استهلال
«لا أحد يكتب قصصا جديدة، لا أحد يقول كلاما جديدا، كل ما في الأمر، أنهم يكتشفونها، فهي هناك على الدوام». لطالما قرأت وسمعت كلاما كهذا من نقاد، روائيين ومفكرين في قوالب وسياقات مختلفة. لكنني شعرت به حقا، لمسته بيدي وأنا أقرأ هذه الرواية. فبينما أنا أقرأ، وجدت الرواية مركبة من روايات كثيرة قرأتها/ لم أقرأها. شعرت بنفسي، مع كل فقرة، مع كل فصل، وأنا أحمل فرشاة، مسمارا، ومطرقة خشبية صغيرة. أدق بلطف وحذر، أكنس التراب وأزيل الغبار حتى أظهر « حفرياتي». أحمل عدستي المكبرة، أبحث عن البصمات المموهة كمحقق بوليسي فطن. واكتشفت هناك عميقا، حفريات من كتب كتبت وقتها، وكتب لم تكتب إلا في وقت لاحق، وقبل أن أكشف لكم الحجاب عن اكتشافاتي الأركيولوجية، دعوني أقدم لكم أولا الميدان الذي عكفت فيه على التنقيب.
تـوطـئـة
قرأت كتبا من الشرق والغرب، من اليابان والصين، من باكستان وأفغانستان، من السعودية وتركيا واليونان، من هنغاريا وصربيا والنرويج، ناهيك عن أمريكا وكندا وما يناهز ثلثي أمريكا اللاتينية وبلدان كثيرة من كل بقاع العالم، ولكنني حين أدركت أنني لم أقرأ قط لكاتب إفريقي، أحسست بمدى فظاعة ما اقترفته وأثقل علي الذنب. صحيح أنني قرأت لكتاب من شمال إفريقيا؛ مصر، تونس، الجزائر ليبيا والمغرب طبعا، لكن ماذا عن فكر وأدب جنوب الصحراء ؟ لم تكن لي فكرة عما تخطه أنامل السينغال، نيجيريا، جنوب إفريقيا، ساحل العاج و غيرها. لكن حين قررت أن أقرأ، أخذني مرة أخرى حدسي الذي لم يخني قط، نحو عوالم ممتعة حد الثمالة، كانت البداية مع « أشياء تتداعى» لتشينوا أتشيبي، الرواية الساحرة. لكنني حين قرأت « في انتظار البرابرة» انتابتني أحاسيس وخواطر مختلفة جعلت لهذه الرواية مكانة متميزة في قائمة مقروءاتي، لكن قبل أن أسرد ما لقيته في نفسي، دعوني أعطيكم فكرة أولا عن الرواية :
تتحدث الرواية التي كتبها الجنوب إفريقي الحاصل على جائزة نوبل سنة 2003 « جون ماكسويل كويتزي» عن أحداث بسيطة للغاية، يدور معظمها في سياق المشاكل التي تعاني منها امبراطورية مع البرابرة القابعين في حدودها. والبطل في هذه الرواية يعمل كقاضٍ في إحدى البلدات المتاخمة لهذه الحدود الغابوية. ويجد نفسه دون أن يشعر، غارقا في أحداث وصراعات تنتهي نهاية غير متوقعة.
تقدم الرواية من جهة، نظرة بانورامية لكيف يمكن للحكومات أن تفتعل أعداء خياليين لتحكم الخناق على شعوبها، مستغلة شعارات وطنية قومية في سبيل ذلك. ومن جهة أخرى تقربنا بأسلوبها الأخاذ من أقدم الأجزاء في ذواتنا اللاوعية، ذلك الجزء البدائي البربري العتيق.
اللّـقـايا
لطالما شعرت بمتعة كبيرة وأنا أجد مستحاثات غابرة/مستقبلية داخل نصوص بعينها. فأن تقرأ نصا قديما، وتجد فيه بقايا نص أقدم قرأته، أو بصمات نص حديث يسافر عبر الزمن، لشعور تكاد تحس له مذاق اللذة على ذؤابة لسانك. ولكم تلذذت وأنا أقرأ « في انتظار البرارة». فقبل حتى أن أفتح الكتاب لأقرأه، صفعني العنوان بقوة، وقفز بي في الحين نحو عوالم الإيرلندي/ الفرنسي صامويل بيكيت العبثية، خصوصا مسرحيته الخالدة « في انتظار غودو»، وبما أنني قرأت المسرحية، شعرت أن الرواية ستكون ببساطة حول انتظار شيء لن يأتي أبدا. وهذا ما حصل حقا، فقد استعمل البرابرة كفزاعة يخشى قدومها، لكنها فزاعة من سراب، متى اقتربت منها ابتعدت.
وما أن استرسلت في قراءة الرواية حتى انتابني شعور غريب بأنني أقرأ لكاتب آخر، كاتب بعيد عن افريقيا، كاتب في أقصى الشرق، واتضح أنهما كاتبان يتماهيان في حقيقة الأمر، فهذه الحسية الرقيقة التي وجدتها منثورة في بقاع مختلفة من الرواية، لا يمكن أن تجعلك إلا متيقنا من أن الكاتب تشبع ب « اعترافات قناع» يوكيو ميشيما، و أنت تقرأ تشعر أنه قتل «جميلات» ياسوناري كاواباتا « النائمات» قراءة ودراسة وتحليلا ! و في الرحلات الطويلة التي عرفها الثلث الأخير من الرواية، والتي كانت مثخنة بصراعات ضارية مع الطبيعة والجبال والجوع والعطش، تشعر أن الكاتب قد اطلع على « تبر» و « نزيف حجر» إبراهيم الكوني في عوالمه الصحراوية الأنطلوجية المضمخة بالأسطورة.
القفلة
أشعر بمتعة شديدة حين ألمح طيف «تناصّ» يمر بين مقلتي ويحاول الهروب بعيدا. فما أن أجد أن النص الواحد قد جمع بين نصوص شتى سبق لي قراءتها ، نصوص تربطها خيوط شفافة واهنة تقعد للوهم والشك عندي لوهلة، حتى أشد الخناق عليه، مبعدا الشكوك فأقول بنوع من اليقين :
هذه الفقرة وكأنها لموراكامي، ماذا تفعل في كتاب أصدر حين كان موراكامي لا يزال مجرد أحماض أمينية تصول وتجول في جسد والده المراهق ؟ هذا نص حري بفيرجينيا وولف، هي من تقدر على القفز بين المواضيع في انسياب نهر جارف، وتعيدك لنقطة البداية دون أن تضيع. هذا نص أكاد أقسم أنني قرأته عند بول أوستر، راي برادبوري، إبراهيم الكوني، آلان بو …
أعلم طبعا أن جزءا كبيرا من هذا مجرد وهم، فكيف لرجل أن يكتب بأسلوب رجل لم يولد بعد ؟ لكنه وهم لذيذ أستمتع بالعبث بخيوطه وخلطها ! لعبة مسلية مارسها الناقد الفرنسي بيير بايارد في كتابه الشهير ماذا لو غيرت الأعمال الأدبية مؤلفيها ؟ وقام بلعبة مشابهة في كتاب كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه ؟
أو يمكننا أن نسمي هذا ببساطة، بالقراءة الحساسة، القراءة الذاتية الخلاقة التي تكمل عمل الكاتب، فتجعلك تصنع كتابا، جديدا كليا، من نفس الكتاب الذي قرأه غيرك، فتكون لك نسخة شخصية خاصة بك من الكتاب. ففي النهاية، جميع الكتب التي كتبت، والتي تكتب، والتي ستكتب هي كتاب واحد لا غير.