سيرة ومسار لاجئ مغربي إلى الأراضي الإيبيرية من خلال المصادر الإسبانية (أواخر ق16 وبداية ق17)

صورة واسم الأمير مولاي الشيخ على جدران أهم شوارع مدريد وهو الشارع الذي كان يمتلك به منزلا عاش فيه لمدة طويلة

 

نستهدف من خلال هذا العمل دراسة وتحليل بيوغرافيا إحدى الشخصيات المغربية التي كان لها وقع وتأثير على سيرورة الأحداث التاريخية، ليس في المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية فقط؛ بل في غرب المتوسط عامة، وذلك خلال الحقبة الممتدة ما بين أواخر القرن 16 وبداية القرن 17. ويتعلق الأمر بالأمير مولاي الشيخ، المزداد سنة 1566 بمراكش والمتوفي بVigevano (ايطاليا) سنة 1621.
ونجد شخصية مولاي الشيخ حاضرة في المصادر التاريخية الأوروبية، بما فيها من وثائق سياسية ودينية وإدارية وتجارية، ناهيك عن كتابات أدبية تدقق في سيرته الشخصية ووسطه الاجتماعي وعلاقاته مع النخب السياسية والمثقفين ورجال الدين والنبلاء. فمن يكون الأمير مولاي الشيخ أو El Príncipe Xeque ؟ و كيف ذكرت المصادر الأوروبية سيرة الأمير محمد الشيخ؟ وما تمثلات صورته في المخيال الجمعي الذي ظل حاضرا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة بناء على ما تقدم حاولنا تتبع سيرة الرجل من خلال ما تكتنزه الكتابات الإسبانية من معطيات حول شخصية مولاي الشيخ. بيد أن التساؤل المنهجي الذي يفرض نفسه هو: لماذا بالضبط المصادر الإسبانية وليس البرتغالية أو الإيطالية؟

إن الاعتماد على هذه المصادر تعود إلى مستويات متعددة:

أولا: معرفتنا وإلمامنا باللغة الإسبانية وثقافتها وتاريخ الشعوب الناطقة بها.
ثانيا: لأن الفترة التي قضاها الأمير مولاي الشيخ في البرتغال تمت دراستها من طرف مؤرخين متخصصين أمثال أستاذنا الجليل أحمد بوشارب. وقد يكون تكرارا إذا ما قمنا بذلك.
ثالثا: لأن الأمير مولاي الشيخ رحل إلى إسبانيا رفقة حاشيته بعد أن استولى الملك فليب الثاني Felipe II على البرتغال وضمها إلى إمبراطوريته.
رابعا: لأن فترة إقامة الأمير مولاي الشيخ في إسبانيا تمثل أطول وأهم مرحلة في حياته. وسنفسّر أسباب الأهمية التي اكتستها هذه المرحلة لاحقا.
خامسا: العثور على معطيات تؤرخ لهذ الشخصية في أعمال كبار كتاب المرحلة وجهابذة الأدب الإسباني؛ إذ نجد الروائي الشهير ميغل دي ثرفنتس Miguel de Cervantes، صاحب رائعة “دون كيشوط”، يذكر في رواياته “رحلة الى بارناسوس Viaje del Parnaso شخصية الأمير المغربي مولاي الشيخ الذي كان يسكن بجواره بشارع البساتين أو Calle Huertas بمدريد. ناهيك عن أن المسرحي الكبير لوبي دي فيكا Lope de Vega، والذي يعد من رموز النبوغ والازدهار الذي وصل إليه الأدب في إسبانيا خلال العصر الذهبي أو”Siglo de Oro” كان من أعز أصدقاء مولاي الشيخ لدرجة أنه خصص إحدى أعماله الأدبية لسيرته. أضف إلى ذلك أن كالدرون دي لبركا “Calderón de la Barca” ، وهو أيضا من رواد الأدب الإسباني خلال العصر الّذهبي، استعمل سيرة مولاي الشيخ ليبدع إحدى أروع أعماله المسرحية والتي عنونها “بأمير فاس الكبيرEl Gran Príncipe de Fez””.
سادسا: ما يزيد موضوع مولاي الشيخ أهمية هو هجراته الثلاث: أولا، من المغرب نحو البرتغال، وبعد ذلك نحو إسبانيا ليقضي هناك أكبر قسط من حياته وليهاجر في سنوات متأخرة من عمره إلى إيطاليا. كل هذه الهجرات التي ميزت مسار مولاي الشيخ لم تحدث عبثا؛ بل كانت تستجيب إلى أسباب خاصة سنتطرق لها في ما سيأتي.
سابعا: معمودية مولاي الشيخ واعتناقه للمسيحية يجعل شخصيته محط جدل، وتذمر واستياء بين حاشيته المغربية التي كانت تتشكل من مئات الأشخاص والتي كانت ترى فيه صورة الأمير المسلم والوارث الشرعي للعرش السعدي الذي ربما قد يسترجعه يوما بدعم من ملك إسبانيا. وهو الاستياء نفسه الذي أثارته مسألة كهذه بين أتباعه ومحبيه المورسكيين، والذين كانوا يرون في مولاي الشيخ حاميهم ووسيطهم المسلم أمام تعسف السلطات الدينية ومحاكم التفتيش وقساوة المجتمع الكاثوليكي في إسبانيا.

