خليل هاشمي الإدريسي، بعد 10 سنوات من ترأسه لـ «وكالة المغرب العربي للأنباء»

نصارع للانتقال من السيطرة المسبقة للدولة إلى فكرة المراقبة اللاحقة والاستقلال المالي 2/2

 

حاور الصحافي سمير الودغيري، من موقع «ميديا 24» الإلكتروني باللغة الفرنسية، خليل هاشمي الإدريسي، بمناسبة مرور ما يقرب من 10 سنوات، على ترأسه لوكالة المغرب العربي للأنباء أو «MAP»، وما قدمه خلال هذه السنوات من «فوران إبداعي»، وسع
من هذه المنصة الإخبارية، لتمتلك الآن إذاعة دولية، وقناة إخبارية «MAP 24»، ومجلة ورقية… متسائلا عن الغرض من خطة التوسع هذه؟ وهل الوكالة الوطنية تشهد تنوعا أم تجزيئا؟

 

هل لديكم نية في منافسة الصحافة المطبوعة على مستوى المداخيل الإشهارية؟ وهل هذا لا يمنعكم من قضم قطعة من هذه الكعكة، بالرغم من كون تمويلكم قادم من الدولة؟

إن وضعيات وكالة المغرب العربي للأنباء، تسمح لها بالولوج الى سوق الإشهارات بالمغرب على غرار الجميع.
– على عكس ما يقوله بعض من الكسولين فكريا، فإن ولوج فاعلين جدد الى سوق الإشهارات الوطني، يوسع من رقعة هذه السوق الذي تتسع للجميع. والواقع، أنه مرت 30 سنة، منذ اتهام الوافدين الجدد في التسبب بتفقير هذا القطاع، في الوقت الذي لم تتوقف فيه سوقنا عن النمو.
إن اللافتات الإعلانية لم تقتل الصحافة، كما الحال بالنسبة للتلفزة مع إذاعات الراديو، والتي بدورها لم تقتل الصحف الورقية، بيد أن السوق يتكيف ويعيد تشكيل نفسه مرارا وتكرارا. الآن، تكمن المشكلة الحقيقية، في القيمة المنخفضة للإعلانات الرقمية، التي تمنع بدورها وسائل الإعلام المهنية من العيش. لذلك، يجب على القارئ ذي الاشتراك المدفوع، الدخول في هذا النموذج لجعله مستداما وقابلا للتطبيق.

منذ متى وأنتم تحصلون العائدات المالية الإشهارية؟

قبل وقت طويل من أن أصبح رئيسا لـ MAP، التي تعتبر وضعياتها من حيث الإيرادات واضحة جدا. مع العلم بأننا لا نأخذ ما في جيوب الآخرين لنضعه في جيوبنا، كما أننا نسعى لنوسع هذا السوق، غير أن على زملائنا أن يتخذوا من حضورنا رسالة تفاؤل للمستقبل.

لدي صعوبة في فهم، كيف لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن تمتلك القدرة على توسيع سوق الإعلانات بالمغرب؟

الامر بسيط جدا، كلما زادت نسبة الجهات الفاعلة الوافدة، كلما نمت الكعكة الإعلانية. مرة أخرى، لا يتقلص هذا السوق لأن تاريخ وسائل الإعلام أثبت أن هذه القراءة خاطئة تماما. لذلك، قبل حوالي 15 عاما، تم تحرير موجات الراديو، ولكن تم رفض التحرير نفسه على شاشة التلفزيون، بحجة عدم كفاية السوق الإعلانية، ومنه ارتكبنا خطأ، وأجَّلنا حدثا لا مفر منه سياسيا.
واليوم، لو كان عدد القنوات التلفازية أكبر، لقلّت المشاكل، وما كان سينتقص من سوق الإعلانات، كما هو الحال في كل مكان آخر مع الوافدين الجدد، مع العلم بأن عدد الشركات التي تستخدم الإعلانات لاتصالاتها لا يزال محدودا جدا، وأن لهذه السوق مستقبلها الواعد، وليس كما يريد البعض منا أن نعتقد. في الواقع، ففي اليوم الذي ستقرر فيه الشركات الصغيرة والمتوسطة جميعها استخدام الإعلانات التجارية أو إدراج الإعلانات، سيكون هناك ما يكفي للحفاظ على عدد من وسائط الإعلام أكبر بكثير مما هو عليه اليوم.

