على رأسها المغرب والشيلي وأستراليا : «غلوبال ريسك» تتوقع أن تتحول الثروة مستقبلا من دول النفط والغاز نحو الدول المصدرة للطاقات المتجددة

نشرت المجلة البريطانية Global Risk Insights (GRI)، يوم 20 شتنبر الجاري مقالا تحليليا عميقا، حول التغيرات الجيوسياسية التي سيشهدها العالم خلال السنوات القادمة بفعل «الانتقال الطاقي».
واعتبرت المجلة الرائدة عالميا في مجال رصد و تحليل المخاطر السياسية، أن المرور من عصر الطاقة الأحفورية إلى عصر الطاقات المتجددة، سيغير بشكل جذري شكل خريطة العالم كما هي عليه اليوم، بناء على موازين القوى الجديدة التي ستنجم عن «التكنولوجيا الخضراء»، كما تتوقع أن تتحول خريطة الثروات، شيئا فشيئا، من البلدان الغنية بالنفط والغاز حاليا، كالسعودية و روسيا ..، نحو دول جديدة لم تكن محظوظة في السابق بهذه المصادر الأحفورية ، لتصبح البلدان ذات الإمكانات الوفيرة للطاقة المتجددة مصدرة للكهرباء الخضراء عبر الشبكات الإقليمية ، مثل المغرب و الشيلي وأستراليا.

 

لطالما شكلت التحولات الطاقية عبر التاريخ، لحظات فاصلة أدت في كل مرة إلى تداعيات جيوسياسية عميقة وبعيدة المدى.. فخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دفعت الثورة الصناعية والتحول الذي تزامن معها، من الخشب إلى الفحم نحو صعود الرأسمالية، وغذت الطموحات الإمبريالية للقوى الاستعمارية الأوروبية. وفي أوائل القرن العشرين، شكل التحول من الفحم إلى النفط نقطة انطلاق قرن من الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وبالمثل، فإن تغير المناخ الذي بات ضرورة حيوية للتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة، من المرجح أن تكون له آثار بارزة ومفصلية على المشهد الجيوسياسي للقرن الحادي والعشرين.

خارطة جغرافية جديدة لتجارة الطاقة

طوال عصر الوقود الأحفوري، شكل التوزيع الجغرافي لموارد الطاقة، التي تركزت في مناطق مثل الخليج الفارسي وحوض بحر قزوين وخليج المكسيك، أنماط التجارة الدولية بعمق. ومن المتوقع أن تشكل التكنولوجيا الخضراء مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية 49٪ من الاستهلاك العالمي للطاقة بحلول عام 2050، عوضا عن 26.2٪ في عام 2019، مما قد يؤدي على الأرجح إلى تحولات هائلة في تجارة الطاقة العالمية.
ربما يكون التحول الأكثر عمقا الذي سيحدث، هو النمط الإقليمي المتزايد لتوزيع الطاقة، ليحل محل السوق العالمية. إذ تتوفر مصادر الطاقة الخضراء عالميا تقريبا، مما يوفر لمعظم الدول القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة. ويتناقض هذا مع وضعية التباين الحاد بين الدول الغنية بالوقود الأحفوري مثل المملكة العربية السعودية وروسيا ، والدول الأقل حظا ، والتي تعتمد على الواردات المكلفة. وبدلا من ذلك ، قد يظهر اتجاه جديد في هذا التوزيع، حيث تصبح البلدان ذات الإمكانات الوفيرة للطاقة المتجددة مصدرة للكهرباء الخضراء عبر الشبكات الإقليمية ، مثل المغرب و الشيلي وأستراليا.
ومع تسارع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، ستستمد الدول بشكل متزايد الجزء الأكبر من إمداداتها من الطاقة من شبكات الطاقة الإقليمية المتكاملة. ويرجع ذلك إلى الكلفة الكبيرة المرتبطة بالنقل الكهربائي لمسافات طويلة والتغير الطبيعي في الظروف الجوية، مما سيعزز زيادة الاعتماد المتبادل للطاقة بين الجيران. على سبيل المثال، قد تقوم البلدان ذات الإمكانات الكبيرة للطاقة الكهرومائية مثل نيبال بتصدير فائض توليد الكهرباء إلى الهند خلال موسم الرياح الموسمية، بينما يمكن للهند تصحيح هذا الاختلال التجاري من خلال تصدير الطاقة الشمسية إلى نيبال خلال موسم الجفاف.

هل ينعم العالم بسلام ما بعد البترول؟

لقد كانت النزاعات حول احتياطيات الهيدروكربورات بمثابة خلفية لبعض أهم حلقات الصراع الجيوسياسي على مدى العقود الأخيرة، منذ أزمة النفط عام 1973 إلى الأحداث الأخيرة مثل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي.
ومع استبدال الوقود الأحفوري تدريجيا، ستتجه الصراعات الإقليمية التي تؤججها الموارد الأحفورية إلى الانخفاض. وقد يزيد هذا من احتمالات إرساء السلام في المناطق التي طالما ابتليت بالعنف المرتبط بالنفط، مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، على الرغم من أنه ينبغي توخي الحذر عند تقييم مدى إمكانية تحقيق ذلك من الناحية العملية بسبب الطبيعة المعقدة لهذا النوع من النزاعات. على وجه الخصوص، قد ترى العديد من الدول الهشة والغنية بالموارد، العنف ينحسر فيها مع تجفيف ريع النفط المربح، مما يوفر فرصة لكسر دائرة الصراع وخلق بيئة ملائمة للاستثمار في إعادة الإعمار بعد الصراع. علاوة على ذلك، فإن نقاط الاختناق الاستراتيجية في مركز توترات القوى العظمى مثل الخليج الفارسي ومضيق ملقا ستشهد على الأرجح تراجع أهميتها الجيوسياسية، مما قد يخفف التوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين وخصومها الاستراتيجيين مثل إيران والصين. وبالمثل، فإن تحول أوربا نحو اقتصاد محايد للكربون بحلول عام 2050 بموجب «الصفقة الأوروبية الخضراء» لأورسولا فان دير لاين من المقرر أن يقلل من سيطرة روسيا على أسواق الطاقة الأوربية ويقلل من قدرة موسكو على تهديد دول وسط وشرق أوروبا من خلال التهديد بقطع إمدادات النفط والغاز عن القارة.

