شرفة خوفو

 

إلى جوقة الملاعين في صحبة:
وَديع أزمانو وشفيق بوهو
على مرأى من أفقه المُعتم،
لا غَيمَ الليلةَ
في سَديمِهِ المَغمور بالرّؤى،
ولا بَريقَ بعينيه..
كما قائِدُ كتيبةٍ
في هُدنةٍ مؤقتة،
أو نهايةِ حَربٍ خاسرة،
مَغشِيّاً بسحابات الدخان والغبار..
اِنتَبهوا أيها الرِّفاق:
هو ذا خوفو الرّابضُ
بكأسِهِ المُترَعِ بمرارة الخسران،
بشعره المُسدَلِ طوعَ الريح،
بقامة هَولهِ على شفير الروح..
يجلسُ الآنَ وحيداً
في انتظار القيامة..

1

من ساحة النصر نزولاً،
لحانةِ سيردون صعوداً،
شرفة خوفو عاليَة
وشارعُ اللورين أسفَل
بلوحاتِهِ الضوئيّة تغمز للسابلة،
ودوريّة الشرطة المكرورة
تجفلُ من أشجار الليل،
وَعَربَدَةِ الريح
في عراء الأرصفة..

2

وأنتِ حَبيبتي بِلطفِكِ المعهودِ
على المَقعَدِ المُهتَرِئِ بجنبي،
لا داعيَ للارتياب مني،
أو من ضَجَّةِ الموائد المجاورة..
اكتفي بمائك المعدني في كأسكِ البِلّوري،
وَلا دخلَ لكِ فيما يجري..
خليك هادئة بقلبي
موجة ساهمة في أنوائها،
نجمة سادرةً في عليائها،
هالة من وَجهٍ سَادِنٍ
في محراب القصيد،
أو شامَةً نورانيّة
على حَوافِّ انعراجاتي
في متاهاتيَ الموغِلَة..

3

هنا.. بنفس الشرفة الكابية،
من الطابق الرابع في شارع اللورين،
كَعُقَابٍ مُستَكينٍ لعزلته الشمّاء
يرتشفُ من آنية المساء
زخاتِ المطر،
ويُسهِمُ في الفَراغ
كَأنَّه يكتشف السّماءَ لأوّل مرّة
قبّعةً من ألياف السّديم
أو مُجَرّدَ صحنٍ مُقَعّر عالقٍ في الفضاء..

4

هنا.. في الأعلى..
نفسُه خوفو الأعزَل
إلا من قصائدَ مُشاغبة
وغبشِ الرؤى في عينيه
وسط الأطيافِ المُحدِقة،
من شرفته المُسَلحة ضِدّ الزلازل،
من حواشيها المُسَيّجَةِ ضِدّ الانتحار،
من مسوَدَّاتِه المتطايرة كألواح الخراب..
عادة لا يفضي إليه في تيه المدينة
غيرُ ردهةٍ مظلمة
ومصعدٍ مُعَطل على الدوام
في سمائه السابعة..
لا يُجاريه في رحابِ الغيم
غيرُ وميضٍ خاطِفٍ
أو نيزكٍ سَاقِطٍ بألف بارقة،
لا يُضاهيه في رُهابِ الأعالي
غيرُ نَسرٍ جارحٍ
أو بهلوانٍ راقصٍ على الحبالِ في الهواء..

5

مَهلاً أيّها الرِّفاق،
لنا الآنَ
أن نكونَ في خلوته
أقرَبَ للسماء
من نجم يُداني مَجرّةً هائلة،
أقرَبَ للأفق
من لطخة فرشاة
بِيَدِ عالقة في لوحةٍ غيرِ مُكتَمِلة،
أقربَ للأغنيات
من لحنٍ مبحوح
في جوقة حانةٍ صاخبة،
أقرَبَ للكمنجات
من قوس تَكسّرَ
عند عطفةِ لَمّةٍ ساهرة..
أزهى في بَهونا من رَقصَةٍ جافِلة
تَرتخي من دائرةِ الضّوءِ
على خاصرة المدينة،
أبهى من ثمالة الوقتِ
في صباحاتنا المسدلة..

