على خده وتهديه وردة حمراء.»34 ، وتقودنا سيرورة النصوص إلى أفق غير محدد المعالم والاتجاه يتضاعف فيه الإحساس بالخيبة والانكسار : « سرت وأنا أجر جسدا ينتعل حذاء خربه التيه والضياع … هممت أن أغسل خسارتي بعري فاضح»30، إحساس قد ينحو منحى التوجس والفزع من الآتي المحفوف بالغموض والالتباس : « وقف الذعر على باب قلبي» 38، أو مجابهة ما يحيط به من لحظات تمعن في السكون بمفردات تخترق سماكتها ، وتتوغل في أدغال تمنعها واستعصائها : « بكلمات الاعتذار أجرح صمت الأشياء» 64 . لغة بغلالة مجازية تغدو أكثر كثافة وشعرية في العديد من نصوص المجموعة تارة بطابع أماني وآمال : «نكتب وعدنا على لحاء شجرة الليمون ، نقعد على الأرض نفصل حدود منزلنا بالتراب» 50 ، وطورا على شكل عشق لا متناهي الحدود والأبعاد: « هناك… على الجسر كان الحب يرفرف بيننا « 60، حب يحلق في فضاء ممتد بينهما. يعاينانه بغبطة عارمة ، وتوق مشتعل ليتدثر بعباءة رومانسية تنضح شفافية ورهافة وبهاء: « وعدتني أن تزورنا مرة أخرى لما تزهر النباتات ويتناغم الأقحوان مع السنابل الخضراء، وحينما يتكاثر العسلوج على جنبات الطرقات» 50.
ويحضرالتحول في بعض النصوص بشكل يضفي عليها جمالية دلالية ، وبعدا إبداعيا يمنح الحدث انزياحا عن خطية السرد ورتابته كحدث زواج اعويشة من مهاجر بالديار الإيطالية لتتحول، بطريقة لا متوقعة، إلى راقصة :» لم تدخل شقة ولم تسكن منزلا. أسكنها في فندق فاخر… فتوجت بتاج الرقص العاري في الحانات الراقية» 21، تحول يأخذ مسارات متنوعة لا تخلو من نزعة غرائبية: «مرت بضع سنوات ، عاد البعض منهم ،وجدوا مخلوقات غريبة تسكن قريتهم» 69 ، أو التظاهر بمظاهر خادعة لتحقيق مآرب نفعية : « ما أعرفه أنه لا يعرج ولا يغمز في سيره أبدا» 85 ، وقد تكون رغبة في تغيير يكسر نمطية الحياة ويشرعها على آفاق مغايرة تروم التجديد والتبدل: «عسى أن أستنسخ من ذاتي أنثى أخرى» 73 . وارتباطا بانفتاح الكاتب على محيطه وما يعج به من أحداث ووقائع تجسد مكابدة الطبقة الدنيا ومعاناتها في مواجهة أعباء معيش تتضاعف متطلباته وتتنامى في وصفه لحالة أم تجابه، وحيدة، أنواء حياة عاصفة لتوفير الحليب لرضيعها في ظروف قاسية ومزرية: « بدأت تهدهده .غفا، وضعته على بطانية تعافها النفس من شدة البلل، وحصير تفوح منه رائحة البرودة « 24 ليتعمق حجم المعاناة ، ويتضاعف منسوب الإحباط والانهيار لديها :» دفنت زفرات أنفاسها بين ثديين عاريتين . بكت وبكت» 25 ، هذه المعاناة التي ما يفتأ الكاتب يجسدها في تصويره لتمظهرات أعم وأشمل يرقى بها إلى مستوى أكثر كونية وإنسانية لحالات وأوضاع أناس تجرعوا مرارة نكبات مريعة، تمثلت في فقدانهم لممتلكات تربطهم بها أواصر وجودية بامتدادات حسية وفكرية، وعرى وجدانية تختزل عشقهم الأزلي، وانصهارهم العاطفي والذهني بكل مكوناتها المادية في تلاحم وتداخل عصي على الاختراق والتفكيك فيسخرون كل طاقاتهم ومقدراتهم للذود عنها وحمايتها : « لكن الطائرة أمطرت تباعا قنابل متفرقة علينا ، فكانت الأجسام تتساقط تباعا بين الأحجار الناتئة» 37 ، شرارة من مقاومة وثبات لا يخبو توهجها في سبيل أرض تغتصب ظلما وعدوانا من طرف محتل غاشم مدجج بكل أساليب الجور والتنكيل للنيل من صلابة عزيمتهم ، ومتانة