حديث محبرة … الثقافة بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة

نُظِرَ إلى العقل بوصفه نعيما لا يخلو من شقاء، وإلى الجهالة باعتبارها شقاء يتبطنه نعيم وأي نعيم، على رأي الشاعر الهائل أبي الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله /// وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
لكن، شتان ما بين النعيمين، فلئن كان نعيم العقل يُشْقي ويُضْني صاحبه لأنه يروم ـ وقد جُنَّ ـ معانقة المستحيل، ويبغي التغيير والتجديد، وينشد الوصول إلى الذرى والمعالي، فإن نعيم الجهل والجهالة، يُطَوّب للجاهل عيشه، ويُسَوِّغ له ما هو فيه بمثابة قدر مقدور، وكتاب مسطور، مكتفيا بوجوده الناقص، مستطيبا شقاءه كابتلاء من الله. وبما هو كذلك، فهو نعيم لديه يحمد الله عليه، ومن ثَمَّ تسليمه ورضاه بالموجود، واستسلامه وارتكانه إلى ما تحت أنفه الذي لا يتجاوز ـ في أحسن حال ـ صابونة ذِقْنِهِ.
ونُظِرَ إليه، إلى العقل من قِبَل المفكرين والفلاسفة، وعلماء الكلام مثلا، بما هو جوهر إنسانية الإنسان، وملكة إدراكية، وضمير حي متوثب، وقوة واعية تمايزه وتفارقه عن الزواحف، وذوات الأربع، وباقي الكائنات الحية الأخرى جميعا. ذلك أن العقل هِبَةٌ إلهية وطبيعية، هدية لَدُنيَّةٌ ودنيوية ومادية ومعنوية تصرفت وتتصرف في الكون وَفْقا لأنظمة ونواميسَ، واستراتيجيات، أحقابا بعد أحقاب إلى أن يرث الله الأرض، ويطويها طَيَّ كتاب. بالعقل رُقيُّ الإنسانِ، هو سلطانه وصولجانه، وبه مقياسه إذ هو مقياس كل شيء فيما قال الفيلسوف السفسطائي بروتاغوراس. وهو الإمام وغيره التوابع والخَدَمُ، كما عَبَّرَ شيخ المعرة كبير شعراء العصور:
يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ /// ناطقٌ في الكتيبة الخرساءِ
كَذَبَ الظنُّ لا إمامَ سوى الـ /// ـعَقْلِ مشيراً في صُبْحِه والمساءِ
فها نحن نرى أن المعري يُعلي من شأن العقل، ويعلن مركزيته قبل ستة قرون من إعلان الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارتْ، بأنّ: ( العقل أعدل الأشياء قسمةً بين الناس ).
إنه الفيصل بين الحق والباطل، بين الكرامة والمذلة، بين السيادة والعبودية، بين الدين والدنيا، بين ما ينفع الناس في حياتهم، وما ينفعهم بعد موتهم. ومن ثمَّةَ، تَحَصَّلَ في عصر الأنوار ـ بعد إراقة دماء كثيرة، وإرادات غزيرة بسبب الحروب الدينية الرعناء ـ الفصلُ بين الدين والسياسة، بين الدولة والكنيسة، بين اللاهوت والفلسفة، بين الإنسان عظيما وسيدا، ومالكا لمصيره، متصرفا فيه، وبين الإنسان خَنوعا جَزوعا منتظرا الجنة التي وُعِدَ بها عبرصكوك الغفران التي كانت تستغبي الإنسان في أعصر الظلام، والشعوذة والخرافة، والبهتان. مما يدل على تأسيس عهد جديد، وتاريخ أجَدَّ قِوامُه الاحتفاء بالإنسان مخلوقا متفردا ومبدعا، مستخدما عقله ليسوّغ به، ويعطي معنىً لحياته القصيرة على الأرض، ويستمتع بما ملك من مؤهلات، وملكات وطاقات وقدرات، بالعيش الكريم فيها، عِماده الفكر الحر، والنقد العقلاني البناء والخلاق، والشك العلمي المنهجي الموصل إلى الحقيقة، والآفاق القادمة الموجهة المؤسسة على هدى من العقل والتجربة والتحري، والمقارنة المتصلة المحيلة والمنشبكة مع ماضي الإنسان وحاضره، ومستقبله المرتجى.
ففي السياق إياه، وفي ضوء ما سبق، يعلو ـ تمثيلا ـ اسم إيتيان دو لابْيوتي، وديكارتْ، وسبينوزا، وجون لوكْ، وديدرو، وفولتير، وروسو، وزولا، وهيغو، وصولا إلى ألبيركامو، وجون بول سارتر، وميرلوبونتي، وسيمون دو بوفوار، وميشيل فوكو، وديريدا، وجوليا كريستيفا، وليوطار، وكوكبة مضيئة من الشعراء والروائيين الذين حققوا في ما حَبَّروا ما سمَّاه غرامشي ب: ( تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة ). هذا، من دون أن نعود القهقرى إلى نهضويي العصور الوسيطة الذين نُفوا أو سجنوا، أو أحرقوا جزاء إعلائهم للعقل، وتمجيدهم له بوصفه هاديا ومرشدا، ومنقذا من التيه والضلال. ولعل تضحياتهم غير المسبوقة أن تكون بِذاراً خصيبا لنبات أخْلافهم الذين سَمَّيْتُ بعضهم.
