خليل هاشمي الإدريسي، بعد 10 سنوات من ترأسه لـ «وكالة المغرب العربي للأنباء» .. لولا تنوع إنتاجها الإخباري لكانت الـ «ماب» ميتة أو تحتضر الآن

حاور الصحافي سمير الودغيري، من موقع «ميديا 24» الإلكتروني باللغة الفرنسية، خليل هاشمي الإدريسي، بمناسبة مرور ما يقرب من 10 سنوات، على ترأسه لوكالة المغرب العربي للأنباء أو «MAP»، وما قدمه خلال هذه السنوات من «فوران إبداعي»، وسع
من هذه المنصة الإخبارية، لتمتلك الآن إذاعة دولية، وقناة إخبارية «MAP 24»، ومجلة ورقية… متسائلا عن الغرض من خطة التوسع هذه؟ وهل الوكالة الوطنية تشهد تنوعا أم تجزيئا؟

 

– كيف يمكنك أن تفسر استمرار مسيرتك المهنية الطوسلة، على رأس هذا المنبر الإعلامي، مع العلم أن كل من سبقوك لهذا المنصب، باستثناء المؤسس وخليفته، لم يستمروا لهذه الفترة من الزمن؟
– قد يكون سبب هذا يعود لكون الفرصة قد أتيحت لي لتطوير هذا المشروع، كما توفر لي الوقت الكافي كذلك لإنجاحه. في الواقع، إستطعت أن أصمم استراتيجية، ووفرت الوقت الكافي لتنفيذها، بيد أن الوقت الكافي لتطوير مشروعك أو حلمك، لا يعتبر سوى نعمة وبركة.

– هل ساعدكم تكوينكم وإنتمائكم للفضاء الإخباري في مهمتكم؟
– بالتأكيد، لأن ممارسة هذه المهنة، حين كنت زبونا لهذه المؤسسة، سمح لي بإعادة صياغة رؤية خارجية جديدة، وبمجرد الولوج إليها، كان توجهي يستهدف المستخدم والمشترك. بالإضافة إلى ذلك، خلفيتي كـ مدير تنفيذي في مؤسسة إخبارية، ربما سمحت لي بتصميم مشاريع، كنت على دراية مسبقة بمدى تأثيرها على مستوى فرق التحرير.

– وبالنسبة لزملائك السابقين؟
– في الواقع، بت قادرا على تخيل حجم احتياجات فرق التحرير، من أجل خدمات وزوايا خاصة.

– هل تعتقدون أن الخدمات الإعلامية التي أسستم لها، من قبيل (القناة التلفزية الإخبارية، إذاعة الراديو، الرسوم البيانية عبر الحاسوب، الأخبار باللغتين الإنجليزية والأمازيغية، المجلة والصحيفة اليومية…)، هي خدمات ضرورية؟
– بالتأكيد، فعندما توليت منصبي على رأس وكالة المغرب العربي للأنباء، صادفت محدودية في المنتوج الذي تقدمه الوكالة، منتوج وحيد تمثل في توفير المراسلات الرسمية، وهي خدمة استنزفت ما بين البيع وإعادة البيع للعديد من السنوات، لتتحول لما يشبه نوعا من التحسين ولا أقول التشبع. من هذا المنطلق، فُرض علينا تنويع المنتوجات الإعلامية، من خلال إجراء تحليل أولي لنشاط المؤسسة، ثم في الرؤية الاستراتيجية التي طورناها بعد ذلك.
بمرور الوقت، توصلنا إلى استنتاج مفاده، أن هذا الوضع لا يمكن أن يدوم، بيد انه كان عائقا أمام إنتاجية وتخيل الإمكانات، ناهيك عن كونه كابحا اقتصاديا وماليا، إلى الحد الذي بلغ فيه رقم المعاملات ذروته. وعليه، سرعان ما تمكنت فكرة تنويع المنتوج الإخباري من تبوء مكانتها لدينا، مع العلم أن المعيار الدولي الذي تم إطلاقه، أظهر أن المراسلات الرسمية لها قيمة سوقية تقترب من 30 %، كما الحال بالنسبة للصورة 30 %، والخدمات السمعية البصرية 30 % كذلك. لقد علمت في الواقع، مع توليي لمنصبي آنذاك، بأن المراسلات تكون 90 ٪ من أنشطتنا، لتتولد لدينا الرغبة في التنويع كجزء من سياق التغيير، مع زيادة و ازدهار مجال الرقمنة والصحافة الإلكترونية، حيث بدأ «الويب» في تغيير ملامح المشهد الإعلامي بأكمله.
لتوضيح الأمر ببساطة، فقد انتقلنا من نموذج العمل الكلاسيكي، المتمثل في المراسلة– الصحيفة المطبوعة– الطباعة على الورق –النشر – التوزيع، إلى النموذج الرقمي بعد مغادرة النموذج الكلاسيكي.
إن لكل نوع من الأنشطة احتياجاته الخاصة، فعلى سبيل المثال، فإن الجريدة الإلكترونية إلكترونية تشتري لنا الآن كل من الصوت والصورة والنص، وفي حالة توفيرنا للنص فقط، فإن الزبون لن يكون راضيا، وسوف يبحث عن حاجته في مكان آخر. لذا كان الاستقبال الذي تلقته خدمة الرسوم البيانية عبر الحاسوب خاصتنا، من قبل الصحافة الإلكترونية والمواقع الإلكترونية رائعًا. من هنا، و من البداية إلى النهاية، بدأت الوكالة في تقسيم منتجاتها أكثر وأكثر، وصولا الى تكييفها مع مواضيع المال والأعمال، الرياضة، البيئة…