ومع ذلك، فإن المعركة لا تزال شرسة، كما لم يسبق من قبل الفوز بميزانيات الإشهارات …

نعم، لأننا من جهة لم نطور بعد السوق الإعلانية. ومن جهة أخرى، لأن العرض الإعلامي يجب أن يتوافق أكثر مع احتياجات السوق، سواء من حيث السعر والشكل والمفاهيم…

بالحديث عن مشروعك التلفزي الجديد، من هي الفئة الجماهرية التي يستهدفها؟ متى تاريخ بدء البث؟ وهل سيتبنى نموذج قناة «BFM TV»؟

من السابق لأوانه قياس ذلك، لأننا الآن على شبكة الانترنت وليس بعد على التردد الارضي «تي إن تي-TNT»، كما أنه لم يتم بعد إطلاقه رسميا، كما هو الحال بالنسبة للأستديوهات التلفازية غير المكتملة، ونحن لا نزال على البث التجريبي كذلك.
– من المقرر أن نبدأ البث، في غضون شهرين أو ثلاثة، سيتم إطلاق البث التلفزيوني الرسمي، أما في الوقت الراهن فنحن نتبنى الصيغة التجريبية لـ»يورونيوز» التي تسمح لنا بالسير مع الفرق.
– ستكون قناتنا أقل عدوانية بكثير، إذ ستتبنى ما يسمى «الأخبار البطيئة»، التي ستحاول ان تبني مبادئ الاقناع والشرح والمناقشة، وذلك لإعطاء الجهات الفاعلة في الحياة الاقتصادية، السياسية والاجتماعية الوقت لشرح ما يفعلونه أو ما يقومون به للمشاهدين.

أي ستكون قناتكم التلفازية، أول قناة للأخبار المتواصلة بالمغرب؟

نعم لأننا نوفر منتجا باللغة العربية لم يعد متوفرا، مستندين الى دراسة تفيد بأن المغاربة يستمعون إلى 45 دقيقة من المعلومات/يوميا، مع العلم أن هذه الدراسة، أظهرت ان مدة الاستماع تبلغ 20 دقيقة لوسائل الإعلام المحلية و25 دقيقة لوسائل الإعلام الأجنبية. من هنا، نسعى لاسترداد 10 إلى 15 دقيقة من 25 دقيقة المخصصة لوسائل الإعلام الأجنبية. إنه مشروع لاسترداد الاهتمام المحلي بالخبر، هذا من أجل توطيد السيادة الوطنية في مجال الإعلام، فأي سيادة هي الآن «هجومية» من جميع الأطراف.

لماذا لا تستثمر في شبكات التواصل الاجتماعي؟ وهل تحدثون حضوركم يوميا؟

إن المشكلة مع «MAP» اليوم، هي أن صورتها الحقيقية تختلف عن ما يتصوره الناس عنها، وما يرافقها من كليشيهات أو صور نمطية دائمة، وبالتالي فإن منتقدينا يجب أن يشككوا في ما يبدونه حولها. وبعبارة أخرى، فإننا لسنا غائبين على الإطلاق عن شبكات التواصل الاجتماعي مثل الفايسبوك، إنستغرام، تويتر… بالنسبة للتحديثات، فتستمر كل ساعة على يد فريق متحمس للغاية، مكون من حوالي عشرة شباب يعملون في المقر الرئيسي. كل هذا لنقول إننا حاضرون جدا على شبكات التواصل الاجتماعية، حتى لو كان من الأسهل بالنسبة للبعض، أن يقولوا: إن وكالة المغرب العربي هي وكالة «متباينة»، في حين أنها منسجمة تماما مع الحداثة. وعلاوة على ذلك، في خضم التحول الرقمي لدينا، سيشمل كل خبر أو محتوى نلمس به قلوب متابعين، بما في ذلك على الشبكات الاجتماعية.

لماذا هذه الصورة العنيدة لـMAP، فمقارنة بمن يرسلون مراسليهم لتلقي الخبر (AFP)، أنتم تكتفون بإصدار صفحات تنشر الخبر؟