ولنا أن نشير، من جهة أخرى، إلى بعض رواد النهضة العربية تلك التي برقت وومضت، وغاثتْ إِمَامُها العقلُ ميزانا للمقارنة والمقايسة، وعربتها السحرية: الإرادة المتفائلة، لتنطفيء في أوج توهجها بفعل فاعل لعله أن يكون: طيور الظلام، وخفافيش المعابد العطنة، والمغارات الخربة المهجورة. فلم يدخر جهدا ولا عقلا، ولا إرادة، مفكرون وأدباء، وقادة رأي كرفاعة رافع الطهطاوي، وخير الدين التونسي، والطاهر الحداد، ولطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين، ومحمد عبده، ومحمود أمين العالم، ولطيفة الزيات، وعبد الله كنون، وعلال الفاسي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، وعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، وهدى شعراوي، ونوال السعداوي، وفاطمة المرنيسي، وأدونيس، وبرهان غليون، وطيب تيزيني، وأمل دنقل، ومحمد بنيس، وغيرهم كثير، من أجل إنهاض مصر، وبالتلازم: باقي الأقطار العربية التي رزحت طويلا تحت جزمة الاستعمار، وأكلتها العثة، والتقاليد « المرعية «، والخرافة الشائهة، والغيبيات المكبلة، والاستبداد السياسي، وجور الحكم والتبعية.
هؤلاء وغيرهم من أساطين الفكر والفلسفة والشعر والأدب، والموسيقا في الغرب والشرق، سعوا بكل ما أوتوا من نبوغ، في إشاعة نور العقل رغم تشاؤمه، بقوة إرادتهم التي قوّاها التفاؤل والأمل في مناحي الحياة، والمعيش الإنساني حتى يكون الإنسان جديرا بصفته وتسميته، قمينا بما نعتته الأديان السماوية من أنه مخلوق على صورة الله سبحانه، وأنه مستخلف في الأرض، مفضل على الملائكة بشروره وخطاياه مع ذلك. سعوا في محاربة ما سماه المفكر التنويري محمد أركون ب: ( الجهل المؤسس ). وهو الجهل الأخطبوطي الناشب أذرعه ومِجَسَّاته الممتصة، في الأوساط الشعبية التي لم يحالفها الحظ في القضاء على الأمية الظالمة نتيجة الإبعاد، والسياسات المرتجلة ، بل وفي الأوساط « المتعلمة «، إذ أن التعليم بوصفه جهازا إيديولوجيا، ينتج، ويعيد إنتاج إيديولوجية الدولة، وتوجهها السياسي العام جملة وتفصيلا، غارق في الغيبيات، والتحريفات، والماورائيات على مستوى ما يلقن للأطفال وللأحداث من دروس في التاريخ الخادم والمخدوم، وفي « التربية الدينية « التي تكرس ـ عبر بعض الآي الكريمات المنزوعة من سياقها ـ آفة الكراهة، والاستعداء، ووهم الاستعلاء والأفضلية، ونفي الآخر بشكل مقصود وهادف ومبرمج.
فهل لنا أن نقول ، في خاتمة هذه الورقة، بأن تَخَطّي عوائق النهوض، والانتماء إلى العصر الموّار الحافل المتحول بسرعة قياسية، يكمن ـ أساسا ـ في النهوض بالتربية والتعليم والثقافة بما هي / هم أُسُّ وروافع التقدم والتنمية قصد الإسهام والانخراط في دنيا المعلوميات والرقميات، والولوج السعيد إلى مجتمع المعرفة، والاستضاءة بشمس البرهان الرياضي والفيزيائي، ونورالعلم والثقافة والحقيقة.
فالعقلُ نبيٌّ، تصديقا لقول شيخ المعرة البصير المستبصر:
أيها الغِرُّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ /// فاسْأَلْنَهُ فكلُّ عقلٍ نَــبــيُّ

هــــــامــــش:

( تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة ): هي مقولة للمفكر والمنظر السياسي الماركسي، الإيطالي: أنطونيو غرامشي ( 1891 ـ 1937 ). وقد أطلقها في ثلاثينيات القرن المنصرم، ليشحن نفسه والطبقة البروليتارية التي نذر نفسه لخدمتها وتوعيتها، بالأمل والتفاؤل وسط ما كانت تعرفه إيطاليا وباقي أقطار أوروبا، من طغيان، وفاشستية، واستغلال تمارسه الدولة والباطرونا على الطبقات المغبونة، طبقات العمال والفلاحين تعيينا.
والمقولة ـ في الأصل ـ هي للكاتب الفرنسي اليساري « المُنَوْبَلْ « رومانْ رولان ( 1866 ـ 1944 )، صديق غرامشي الذي جند مكانته الفكرية، وشهرته الأدبية العالمية، ودفاعه عن السلام من أجل سراح غرامشي الذي سجنته الفاشية، ومات في سجنها.


الكاتب : محمد بودويك

  

بتاريخ : 14/01/2022

//