– هل هذا نموذج إقتصادي جديد؟
– نعم، لقد سمحت لنا إستراتيجية التنويع في منتجاتنا، بأن نكون أقرب إلى احتياجات القطاع، بيد أننا في مواجهة هذا الانفجار الإعلامي الكبير، لن نتمكن من البقاء متمسكين بنهج عفا عليه الزمن. من حيث المحتوى، وكجزء من مهمتنا، يمكننا الاستمرار في نقل جميع البيانات الصحفية العمومية. لكن، وفي النهاية، هذا لا يمثل سوى % 5 إلى 7 % من الإنتاج الإخباري للوكالة.
خلال الوقت الذي قمنا فيه، بالوفاء برسالتنا المؤسسية، في مجال الاتصالات والخدمات العامة، كان علينا أن ننوع من حيث المحتوى، من خلال تغطية الأحداث الجارية الأخرى، المتعلقة بالثقافة والرياضة والمجتمع والنقابات والتعددية والتنوع…

– بعد 10 سنوات، كيف ترجمت هذه الإستراتيجية، تحديدا وفيما يخص الأطر العاملة ورقم المعاملات؟
– لقد حدثت تغييرات كثيرة، بما في ذلك تغيير اجتماعي في موظفي وكالة المغرب العربي للأنباء، لنشهد تقاعد العديد من الرواد في المجال، كما كان هناك تجديد لطبقة المهنيين، التي أدت إلى تجديد القوى العاملة وأمد حياة الشركة.
من جهة أخرى، وفرنا خطتان للمغادرة الطوعية، لتلبية كل الاحتياجات الجديدة، كما قمنا بتخفيض متوسط عمر موظفي بنحو 10 سنوات، وأيضا قمنا بتغيير في لائحة المؤهلات المطلوبة للتوظيف.
لقد مكن هذا التحول، من وصول جيل جديد من الصحافيين المدربين بشكل أفضل على التكنولوجيا الرقمية، التي جلبت للوكالة الإخبارية نفسا جديدا وإشعاعا أقوى من ذي قبل. ومن حيث رقم المعاملات، فقد تضاعف 3 مرات، لينتقل من 17 إلى 45 مليون درهم.

– عبر أي توجه؟
– لغاية سنة 2011، فإن معظم إيرادات الوكالة، كانت من المنتوج الكلاسيكي الإخباري. أما اليوم، فإن خدماتنا الأخرى قد وجدت طريقها، عبر توفير حزم تحولت إلى مصادر دخل مثيرة للاهتمام.
-هل ستتحول وكالة المغرب العربي للأنباء، إلى مؤسسة ربحية في سنة 2020؟
يرد:

-نحن على علم تام، بأن الحمض النووي للوكالة، يرتكز بالأساس على الخدمات العامة، غير أننا نحاول أيضا تنشيط بعدها التجاري المخصص للعملاء، هذا بفضل تجربتي السابقة كمدير صحفي. لكن، وفي الأساس، نحن لسنا شركة محدودة «ربحية» تؤتي ثمارها في نهاية العام. ولذلك، فإن مفهوم الخدمة العامة، يظل سائدا وهاما للغاية في حمضنا النووي.

– ألم يمنعك هذا، من الحصول على موارد أكثر منذ بداية مهمتك؟
– لولا تفوقنا على مستوى الموارد المالية، لكنا بحاجة الى إعادة تخصيصها، من خلال إعادة توزيع ميزانياتنا بشكل مختلف، مع العلم أن لدينا عددًا أقل من الموظفين، عما كنا عليه قبل 10 سنوات.

– ما الذي يعنيه كلامكم؟
– كان لدينا، في السابق، 600 موظف مقارنة بـ 570 موظفًا في الوقت الحالي، هذا النقص في عدد الموظفين، سمحت لنا بتحسين ميزانياتنا وتحسين تقسيمها. في حقيقة الأمر، كانت الفكرة الأولية، هي توظيف 300 شخص من العاملين في التحرير، بما في ذلك من خارج البلاد، ذلك أن المؤسسة هي الأولى في المغرب من حيث عدد الصحافيين. غير أن قدوم الجائحة الوبائية ساهم في إعطائنا وقتا لإعادة ترتيب أوراقنا، و فرصة لنا «لإعادة صياغة» شبكتنا العالمية التي لديها 12 قطبا و80 مراسلا في الخارج.