6

لنا الآنَ
أن نكونَ في حضرته
أقرَبَ للظلِّ في عينيه
من شجر الليل
في تعاويذ زرقاء اليمامة،
أقرَبَ للكأسِ بيديه
من أحلامنا المطفأة
بأهذاب ليلى الكاهنة،
من سهاد أجفانها الغافية،
من لَهَج البوح المشتهى على شفتيها،
من وَهَج الدخان الملتهبِ
من أصابع يديها،
من نُفور الصدر المُشرَع
في طلائع هتافنا للمَدينة الفاضلة،
من نثار الملح على الكونتوار،
وخصلاتها الحاشدة
على إفريز غيمةٍ
مُفعَمَةٍ بالأغاني
نرنو إليها خفية في الجوار..

7

يا لهذا السقوط الحر
برشاقة شاعر وديع
على الإسفلتِ المُثخَنِ بالليل
والظلال السائبة..
ولا شيءَ في مسقط رأسه
غيرُ بركة ضوء
ومسودّاتٍ متناثرة
بسحناتِ أرواح ممزقة..

8

هكذا كانت دوما دوالَيه
لا تعنيه السّماءُ الحانيَة عليه
بصدرها الموشى بأطراف السّحاب..

هَا البحرُ على بُعدِه ما أقربَه،
هَا المَوجُ تحت أقدامنا أغنية هادرة،
وأنتِ صديقة قلبي
خليك هادئة بقربي،
لا داعي للارتياب من مشهد عادي،
ولا دخلَ لَك بالمرّة
في ما يجري بالغرفة المُجاورة..

9

مُجَرَّدُ صَخَبٍ طافِح
كما الحالُ كلَّ ليلة،
وَهديرُ الحياة المتماوج
يتصاعدُ من الأقبية الموحلة
أسفَلَ العمارة..
هو ذا رقصُكِ المحمومُ
في دائرة الضوء المنثالِ
على كؤؤسنا المترعة،
هو ذا صَوتُكِ المبحوحُ
غير آسفة على شيء،
أبداً غير آسفة على شيء بالمرة،
هي ذي لازمتكِ المُتَجَعِّدَة
على لفافة أسطوانة مشروخة
بِحَشرجَةِ الغياب..

10

خليك لآخر المشهد هادئة..
من شرفتنا العالية
على شفير عينيك
تؤرجحنا نسائمُ الأنواء الباردة،
ونحنُ في الفصل الأخير
من ليلتنا الشاعلة
نستأنسُ بعزلة الشتاء
وكؤوسنا الفارغة..
تماما
كالتياع القلب
في محطة عزلاء
إلا من وحشة الفراغ..
كالتماع البرق
في زقاق مُثخَنٍ بقيء الحانات..
كانكساف النجم
في مجرّة عَالِيَة،
وكامتعاض الوقت
في مملكة اللهِ
مُضجَراً بفداحة الخلق
وآخر ترتيبات القيامة..


الكاتب : نور الدين ضِرَار

  

بتاريخ : 18/09/2020

أخبار مرتبطة

أصدر الأديب عبد اللطيف سندباد كتابا جديدا بعنوان « التجربة والرؤيا عبد الكريم الطبال نموذجا « عن مؤسسة آفاق للدراسات

صدر عن دار أمل الجديدة في دمشق – سوريا (بالإشتراك مع مؤسسة المثقف العربي/ أستراليا)، كتاب جديد لماجد الغرباوي بعنوان:

لم يكن البحر غافلا عما اقترفه الغرق ولا النار نائمة حين الرصيف احترق. هي إشاعات ينشرها الهواء في أزقة المدينة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

//