عالم الاجتماع الفرنسي برنارد فيدال : في حاضرنا نسقط مخاوفنا على المستقبل

في هذا الحوار الذي أجرته مجلة «دفاتر علم وحياة» مع عالم الاجتماع الفرنسي برنارد فيدال، الذي سلطت فيه الضوء على موضوع ما فتئ يذكر في كل كارثة تتعرض لها البشرية عبر التاريخ، ألا وهو»نهاية العالم».

o لقد فكر العديد من الحضارات، بما فيها حضارتنا (ولو بشكل قليل) في انهيار العالم. لماذا يتم الميل إلى هذا الطرح؟
n في تاريخ الحكي الإنساني، كان موضوع «نهاية العالم» من المواضيع الأكثر طرحاً وتردداً. أبوكاليبس حسب القديس يوحنا في الإنجيل، أعطى رسائله النبيلة لهذا «النوع الأدبي». لماذا نختلق هذه القصص وما الذي نرمي إليه من وراء ذلك؟ إذا أمعنا النظر فيها، فكرة نهاية العالم لا تختصر فقط على ما هو سيئ.. اليونان القدماء كانوا يتكلمون عن أبوكاتستايس Apocatastase الاستعادة الكلية، هي إعادة بناء أو استرجاع أو استعادة الأشياء إلى حالتها الأولية، هي دعوة إلى شكل من أشكال التجديد في عالم أعيد بناؤه بعد تدميره، عبر رؤية غربية لها بداية ونهاية ومتجذرة في النظر الخطي للأشياء، بالنسبة للمسيحيين الأوائل، فكرة نهاية العالم هي ضرورة لدخول مملكة المسيح الجديدة، وللأناركيين الثوريين هي شرط أساسي لـ”لمساء الأكبر”]هي عبارة تصف اليوم الذي تقوم فيه الثورة الاجتماعية، اليوم يمكننا ترجمة هذه الفكرة بعبارات بسيطة يجب على الأشياء أن تهدم ليعاد تشكيلها من جديد.. ومن الواضح أنه ليس من قبيل الصدفة أن تزدهر القصص الخيالية التنبؤية في أوقات الأزمات، بل كانت خلال غزوات البرابرة للإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي، وحرب مئة سنة في القرن14، الإصلاح البروتستنتي في القرن16، أو طرح الإشكالية البيئية في القرن21.. لهذا السبب كانت تتيح هذه القصص القدرة على تحمل الأيام المظلمة والأمل في عالم أفضل.
o من المفارقات، أن المخاوف البارزة في العصر الحديث هي الأقوى تأثيراً. ما هي المصادر الرئيسية التي تنبع منها هذه المخاوف؟
n سابقاً، كانت للقصص التنبؤية دعامة دينية، كانت تتكلم مع الرجال عن الطوفان، عن عدد الوحوش، عن السماء التي ستسقط فوق رؤوسهم. في عصرنا الحالي المتسم بخيبة الأمل والمنفصل عن كل ما هو إلهي، تغيرَ موضوع هذه القصص الخيالية، وترددت مخاوف أكثر عقلانية، في أولها، القلق البيئي الذي انتشر عن طريق وسائل ثقافية شعبية (سينما، المسلسلات، ألعاب الفيديو..). الخيال البيئي أتى ليغذي المخيال الاجتماعي. في فيلم 2012 لروبرت أيميريش، الذي يحكي ظاهرة توهج الشمس، الذي سيغرق البشرية في حالة من الفوضى، وفي فيلم أفاتار لجيمس كاميرون، الذي يحاول من خلاله سكان كوكب باندورا حماية بيئتهم من الغزو العسكري البشري، على خلاف المخرج ستيفن سودربرغ في فيلمه العدوى Contagion الذي عرض فيه موضوع أشبه بما يقع اليوم في العالم، حول فيروس قاتل يهدد مصير البشرية، وخطابات أخرى عقلانية نوعا ما تتناوب على هذا الخيال البيئي. يرجح الباحثون المختصون في الدراسات التي تهم انهيار الحضارات أن الدمار الذي لحق بنظامنا البيئي، هو الذي يفسر كل أمراض المجتمع الحديث: (جائحة كورونا، ارتفاع عدد المهاجرين، بروز الفوارق الطبقية بشكل قوي..) وكل هذا جعل الخوف العلمي والبيئي، يعمل تبرير المحظورات الدينية.