إن كانت لنا القدرة، في أن نحكم على عمل مراسلي الوكالة الفرنسية الرسمية، الممولة بشكل كبير من الدولة الفرنسية، و الفرع التابع للوكالة الفرنسية في أفريقيا، حيث لا تزال أنفاس «فرنسا الإفريقية» قائمة، فإننا سنلاحظ أن لديهم مواقف تحريرية غير ملائمة، بل مبالغاً فيها. إنهم دائماً ضد النظام القائم، و بالطبع إلى جانب المعارضة، التي يمكن أن تتغير في بعض الأحيان، بخطاب تدخلي أخلاقي ودرس في حقوق الإنسان أو حرية التعبير.
وفي المغرب، غالباً ما تتصرف هذه الوكالة بنفس الطريقة – حيث تختار الالتماسات لدعمها وتلك التي تريد دفنها – بينما تمتنع في الجزائر، عن فعل ذلك لأن مراسليها لديهم فرصة أقل للقيام بذلك، أو ببساطة لا يسمح لهم بذلك، بيد أن نهجها يرتكز على الهندسة المتغيرة. ففي أمريكا اللاتينية، هي تتجه تدريجيا نحو التجارة والأعمال التجارية، مع الاسف فهذا تقليد استمرت عليه وكالة فرانس برس.

و بالنسبة لكم…

أنا أقول ما أشعر به كمحترف، لأنهم بوضوح يتخدون وضع المحاضرين، الذي يتناقض مع أخلاقيات المهنة. لكي يقتنع المرء، لا ينبغي إلا أن ينظر إلى سياسته في مجال التوظيف في الرباط. ومن المهم أن نعلم بأن (AFP) لا توظف سوى الصحافيين المعارضين للحكومة منذ سنوات. إنه لأمر مدهش، أليس كذلك؟
من جانبنا نحن، فإن ما يروج عن غيابنا عن المناقشات غير صحيح تماما، بيد أننا نبقي النقاش حيا. ونحن نقدم العديد من الأوراق التحليلية، ولكن من الصحيح أننا لن ننشر بانتظام جميع البلاغات الصادرة عن المنظمات العدمية.

لماذا؟

لأنه إن كان السؤال، على سبيل المثال، بما يخص فقط حقوق الإنسان، فإننا سننشرها بالطبع؛ ولكن إذا كان هذا النهج هو نهج مؤسسي لهذه المنظمات، التي ليست جزءا من الدستور المغربي، لماذا تريد لدائرة إعلامية أن تنشرها؟.
على مستوى الإنتاج، من خلال تغطية جميع الأنشطة المؤسسية ليوم واحد، فإننا لا نتجاوز 7٪ من الإرسالات. ومن الغريب، أن الأشخاص الذين يعطوننا دروساً، وينتقدوننا لا يرون تلك 7%، أي فقط البيانات الصحافية للسلطات العمومية و التحركات الرسمية، ما يظهر حب التملك لديهم. الأفضل من ذلك، من ينتقدوننا بشراسة، هم نفسهم الذين يقولون لنا إنهم لا يستطيعون العيش بدون موجز الأخبار لدينا لتطوير جرائدهم.

ما ردكم على من يرون في وكالة المغرب العربي صوت سيدها؟

لا أفهم لماذا يمكنك أن تطلب من وكالة أنباء، تمولها الحكومة وتعمل في إطار قانوني محدد، ألا تكون صوت سيدها كما تقول، و أن تحمل صوت الأمة بكل تنوعها، ماذا يمكن أن تكون؟ صوتا خارج الدستور أو خارج القانون أو خارج الحكومة؟ لماذا يريدون أن تغطي وكالة عامة، المعلومات المؤسسية لتصبح «عدمية»، في حين أنها تحترم التعددية والاختلاف بينهما؟
في الواقع، هم يريدون منا أن نخرج خارج إطار الدستور، أو مهمتنا القانونية، في حين أن جميع الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية الجادة والنقابات العمالية … متموقعة في مجال عملنا. هذا ليس جادا، لأننا لا نريد أن نصبح ملحقاً للدوائر المتطرفة أو العدمية، بل أن نجلب الحياة إلى وكالة أنباء متعددة الأشكال، منفتحة 360 درجة على التعددية والتنوع في إطار سيادة القانون الدستوري التي تعطي صوتاً للجميع.

ماذا عن وضعكم المالي، و هل ستستقلون قريباً عن الدولة؟، ما الذي تغير مع الوباء؟

ليس الأن، بيد ان عددا من المنتجات الإعلامية التي أطلقت مؤخرا، يجب أن تستقر أولا في سوق ما بعد كوفيد-19. فنحن على وعي واسع النطاق بهشاشة نظامنا. الواقع أن كل إنجازاتنا، يمكن أن تكون موضع تساؤل تام، بين عشية وضحاها.