– على المستوى الاستراتيجي، قمت بإصلاح النموذج الإقتصادي؛ كما أنك استثمرت أيضا في الصحافة المطبوعة رغم علمك أكثر من الجميع، بأنها لن تكون منصة المستقبل…
– في رأيي، فإن أفضل أوقات الاستثمار، تكون في أوقات الأزمات، أي في وقت يتم فيه قلب البطاقات. تعتبر مطبوعات «وكالة المغرب العربي للأنباء»، جزءًا من رغبتنا الطبيعية، في التواصل مع الأكشاك بين الحين والآخر، في وقت يبحث فيه القطاع ككل عن فرصة جديدة للحياة ونموذج عمل جديد.
ولذلك فإن الإيمان بها، نعتبره رسالة هامة جدا، لأننا نريد أن يُسمع صوت الخدمة العامة في كل مكان، وعلى جميع المستويات وفي مختلف أشكال التعبير، سواء الرقمية أو المطبوعة، إذ نعلم أنها «محور إهتمامنا» الرئيسي، وأن لدينا هدفا ساميا من حيث نشر المعلومات، فليس من الطبيعي ألا نعبر عن أنفسنا في هذا الاتجاه. نعتقد أن نهجنا، أي خدمة المعلومات الموحدة، هو أفضل ضمان لحرية مستقبلية للقطاع التلفزي، حيث يرجع ذلك على وجه التحديد، إلى أن الصحافة المطبوعة تعاني من أزمة، فنحن نعتقد أنه من المناسب المشاركة في صيانتها، عبر منشورات و مطبوعات معقولة جدا.

– هذا يعني؟
– هذا يعني، ما بين 5 آلاف الى 10 آلاف نسخة، للحفاظ على بصمة يمكن الإستشهاد بها. يبدو لنا، بأن عودة الخدمة العامة إلى الأكشاك، حركة مهمة من الناحية الاستراتيجية، لأن القطاع بأكمله لم يعد قادرا على مواجهة قيود التحول الرقمي، فكان من اللازم علينا أن ننقذ الضروريات… وبما أن الفرصة متاحة لنا، للتموقع في أكشاك بيع الصحف، فقد كفلنا من جهتنا، الحضور الدائم لصوت الخدمة العامة، بما في ذلك في هذه المستويات و على عدة أشكال، فلا أحد يستطيع أن يعيش مع الصمت.

– على الرغم من كل الصعاب، هل تمارس وكالة المغرب العربي للأنباء دور الراعي مع رعيته؟
– ليس صحيحا، نحن فقط نقوم بواجبنا الإعلامي، وسأعطيك مثالا لتفهم الأمر. إن مهمة وكالتنا، هي تقديم المعلومة المؤسسية، في الحين الذي قد يعتبر معظم العاملين في الصحافة، بأن نفس المعلوم قد لا تعود عليهم بنفع مادي، و أنها لا تجذب القارئ كذلك، في إطار نموذجه الإقتصادي.
في مواجهة ذلك، هل ينبغي لنا أن نتجاهل معالجة هذا النوع من المعلومات، أو على العكس من ذلك، أن نؤسس لجسر تحاوري يمكن أن يعطي فرصة للنقاش، على سبيل المثال، كما الحال لقانون المالية المعدل، الذي هو أهم موضوع في البلاد من الناحية الاقتصادية والمالية.
إذا لم نفعل ذلك، فإن هذه المعلومات ستختفي، ومهمتنا لا تسمح لنا فقط بالدعم، دون الرد على هذا الاختفاء، لأنه سيكون من المؤسف، أن لا ترسخ أو لا «تطبع» لحظات كهذه. كل هذا يعني أن عودة الخدمة العامة في هذه النمط المتكرر بدت لنا أساسية، و من الناحية الاستراتيجية بالغة الأهمية لبلدنا.

– إذن، فأنت لا تؤمن بإختفاء الصحافة الورقية؟
– لا أعتقد ذلك، على الأقل ليس كليا. علاوة على ذلك، فإن التنبؤ بما سيحدث بالفعل، لا ضرورة منه لأنه قائم الآن، خصوصا مع التوجه الرقمي والاشتراكات المدفوعة، والمنشورات «التناظرية» الإستدلالية، التي ستظل دائما متاحة لبعض الزبائن المعينين.

– على غرار المكتبة الوطنية؟
– لا على الإطلاق، بيد أن شريحة من العموم ستكون دائمة الحضور، وهي لا تقتصر فقط على كبار السن، الذين سيواصلون قراءة الكتب في شكل ورقي، وشراء الصحف من أكشاك بيع الصحف. إن رسالة النسختين العربية والفرنسية، من صحيفتنا اليومية، تكمن في أن نشير باستمرار، إلى أن هناك دائما مستقبل للطباعة، عبر إثارة اهتمام القراء بمعلومات مفيدة وجادة حول القطاع العام. ففي النهاية، لا أعتقد أن أحداً سيختفي، لأن أياً كان ما سيحدث، فإن الصحافة ستبقى.23


الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 26/10/2020

//