o ما الذي يمكن قوله حول هذا الجذب تجاه فكرة نهاية العالم”؟
n التساؤل حول البيئة إشكالية مطروحة منذ القدم. قام الفيلسوف الألماني غونثر أندرس (1902-1992) بطرح هذا المفهوم في مؤلفه”الإنسان المتقادم (1956)، حيث رأى أن الإنسان المعاصر يعتز بتلك الصورة المثالية والمختلفة للعالم، التي تناقض العالم الذي خلقه هو نفسه. وبالتالي سنكون طوباويين عكسيين، نملك السلطة الكاملة على بيئتنا، لكن تجاوزناها من خلال قوانيننا الخارقة. الخيال غالبا ما يتوقع الكوارث، يمكن لهذا النوع من القصص أن يساعدنا على سد الفجوات، لنأخذ مثلا: مركز التجارة العالمية في أمريكا، فقد سقط مرات عديدة في الأدب والســينما قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وعليه يصبح للخيال البيئي وظيفة إنذارية، حيث يقول لنا إحذروا، ربما ذهبنا بعيدا، يمكنه أن يساعدنا في زيادة الوعي لدينا. من وحش غودزيلا، الذي هو صورة للاستغلال غير المعقلن للطاقة النووية أفاتار القصة الخرافية لعالم مثالي مهدد بالدمار، بسبب التكنولوجيا، تصورنا لفكرة نهاية العالم، تعطي في الأخير معنى لوجودنا وتأتي أيضا لكسر الملل الناجم عن راحة الحداثة. حاضرنا بات مؤكدا من أننا نسقط مخاوفنا على مستقبلنا.
o ما الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول قصص الكوارث، التي نعيشها كما لو كانت مقدمات لنهاية العالم؟
n تلعب دورا مبهما نوعا ما، لكنه ضروري. تماما مثل الروايات التي تنتجها الثقافة الشعبية، يركز الإعلام في لحظة من اللحظات على كارثة ما، بحيث يصبح أحدهما يلاحق الآخر بسرعة كبيرة، في هذه الأوقات بذاتها يعمق الإعلام الإحساس بالألم ويُفهم الأمر بشكل تهديدي مبالغ فيه، بعد ذلك يتركون لنا حرية دمج الحقائق كما نريد.
تجدر الإشارة أيضا إلى أنه لمناشدة العواطف يكفي فقط عرض صور بشكل متسلسل ومترابط، ذلك يكون مجديا أكثر من عرض الأرقام (عدد الموتى من المهاجرين في المنطقة الأورورمتوسطية، جائحة كورونا..)، في الأرقام هناك بالفعل دائما مسافة تعيق التعاطف تجاه الآخر وفي غياب صور عن الكوارث، القصة الإعلامية تستخدم الوسائل الأخرى ذات الأبعاد الأسطورية، مثلَ استعمالها لشخصيات بطولية، علاج فيروس كوفيد-19 المستجد يظهر في: «بما أنه ليس بمقدورنا عرض صور لأناس يموتون، نمجد الممرضين، جامعي القمامة، العمال المشتغلين في محلات الأغذية وفي خدمة توصيل الزبائن الذين يعملون فترة الحجر الصحي… في نهاية المطاف، تصبح هذه القصص العاطفية مرايا ناقدة لمجتمعنا، يسلطون الضوء على السلوك الجيد والسيئ، ويبدؤون حين إذن في التفكير بالعالم بعد ذلك.
o هل هذا يعني أن الكوارث التي يتم إدراكها بانتظام بأنها ستكون نهاية العالم، يمكن أن تؤدي إلى تغيرات في عمق المجتمع؟
n لا أظن ذلك لأن كل كارثة تأخذ أشكال ثقافتها، الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، التي تطالب بها البشرية بشكل ساذج، نادرا ما يتم بلوغها. بشكل مماثل، اليوم وفي ظل العزل والخطر الناجم عن فيروس كورونا، كثيرون هم من ينتظرون إصلاحات في الأنظمة الصحية وفي وسائل الإنتاج. من المؤكد أنه في نهاية هذه الأزمة الصحية، ستبدو بعض القطاعات الاقتصادية أكثر قابلية للحياة من غيرها في المستقبل. يبدو أن هجمات 11 سبتمبر لم تغير حياتنا اليومية، ولكن غيرت طريقتنا في التعرف على الآخر، في السفر.. وقعوا على إدخال الماسح الضوئي البيومتري في المطارات، وقبل كل شيء تعزيز قوة البيانات الضخمة. اليوم، نشيد بالأطر الطبية، ونذكر بالوجود المشترك وبعلاقتنا بكبار السن، ونناشد الزراعة المحلية الصحية، ونندد بالنقل الجوي. لكن غدا، سنكون بدون شك غارقين في بحر رغباتنا، سنرغب في السفر إلى أبعد المناطق وشراء آخر صيحات الهواتف. العنصر البشري له ذاكرة ضعيفة، فسرعان ما ينسى الكوارث التي مرّ بها.
o ما الذي تعنيه لكم فكرة نهاية (العالم)؟
n إذا بحثنا في الأرشيف الإذاعي الفرنسي، سنجد برنامجا يسأل فيه الصحافي الفرنسيين سنوات الخمسينيات عن تطلعاتهم لسنة 2000، أغلب التصريحات كانت تتوقع أنه سيتم اختراع سيارات طائرة، وأيضا أدوية تزيد من عمر الإنسان، طاقة مجانية، على خلاف إذا سألناهم اليوم عن تطلعاتهم لسنة 2040 أغلبهم يتوقع كوارث طبيعية وأوبئة قاتلة ستقضى على البشرية، على الرغم من التطور العلمي وتوفر وسائل الأمن والراحة في العالم، فالإنسان المعاصر ليست لديه أي ثقة في المستقبل، بحيث انتقل الخيال البشري من فكرة الازدهار إلى فكرة الخوف، لأن التطور والازدهار لم يعد له معنى بالنسبة له، لهذا أصبح يردد قصصا مخيفة مبالغا فيها، ليصل إلى فكرة نهاية للعالم. ويأمل أن تؤدي الكارثة إلى كسر الروتين، وأن يبرز نفسه كبطل يهرب من الحياة اليومية، من الديون، العمل…
ولكن ما الذي حدث بالفعل خلال فترة الحجر الصحي، التي يفرضها علينا وباء كوفيد-19؟ لزمنا منازلنا بدون أن نفارق هواتفنا بين الشراء عن بعد، وخدمـة التوصيل. بين فكرة البقاء والواقع، هناك فجوة.

المصدر: العدد 193 من المجلة الفرنسية
Les Cahier science et vie
(لشهر يوليوز – غشت 2020)


الكاتب : ترجمة: أيوب هلالي

  

بتاريخ : 11/08/2020

//