صورة واسم الأمير مولاي الشيخ على جدران أهم شوارع مدريد

إذن وبناء على ما تقدم، كيف ذكرت المصادر الإسبانية سيرة الأمير محمد الشيخ؟ وكيف كانت صورته في المخيال الجمعي؟
يعتبر الأمير مولاي الشيخ الوارث الشرعي لعرش فاس، وهو ابن محمد المتوكل وحفيد محمد الشيخ، مؤسس الدولة السعدية. أبوه خلع من عرشه فاستنجد في بداية الأمر بملك إسبانيا الذي يظهر من خلال متون المصادر الكلاسيكية أنه لم يدعمه، ومن ثمة اضطر لأن يتجه نحو البرتغال، والاستنجاد بالملك سبستيان الذي قاد جيشه نحو منطقة القصر الكبير لمواجهة السعديين بقيادة عبد الملك وأخيه أحمد، في معركة اختلفت تسميها حسب الاسطغرافيتين البرتغالية والمغربية، وانتهت بسحق جيش البرتغال وموت ثلاثة ملوك: سبستيان والمتوكل قتلا في ساحة المعركة وعبد الملك وافته المنية نتيجة مرضه.
وقد كان مولاي الشيخ شاهدا آنذاك على مقتل أبيه والملك الذي استنجد به؛ بحيث فرّ رفقة عمه المولى ناصر والجنود البرتغاليين متجها نحو لشبونة، وهو صبي عمره لا يتعدى 12 سنة آنذاك.
استقر مولاي الشيخ وعمه مولاي ناصر -رفقة حاشيتهما المغربية التي كانت تتألف من 54 من خدم و 6 جواري- منذ 27 دجنبر 1578 إلى حدود مارس 1587، بضواحي العاصمة البرتغالية، في بلدة تدعى Alvalade Villa de. مولاي الشيخ وعمه، كلاهما كانا يتلقيان من طرف سلطات البرتغال أجرا شهريا قدره 2000 مرابيطة maravedís””؛ بل أكثر من ذلك كان فليبي الثاني، ملك اسبانيا، حريصا ومهتما بشكل كبير بهذا الطفل، والذي اعتبره منذ البداية بمثابة الوارث الشرعي لعرش المغرب، وورقة رابحة في سياق العلاقات الدولية.
وكان فليبي الثاني الملقب بالملك الحذر، يعلم أن أي حملة ضد المغرب قد تدخله لا محالة في صراعات دولية، ولأجل ذلك لم يستجب لكل طلبات مولاي الشيخ الذي ظل يحظى طوال عمره بتقدير ومودة فليبي الثاني الذي أمر بأن يستمر مولاي الشيخ في تلقي راتبه الشهري وكل أنواع الدعم المادي والمعنوي.
وجدير بالإشارة، أن مولاي الشيخ لم يحظ بكل الدعم الذي أمر به فليبي الثاني السلطات البرتغالية. وأكبر دليل على ذلك هي الصعوبات التي واجهها مولاي الشيخ خلال تلك الفترة، بحيث أن راتبه الشهري لم يكن يتلقاه بانتظام؛ كما أن جزءا كبيرا من البرتغاليين كانوا يعتبرون الأمير المغربي سببا في هزيمتهم العسكرية وموت ملكهم وفقدان استقلالهم.
في سنة 1587م تم ترحيل مولاي الشيخ وحاشيته نحو إسبانيا، استجابة لأوامر الملك فليبي الثاني، الذي كان يتخوف من هجرته إلى انجلترا، هذه الأخيرة التي كان بإمكانها توظيفه ضد الملكية الإسبانية.
ورحل مولاي الشيخ إلى بلدة كرمونة Karmona بإشبيليا ومكث بها الى حدود 1591. ورغم استقراره في إحدى أفخم قصور تلك البلدة، لم يحظ بتقدير ومودة ساكنة المدينة التي اعتبرته هو وحاشيته دخيلا عليهم. وقد تزامن ذلك مع استقرار نسبة هامة من أبناء وحفدة الأندلسيين النازحين من مملكة غرناطة نحو اشبيلية بعد سقوطها في يد التاج الكاثوليكي. وأما السلطات المحلية فعادة ما كانت تتأخر في تأدية راتب مولاي الشيخ. ورغم أنه حظي بترحيب ومودة بعض نبلاء البلدة الذين كانوا يزورونه في إقامته ويبعثون له بكثير من الهدايا ويرافقونه إلى عروض مصارعة الثيران، باعتباره أميرا وليس كباقي الساكنة ذات الأصول المسلمة؛ فإن ذلك لم يمنع مولاي الشيخ من التفكير في الرحيل.
