روتوش

 

خلف ضجيجهم، ثرثراتهم، حديثهم، وشوشاتهم،…يتوارى ما يحرك جسدها من ألم ووخزات هواء فاسد، يملأ مكان الرجل المبتورة، بالضبط الرجل اليسرى، مكانها يحل عكاز تتكئ على رأسه الحديدي المبطن بجلد ..محشو بقطن صلب، يساعد على عدم الإضرار بإبطها، نعم هو عكاز من الطراز القديم، لكنه في نقل جسدها من مكان إلى آخر – لنَقُل – يفي بالغرض، 13 أكتوبر، يوم راسخ، وسيظل مترسخا بذاكرتها الصاخبة، يوم ازداد فيه وزن الانتظار أكثر من أي يوم من أيام عمرها الذي لا يتجاوز الأربع والعشرين سنة..
يوم انتظرت فيه وصول رجلها اليسرى، والتي تكفل بتحقيقه كحلم، أمهر صانع للأطراف الاصطناعية، بأشهر مركز متخصص بالمنطقة..
فبعد جولة ماراطونية جمعت بين قر شتاء و قيظ صيف نفس السنة، إلى ذلك المركز، تم فيه أخذ القياسات وضبطها، تعديلها، تحديدها، وتجريبها..
جالسة أمام التلفاز، الذي لا تنظر إليه، ولا تعير اهتماما بفيلمها المفضل «.Les intouchables» بل تتابع بدل ذلك دقات قلبها المتسارعة تحت ضغط انتظار تملكها واستبد بها ..تسمع صوت المفتاح .. بسرعة، تعكس تلهف الفاعل في الدخول، لكن أول من دخل وظهر والباب يُفتح، كان علبة بيضاء تحمل صورة رجل آلية..
ابتسامة جد عريضة تُرسم على وجهها الذابل الملامح ..
وأخيرا رجلها اليسرى المستنسخة وصلت.
كلباس عيد طال غيابه، تلف العلبة بذراعيها، وتطلب من أمها مرافقتها إلى غرفتها، لمساعدتها في تثبيت الرجل الاصطناعية، وهما يصلان إلى وضع اللمسات الأخيرة، ترمي ريم بالعكاز، أو بالأحرى، تدعه يأخذ وقته في السقوط، لتمسك بذراع أمها محاولة خلق الخطوات الأولى برجلها الجديدة، فما أعذب الرشفة الأولى من أي شيء !.. كما يقول يوسف إدريس .
وهي تتقدم قليلا، وتبتعد عن عكازها، تجد صعوبة في الحركة، العضو الجديد لايزال غريبا على جسدها وتقبله يتطلب وقتا، هذا ما تلمح إليه الأم، وهي تساعدها على العودة إلى الكوافوز..
عينا هاته الأخيرة تغرقان في استياء يكاد يوقعها أرضا، تطمئن الأم ابنتها وتنبهها إلى أن تحقيق الخطوات الأولى ب»البروتيز « يلزمه صبر وقوة تحمل، لتعويد الجسد وإخضاعه تدريجيا لأمر فرضته الحاجة..
والآن انزعيه، وحاولي النوم..
بحركة من رأسها الصغير، تومئ إلى أمها بأنها ستفعل..
أمام مرآة الكوافوز تجلس والرجل الاصطناعية مازالت مثبتة، تنظر إليها ..تطيل النظر، وكأنها تحاول أن تعقد معها معاهدة صلح، بل وترحب بحلولها في مكانها الجديد بجسدها..
ترفع عينيها إلى المرآة، تنظر إليها، وبصوت خافت تحدث نفسها:
هل سأترك لهذا الشيء الغريب عن جسدي الحق في تحديد حجم سعادتي أو حزني؟
هل سأسمح له بجعلي عربة يجرني إلى أي شعور يريد..؟
هل سأفتح باب الاستسلام لجسدي، وأقنعني أن العجز قدره، وأن أحلامي صارت فقاعات؟
هل أنا بصدد جعل هذا الجسد جسرا، عبره أفسح لنظرات الشفقة الطريق للتدفق نحوي؟ ..
« الذكاء هو القدرة على التكيف مع التغيير « عبارة رددها « ستيفن هوكينغ» وآمن بها ليصبح أكبر وأعظم فيزيائي عرفه التاريخ، مرض التصلب الضموري العضلي الذي أصابه، وفقدانه الحركة شبه الكلية، دافِع كان قويا – رغم ألوان من الآلام والصعوبات- ليصعد منصة التتويج ويرشح لنيل جائزة نوبل، بفضل ذكاء أملى عليه نوع الإرادة والطموح لبناء فكره وتغذيته بالعلم والمعرفة ..
«ستيفي ووندر» الشاعر، الملحن والمغني الضرير، الأديب « طه حسين»، «أبو العلاء المعري»، ولائحة عظماء من ذوي الإعاقات طويلة بقلب التاريخ نُحِتت، وليس صدفة وُضع هؤلاء في طريقي، هناك رسالة تُناولُني إياها يد خفية يقول لي صاحبها، أن الجسد أداة، لا حول ولا قوة له يصبح أمام تفكير يؤمن بأن الجمال، هو جسم متناسق، رشيق، وأن قوته في عضلاته..وأن خارج صالونات التجميل، والقاعات الرياضية، تلغى هوية الإنسان..
يشهد تاريخ العظماء من ذوي الاحتياجات الخاصة، أن تفكيرهم كان في منأى عن إعاقات أخطر وأفدح، كالظلم، الخوف، الكراهية، المكر..إعاقات أدركوا أنها تصيب الفكر والروح بشلل يرمي بالجسد على هامش الطريق بعيدا عن كل طموح يبني الذات وينير الحياة.
وتعب التفكير والهمس يجعلها من الاستسلام للنوم أقرب، تبعث لنفسها عبر المرآة ابتسامة يغلب عليها التثاؤب وهي تقول:
على أي لم أفكر يوما في أن أصير عارضة أزياء ولا بطلة في سباق المئة متر..
وابتسامة أخرى يلفها الهدوء تنزع « البروتيز» من مكانه، تضعه بجانب المرآة، تتكئ على عكازها وبيدها كتاب «غرفة تخص المرء وحده « لفيرجينيا وولف..


الكاتب : سعيدة لقراري

  

بتاريخ : 23/10/2020

//