النبيذ العتيق في زجاجات حديثة: الصراع السياسي والانتقال الطاقي

من ناحية أخرى، قد يؤدي تحول الطاقة إلى منافسات استراتيجية جديدة ونقاط ضعف جيوسياسية مع اشتداد المنافسة على الموارد الحاسمة للانتقال المستدام نحو اقتصاد منخفض الكربون. إذ غالبا ما تتركز المعادن الأرضية النادرة مثل النحاس والغرافيت والليثيوم والكوبالت والتي تعتبر ضرورية لتقنيات الطاقة المتجددة في البلدان التي تفتقر إلى الحكامة الفعالة. وقد تكون هذه الدول، مثل بوليفيا وكولومبيا ومنغوليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية محكوم عليها بـ «لعنة الموارد»، مما يؤدي إلى عدم استقرار سياسي واسع النطاق حيث تسعى الأحزاب المتنافسة إلى الوصول إلى تلك الموارد، مما سيعيد إنتاج صراعات النفط الحالية.
علاوة على ذلك، مع قيام الحكومات لإطلاق مشاريع الطاقة الكهرومائية الطموحة في محاولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة منخفضة الكربون، من المقرر أن تنشأ صراعات جديدة حول استخدام مصادر المياه الرئيسية. وقد تجلى ذلك في الخلافات الدبلوماسية الأخيرة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي الكبير في حوض النيل. وتتفاقم مثل هذه الأزمات عندما تتقاطع مع التوترات الاستراتيجية القائمة بين الدول المجاورة وغالبا ما تهدد بالانتقال إلى مواجهة مفتوحة. مثل هذه الأمثلة تشمل التنافس بين الهند وباكستان على نهر السند أو بين تركيا وسوريا والعراق على نهري دجلة والفرات. بل حتى البلدان المتقدمة من غير المرجح أن تتجنب التداعيات السياسية للتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة. على الرغم من أنه من المتوقع أن تولد الصناعات المتجددة أكثر من 11 مليون وظيفة جديدة في جميع أنحاء العالم بحلول عام 2050، فإن انخفاض الطلب على الفحم واستخراج الوقود الأحفوري قد يؤدي إلى تفاقم الاضطراب الاقتصادي في المجتمعات المهمشة في جبال الأبلاش بأمريكا أو حقول الفحم في بولونيا وبلغاريا وجمهورية التشيك.
ومن المتوقع أن تنبع العواقب الجيوسياسية الأكثر تخريبا لهذا الانتقال الطاقي، من الانهيار المتوقع في عائدات النفط والغاز الطبيعي للأنظمة المعتمدة على الوقود الأحفوري في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. في حين أن العديد من البلدان مثل النرويج والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة قد نجحت في التنويع الاقتصادي، إلا أن العديد من الدول البترولية ستكون ملزمة كي تكافح بعناء انهيار السوق. وهذا قد يقوض الدول الهشة الغنية بالنفط والغاز في إفريقيا (أنغولا ونيجيريا والجابون) والشرق الأوسط (ليبيا وإيران والعراق) وآسيا الوسطى (تركمانستان وكازاخستان). وهو ما يهدد بإشعال فتيل الاحتجاج على نطاق واسع والصراع السياسي الداخلي والصراع العنيف مع انهيار هذه الأنظمة غير المستدامة. ومع تسارع وتيرة التحول في مجال الطاقة، فإن عائد السلام المحتمل الناشئ عن تناقص المنافسة على الوقود الأحفوري قد تحل محله مجموعة واسعة من الدول الفاشلة، ليس فقط المحرومة من الإيرادات غير المتجددة ولكن المعرضة للآثار المباشرة لتغير المناخ نفسه.

استنتاجات..

بالنظر إلى كل ما سبق، فإن التحول الطاقي يمثل مفترق طرق. إذ يتوقع أن يؤدي الانتقال نحو الطاقة الخضراء إلى إضعاف التنافسات الجيوسياسية وزيادة التعاون وتقليل المنافسة، مما يؤدي إلى تحول كبير في محركات الجغرافيا السياسية. وقد تنتقل مراكز إنتاج الطاقة بعيدا عن الدول الغنية بالنفط والغاز. ومع ذلك، قد يستمر وجود صراع مدفوع بالموارد، حيث تتقاتل الدول والشركات بدلا من ذلك على المعادن النادرة الضرورية للتكنولوجيا الخضراء.
علاوة على ذلك، فإن الانهيار النهائي لعائدات النفط والغاز سيخلف دولا هشة ضعيفة تعتمد حاليا على اقتصادات مركزة على الموارد الأحفورية. هذه الدول التي ستفشل في التكيف أو تنويع اقتصادها قد تشهد انهيارا اقتصاديا كبيرا مع نضوب تدفقات إيراداتها النفطية والغازية.

 


الكاتب : ترجمة وإعداد: عماد عادل

  

بتاريخ : 23/09/2020

//