ويبدو أن علاقته مع فئة النبلاء جعلته يقترب وبشكل كبير من عاداتهم وتقاليدهم؛ إذ نجد في هذا السياق مولاي الشيخ يحضر المناسبات الدينية المسيحية ويرافق أصدقاءه إلى زيارة الأضرحة والأماكن المقدسة للتقرب شيئا فشيئا من العقيدة الكاثوليكية. وتذكر بعض مصادر المرحلة أن جل حاشيته كانت تتكلم باللغة الإسبانية، ولكن كانت تجهل كتابتها.
ونجد بالعودة إلى أسباب رحيله، أن أهم أسباب ذلك تعود إلى المشاكل الاجتماعية التي كانت تتخبط فيها حاشيته المغربية؛ من قبيل الاحتقار والميز العنصري والاعتقالات التعسفية أحيانا بتهمة شراء العبيد المسلمين وافتكاكهم أو بتهمة التعاون مع المورسكيين والأتراك.
تميزت علاقة مولاي الشيخ بفليبي الثاني في بداية الأمر بالحذر وعدم الثقة، بحيث أن الملك الإسباني منع الأمير السعدي من مغادرة إشبيلية ووضعه تحت المراقبة، بيد أنه وبعد أن تأكد من اندماجه في أوساط النبلاء الإسبان، وعدم تقربه من الموريسكيين، خول له حق التجول والاستقرار في أي جهة من إسبانيا. وعليه، غادر مولاي الشيخ بلدة كرموناCarmona متجها نحو بلدة أندوخارandujar قرب مدينة خايين (جيان). أما عمه مولاي ناصر فقد ظل يقطن بلدة Ultrera باشبيلية بعد أن منع من مغادرتها.
ويبدو أن مولاي الشيخ أحس بنوع من الغربة والحنين إلى بلده المغرب، لما استقر في أندوخارAndujar، بحيث وجه رسالة إلى الملك فليبي الثاني طالبه فيها بدعمه المادي والمعنوي لاسترجاع عرش أسلافه. ولعل سبب إحساس مولاي الشيخ بالحنين إلى بلده هو طبيعة ساكنة Andujar التي كانت معظمها كاثوليكية وجد محافظة. غير أن تلك الرسالة ربما لم تجد آذانا صاغية، ولذلك حاول الأمير اللاجئ الاندماج من جديد مع ساكنة هذه البلدة. وقد برهن على ذلك عبر إفصاحه عن اهتمامه بالديانة المسيحية خصوصا بعد عدم تلقيه أي جواب من طرف فليبي الثاني في ما يخص استرجاع عرش أسلافه. فوعيه باستحالة عودته إلى المغرب كان سببا في اعتناقه للعقيدة الكاثوليكية مستغلا سنة 1593 حدث تخليد الاحتفال بأحد الأعياد الدينية للإعلان عن تأثره بهذه المعتقدات.
واعتبرت السلطات الإسبانية هذا الحدث بمثابة انتصار للمسيحية على الإسلام. أما مولاي الشيخ فقد تحول من أمير المغرب إلى أمير الموريسكيين ونموذجا للاقتداء بالنسبة لكل المسيحيين الجدد.
وبهذا يكون مولاي الشيخ قد تنازل لعمه مولاي ناصر الذي صار بمثابة الوارث الشرعي لاسترجاع العرش السعدي.
واحتفل مولاي الشيخ في 3 نوفمبر من 1593م بحدث تعميده في كنيسة بلدةSan Lorenzo de Escorial ، على يد قسيس طليطلة Obispo de Toledo، وبحضور الملك فليبي الثاني وابنته Eugenía Isabel Clara؛ وليتحول اسمه انطلاقا من هذه اللحظة إلى فليبي الإفريقي “”Felipe de África.
لوحة وضعت على جدار احد المعابد بمدينة أندوخار الإسبانية، تحمل صورة الأمير مولاي الشيخ واسمه وتخلد مرور خمسة قرون على تعميده.

