عن سن 77 سنة، توفي أمس بمنزله بضواحي باريس، رجل تدرج في جميع درجات الصحافة إلى أن تربع على عرش وكالة الأنباء الفرنسية ” AFP” ومجلس مراقبة مجموعة “لوفيغارو” وإلى رئاسة العديد من الجمعيات والنقابات المهنية.
كانت له ملامح أحد أعيان الجمهورية الثالثة. بأسلوبه وطريقة عيشه الراقية والمخملية التي كان يتقنها بعناية. جمع الكثير من الألقاب والتوشيحات إلى درجة أن محاوريه كانوا يسمونه “السيد الرؤساء”، وهو اللقب الذي ما كان يزعجه، ملامح هادئة، يبدو كمن يكون نائما لكنه عندما يستيقظ يبدو كالعضائيات، تلك الحيوانات الزاحفة التي تضرب بذنبها عندما تستيقظ… جان ميو كان شخصية من زمن آخر، فأناقته المميزة وغليونه الذي لا يكاد يفارق شفتيه، نموذج جيد لبطل رواية لبالزاك أو نموذج لأحد رسومات دوميي.
ميو، الرئيس السابق لوكالة فرانس بريس (وكالة الأنباء الفرنسية) قضى 30 سنة من حياته في مجموعة هيرسان الإعلامية، أولا كصحافي ثم كمسير للعديد من العناوين الجهوية
Havre France .France Antilles. Nord Eclair .Nord-Matin. Le Berry Républicain .Paris -Normandie
أو التي كان مديرها المنتدب مابين 1980 و1993 قبل أن يصبح رئيسا لمجلس الرقابة بها. وكان أيضا عضوا في الإدارة العامة لمجموعة هيرسان (Hersaut) كما قاد عدة فيدراليات وجمعيات صحفية، من بينها نقابة الصحافة الباريسية (1996/1986) الفيدرالية الوطنية للصحافة الفرنسية (1996/1993) كما قضى ثلاث سنوات على رأس وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) التي سيرها لعدة سنوات كمدير منتدب.
جان ميو يعتبر آخر ممثل لعالم انتهى اليوم أو في طريقه للانقراض، عالم ليس ببعيد، حيث كانت تعابير “أستاذي العزيزة” أو “صديقي العزيز” هي السائدة وبجثته الضخمة وربطة الفراشة المثبتة بعناية على عنقه، كان من عشاق المطبخ الراقي والموائد الفخمة، لكنه لم يستسلم أبدا أمام الحداثة الزاحفة للقرن 21.
هذا الرجل المثقف، عاشق الشعر والموسيقى، لم يكن مشدودا لنوستالجيا مطبعة الوالد ولا عالم الصحافة السابق، ولا كان يتباكى على حقبة زاهية انتهت إلى الأبد. في كتابه الذي أصدره سنة 2008 “عشق الصحافة” La passion de la presse) (يرسم الرجل الثاني السابق في لوفيغارو، تاريخ الصحف في فرنسا، ويحلل في نفس الوقت ،بصرامة، أسباب أزمة الصحافة اليومية. يشير إلى المدراء الذين “فضلوا المعلنين والإشهار على حساب القراء، خلال المرحلة الزاهية..” كما حمل المسؤولية لنقابة الكتاب (نقابة عمال المطابع) التي “عرقلت تحديث القطاع” وحمل المسؤولية كذلك للصحفيين الذين استبد بهم ما سماه “المستقيم سياسيا” و”الذي يقتل الصحافة والقراء…”.
كان من أوائل الفاعلين في الصحافة، لكن لم تستهوه أبدا لعبة الأضواء.. كان مثقفا عنيدا، فضل دائما التعاملات الهادئة البعيدة عن الضجيج، الأضواء الخافتة للأماكن الحقيقية للسلطة على الأضواء القوية للشهرة.. والده كان يشتغل ضابط أنغام بيانو، بدأ أولى خطواته في عالم الصحافة في سن 16 سنة بجريدة La république du centre حيث اشتغل موزع قصاصات في زمن كان خط الوكالة مازال يتم على الورق، ومن مكر الصدف أصبح بعد سنوات رئيسا لوكالة الأنباء الفرنسية (من 1996 إلى سنة 1999). وقبل ذلك تدرج في جميع المراتب ومارس جميع المهن الصحفية: محلي، سكرتير تحرير ثم صحافي، ثم مدير قسم سياسي، ثم كاتب عمود في الطبخ ثم نائب مدير في صحيفة ثم مدير منتدب في “الفيغارو” قبل أن يصبح رئيسا لمجلس المراقبة بها، لكنه كذلك ترأس عدة جمعيات ونقابات مهنية (نقابة الصحافة الباريسية (1996-1986)، الفيدرالية الوطنية للصحافة الفرنسية (1996-1993).
جان ميو كان رجلا له تأثير ونفوذ قوي، مفاوض بالفطرة، لم ينس أبدا من أين أتى، ولم يتخل أبدا عن أي تشريف، فإلى جانب مهامه الرفيعة، ومهمته منذ 2003 كرئيس للجنة تحكيم جائزة نادي الصحافة للسخرية السياسية، اشتغل جان ميو أيضا على رأس العديد من الجمعيات المهمة في تصوره، مثل جمعية أصدقاء ومحترفي الغليون، أو الضحك.. اهتمامات ومهام تثير الدهشة.
كيف لرجل ينتمي للدائرة الباريسية الضيقة لصناع القرار، أن يحافظ مع ذلك على “رجليه على الأرض” كما يقال، وفي عينيه حافظ على بريق ضوء وجرعة كافية من السخرية ظلت بالنسبة له حجابا واقيا من سكرة كل هذه الألقاب والمهام المغرية…
- الصورة تجمع بين الراحل جان ميو و الزميل عبد الحميد جماهري

