لم يكن في الساحةِ سوى الأطرافِ…
البيوتُ تُحدّقُ بعيونٍ نصفِ مُغمَضة، كأنّها تتهيّبُ أن تفيق،
وتنزفُ من شقوقِ الجدرانِ ما يُشبهُ الذاكرةَ المُعلّقةَ في سقفٍ مُتداعٍ.
الرائحة؟
مزيجٌ عتيقٌ من العُشبِ الأخضرِ الرطب، وأنفاسٍ لم تَعُد تتذكّرُ أصحابَها.
الزمنُ لا يمشي هناك، بل يتكوّمُ مثلَ مِعطفٍ قديمٍ في بيت عتيق
خمسة ظِلالٍ تمشي بلا أقدام، تدورُ في دوائر…
طقوسٌ يوميّةٌ لرجلٍ واحدٍ في خمسةِ أجساد.
وفي المُنتصف، كانت هي… “عايشة”
امرأةٌ تُشبهُ الدّهشة،
ترتدي معطفًا أثقلَ من الذاكرة،
وحقيبةً سوداء لا تُفتَح، ولا تُغلَق،
بل تتنفّس.
وجهُها…
كالـبابِ الذي أُغلِقَ منذ الحرب،
لا أحدَ يعرفُ من أين يُفتَح،
ولا أحدَ يجرؤُ أن يطرُقَه.
صعدت درجَ الزمنِ…
كَتفُها إلى الوراء، وعيونُها إلى الأسفل،
كأنّها تُفتّشُ في الأرضِ عن ماضٍ لم يحدُث.
كانت لا تجلسُ… بل تنثني،
لا تمشي… بل تُجرف،
والأوراقُ بين يديها لا تحمِلُ أخبارًا، بل حواراتٍ بينَ موتى لم يُدفَنوا بعد.
كلُّ شيءٍ من حولِها يتآكلُ بهدوء،
حتى الهواءُ صار يُطوى حولَ خُطواتِها مثلَ ورقٍ خائف،
كأنّ الحياةَ اختبأت في طيّاتِ منديلِها المربوطِ على الرأس،
ثم نامت…
في الزاوية،
حيث تهبط درجاتٌ لا تقودُ إلا للظلال،
كانت الأرضُ تتنفّس،
تشهق،
وتُطلِقُ سُعالًا يُشبِهُ الحكاياتِ المنسيّة.
وفجأة،
تفتحُ “عايشة” عينيها،
تنهض،
لكنّها لا تتحرّك…
بل تَتمدّد.
يُصبِحُ جسدُها ظلًّا يَكسو المكان،
كأنّها لغةٌ لا تحتاجُ حنجرة،
بل تتكلّم عبرَ الجدرانِ الرطبةِ والأبوابِ الخائفة.
كلُّ مساء،
تخرج من بينِ الحروفِ المُهمَلة،
تَشرَبُ ما عَكّر، وتأكُلُ ما لا يُهضَم،
تَلعَقُ سطورَ التاريخِ بلسانٍ جارح،
ولا تدري إن كانت تُطيعُ الشيطان، أم تسخرُ من الملائكة.
…”عايشة”
لم تكُن اسمًا، بل نبوءة.
تَنقُرُ أصدافَ اللغةِ من فمها الجريح
تترنّحُ بينَ الشهوةِ والخوف، تصرخُ بما اختنقَ في صدرها
وتزرعُ من صمتِها بُذورًا لا تنبُتُ إلا في العراء…
كانت “عايشة” تمشي بلا عيون،
وجهُها مُطفأٌ كقنديلٍ نُسيَ في مقبرة،
يدُها اليُسرى مشغولةٌ بأوراقٍ لا تُقرأ،
كلُّ واحدةٍ منها تحمِلُ صرخةً من زمنٍ آخر.
من بعيد، بدَت كأنّها تجمعُ الحَطَب،
لكن الحقيقة؟
كانت تجمعُ ذكرياتِ الآخرين،
تطويها مثلَ عباءاتٍ بالية،
وتحمِلها من حيٍّ إلى حيّ،
كأنّها ساعي البريدِ الأخير في مدينةٍ توقّفت عن الكتابة.
كلُّ قطعةِ كرتونٍ في يدِها
تحملُ ملامحَ شارع، وبصمةَ موتٍ مُؤجّل،
أو نظرةَ امرأةٍ لم يُسمَح لها بالبكاء.
لم تكن تتكلّم،
لكن من يتأمّلها طويلًا،
يسمعُ هَمسًا يأتي من داخلِها،
كأنّها تَمتلئُ بأصواتٍ سابقةٍ للّغة،
وفي الليالي التي لا قمرَ فيها،
تتحوّلُ “عايشة” إلى نافذة،
مَنْ يُطلّ منها، يرى نفسَه بعد خمسين عامًا،
مَكسورَ الظّهر، يطرقُ بابًا لا يُفتَح،
ويهمسُ بِاسمٍ لا أحدَ يتذكّره…