بسالتهم وثباتهم المتناسل عبر زمن المقاومة والكفاح حفاظا على مشعل النضال والمجابهة : «بحثت عن جثة أبي فلم أجدها. صرخت بكل قوتي في وجه اللانهائي» 38 ، صرخة تملك امتداداتها في زمن لا محدود. زمن المقاومة والتحدي المتجدد، المتواصل. ومن صور النكبة في تجلياتها وتمظهراتها القرية التي شردت ساكنتها قسرا وقهرا وجورا نتيجة حريق مبيت ومدبر: «من هناك كنت أسمع صراخ أمي وأبي والنيران تأكل جسميهما . مضى زمن من الليل والنيران تلتهم منازل القرية» 31. إلا أن الارتباط بالقرية عبر صور ( نوستالجيا) مؤلمة ومريرة تسكن مشاعر من نجا من فاجعة الحريق وتعشش في مخيلاتهم وأذهانهم مما حذا ببعضهم إلى الإصرار على العودة ممتشقا هاجس التحدي : « ابتعدت عن القرية وأنا ألاحق صوتي بين طرقات وعرة المسالك… ورائحة الانتقام تتبعني. سأعود … ولا بد أن أعود» 31. « تيمة « النكبة تحضر في قصص المجموعة بشكل إيحا ئي يثير لدى المتلقي فكرة البحث عبر تأويل متعدد الآفاق والسياقات على مستوى جزئي ( القرية المحترقة) وكلي ( الأرض المغتصبة : فلسطين) . ولم يفت القاص استعمال كائنات من قبل الطيور إغناء لمتنه القصصي ، وتشريعه على أبعاد تسهم في تنويع مكوناته الإبداعية، وإثراء أساليبه السردية من خلال مواقف تتوزع بين القلق : « قلقت الطيور في أعشاشها» 43 ،والاستئناس بها عبر روابط من ود وألفة : « ربطنا صداقة مع الحمام وهو يلتقط حبات الفواكه الجافة أمام أعيننا، ويخطف فتات الخبز من كفينا» 60 ، وصوت الضفادع الذي يخترق سكون المياه، ويجترح سكينتها : «نقيق الضفادع يقلق صمت المياه» 61 في تصوير مجازي أكثر إيحاء ، وأعمق دلالة. إيقاع يتغير ويتلون بأشكال مختلفة لدى المواشي والكلاب في تأثرها بأصداء محيطها وما يطرأ عليه من متغيرات: « تنبهت المواشي في الحظائر . هرت الكلاب…»43. كما يحضر السؤال أيضا في ثنايا الأضمومة بمرامي وخلفيات نابعة من صلب كينونة شخوص وطبيعة هويتهم داخل زمن تتجاذبه راهنية مجللة بدياجير الحيرة والغموض والالتباس : «من أنت؟ ما أنت إلا…؟ لا أدري ماذا؟»12 ، أو الالتجاء ل» مونولوغ» قصد تبرير سلوكيات ومواقف سقطت في مزالق ومطبات كان بالإمكان تفاديها : « همست لنفسها كلاما ، قالت : ــ ما كان علي أن أعود» 56 ، وقد تسقط في مغبة العبث من خلال نتوء وتنامي إحساس ممعن في اللاجدوى : « أحسست أني أتكلم مع الريح» 28 .
تبقى مجموعة « الظلال الخفية « القصصية لبوعزة الفرحان، منجزا إبداعيا يندرج ضمن جنس القصة القصيرة من خلال نمطها السردي على مستوى البناء الموسوم بالتجانس والتناسق ،والمحتوى الزاخر بدلالات جمالية وأشكال تعبيرية تغني متنه القصصي وتعمق أبعاده ومراميه.


الكاتب : عبد النبي بزاز

  

بتاريخ : 13/01/2021

أخبار مرتبطة

  «الفعل هو كل شيء، أما المجد فلا شيء» فاوست [ من مسرحية غوته] الطريق الصغيرة يمين الجبل أشبه بمدخل

  عن مؤسسة باحثون للدراسات والأبحاث والنشر، تازة، صدر للقاصّ خالد الدريوش مجموعة قصصية بعنوان: «رضاع الكبير» في134 صفحة. ولقد

لكريني يرصد آليات تدبير «أزمات التحوّل الديمقراطي» صدر أخيرا مؤلف جديد للدكتور إدريس لكريني تحت عنوان: تدبير أزمات التحوّل الديمقراطي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//