على سبيل المثال، خطة اجتماعية كما هو الحال في بعض الصحف؟ و ماذا عن المستقبل؟ متى ستكون على يقين من ربحيتها؟

لا أعتقد ذلك، لأنه نظرا للطبيعة الاستراتيجية لأعمالنا، فقد تكيفنا مع الحالة الراهنة.
– ما زلنا بحاجة إلى زيادة تطوير أشكال الإعلام الجديدة التي لا تزال في فترة المهد.
– علينا أن نطلق هذه المنصات أولا، وسوف يستغرق الأمر من سنتين إلى ثلاث سنوات، لقياس الأثر الحقيقي للتلفزيون والإذاعة الإخبارية بشكل مستمر، فضلا عن وجودنا في أكشاك بيع الصحف.

وفي غضون ذلك، كيف سيتم تمويل التلفزيون والإذاعة؟

تكلفنا بوكالة أنباء ذات مقر كبير وشبكة عالمية، تضم مائة شخص هو رصيد كبير، من حيث المدخرات والتطوير. وفي الواقع، لن تكون هناك تكاليف إضافية، لأننا أنشأنا وسائط إعلام ممتازة، من خلال تحسين الموارد المتاحة بالفعل للوكالة؛ مما أدى إلى انخفاض كبير في النفقات.

وبصرف النظر عن وسائل MAP، هل سيتم تمويل هذه الوسائط عن طريق الإعلانات الاشهارية؟ ما هو هدفك من حيث مداخيل الإعلانات الإشهارية؟، وفي اي أفق و كيف سيكون الامر؟

عندما يحين الوقت، نأمل في استرداد إيرادات الإعلانات الإشهارية، لتحقيق التوازن في حساباتنا وتخفيف العبء الجديد الذي يسببه هذان الإعلامان.
– عندما وصولي لمنصبي، حققت الماب ما يقرب من 17 مليون درهم من رقم المعاملات، لتبلغ اليوم قرابة 45 مليون درهم، كما نتوقع على المدى الطويل، أن يصل هذا الرقم الى 100 مليون درهم من الإيرادات، من مختلف خدماتنا الإخبارية (الإرسالات والصور والإعلانات…) بما بين 8 الى 10 ملايين درهم لإذاعة الراديو، ما بين 25 الى 30 مليون درهم بالنسبة للصحف، و من 5 الى 6 درهم للصور، وما يربو عن 15 مليون درهم للقناة التلفازية… مع العلم أننا لسنا في مستوى «المليار درهم» الشهيرة، غير أنه هدف متواضع جدا يمكن بلوغه في عام 2022 أو 2023.

لو لم تقم بكل الإصلاحات، فما الذي كان سيحدث للـ«ماب»؟، وهل كانت ستكون مجبرة على التوجه إلى الدولة؟ لذلك كنت لا تريد الاعتماد فقط على 200 مليون درهم من المنح السنوية؟

ستكون ميتة أو على الأقل تحتضر.
– إن تصورك مهين شيئا ما. سنكون قبل كل شيء في نشاط عفا عليه الزمن، تجاوزته الأحداث تماما، وسنغيب عن المشهد الإعلامي المغربي. لأن جميع وكالات الأنباء التي لم تتنوع ستختفي في مرحلة ما. قال لي أحدهم ذات مرة، إنني غيرت نموذج العمل في MAP، التي كانت محايدة عندما وصلت. في الواقع، كنا راضيين بتلقي المال العام، وإذا لم نتمكن من بيع ما يكفي من الخدمات، فإن الوكالة يمكن أن تعتمد دائماً على مساعدات الدولة. لكننا تمكنا في نهاية المطاف من تغيير تلك العقلية.
– في الواقع، نحن نصارع للانتقال من السيطرة المسبقة للدولة، إلى فكرة المراقبة اللاحقة مع التوجه للحصول على الاستقلال المالي.

سؤال أخير : ما الصورة التي تريد أن تتركها بعد مغادرتك لمنصبك؟

صورة مهني محترف، يسانده فريق رائع جدا وطموح، حاول قلب الاوراق و تغيير المقاييس، تحويل مؤسسة عمومية الى صرح إعلامي مهم، ثم وخاصة رجل قام بواجبه على أتم وجه، عبر تقوية التموقع المهني الاحترافي لهذه الوسيلة في الحياة اليومية الاعلامية بالمغرب.
كخلاصة، لقد تمكنا من تأسيس قطب عمومي إخباري متعدد المنصات في المغرب…


الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 27/10/2020

//