وقد نتج عن اعتناق مولاي الشيخ للمسيحية حصوله على مجموعة من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ استقر منذ ذلك التاريخ بمدريد، واندمج مع النخبة المثقفة ومع النبلاء والموظفين الساميين وكبار الجيش، وأصبح يعامل معاملة الأمراء؛ كما حصل أيضا على مجموعة من الهبات والهدايا من عقارات وأملاك بمختلف جهات إسبانيا.
وفي سنة 1609، قرر مولاي الشيخ الهجرة إلى إيطاليا بعد أن كثرت متابعات محاكم التفتيش للمسحيين الجدد. وإذا كانت بعض المصادر الإسبانية تعتبر سبب هذه الهجرة هو العامل الديني المتمثل في رغبة مولاي الشيخ لزيارة الفاتكان، والتعرف على البابا، فالظرفية التاريخية التي جاءت فيها تلك الهجرة، إلى جانب عزمه على افتكاك أسرى موريسكيين بماله الخاص قبل مغادرته لإسبانيا، يؤكدان وبجلاء، أن سبب هجرته في سن متقدم، يعود بالأساس إلى تخوفه من متابعات محاكم التفتيش، بالرغم من علاقاته المتميزة مع الأسرة المالكة بإسبانيا. وهكذا نجده يقوم بزيارة البابا يوحنا الخامس بالفاتكان؛ حيث قضى مدة زمنية بمدينة ميلان، واستقر في بلدة Vigevano. وتشير المصادر إلى أن الأمير اللاجئ دخل في أزمة مالية هنالك، بحيث انقطعت جل مداخيله المالية. وقبل وفاته قام بإعداد شهادة يصرح فيها بتفويت أملاكه لابنته Josefa de África .
توفي مولاي الشيخ في نوفمبر 1621، عن عمر ناهز خمسة وخمسين سنة.
هذه إذن سيرة ومسار أحد الأمراء المغاربة الذي اختار العيش بين البرتغال وإسبانيا وإيطاليا بعد أن حرم من حقه في اعتلاء عرش أسلافه، وبعد أن تحول إلى عملة مقايضة استعملها ملوك البرتغال وإسبانيا في سياق العلاقات الدولية لبلوغ أهدافهم. وهي سيرة تعكس لنا كيف كانت ظروف فئة اجتماعية سميت بالمسحيين الجدد؛ كما تكشف لنا أيضا عن حقائق تاريخية قد تساعدنا في إعادة قراءة تاريخ العلاقات المغربية الايبيرية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.
دكتور في تاريخ العلاقات المغربية الايبيرية، بجامعة كمبلوتنسيComplutense (مدريد) وأستاذ التعليم العالي بجامعة ابن زهر، أكادير.
– عموما يمكن اعتبار مسرحية Lope de Vega والتي تحمل عنوان ” تعميد أمير المغرب” أو El Bautizo del príncipe de Marruecos” هي أكثر واقعية مقارنة مع باقي الأعمال الأدبية السالفة الذكر. بل يمكن اعتبارها بمثابة مصدر تاريخي مفصل لمعرفة حقائق دقيقة حول سيرة ومسار مولاي الشيخ داخل سياق تاريخي ذي خصوصيات سياسية واجتماعية وثقافية معينة.
ففي سنة 1955، نشر المجلس العالي للبحث العلمي بمدريد للمؤرخ الاسباني Jaime Oliver Asín, إحدى أهم الدراسات التي تناولت شخصية مولي الشيخ تحت عنوان.
Vida de don Felipe de África,
príncipe de Fez y Marruecos.
Jaime Oliver Asín تناول سيرة مولاي الشيخ من خلال الرسائل المتبادلة مع الملك فليبي الثاني.
– استحوذ الملك الاسباني على البرتغال سنة 1580 وضمها إلى عرشه، مستندا في ذلك إلى قرابته العائلية للملك سبستيان.
-راود مولاي الشيخ خلال العقد الأول من اقامته في الخارج حلم استرجاع عرش أبيه بدعم من ملك إسبانيا.


الكاتب : د. يوسف أكمير

  

بتاريخ : 19/11/2020

//