عملية قياس المسافة بين الصيدليات، بين التأطير القانوني وضرورة الملاءمة الدستورية

 

ترددت كثيرا قبل كتابة هذه السطور في موضوع أرقني وشغل بالي مؤخرا، خلال مواكبتي، عن قرب، لقضية ملف طلب الترخيص لمزاولة الصيدلة في محل لا يستوفي شرط المسافة القانونية بينه وبين الصيدليات المجاورة، ولكني سرعان ما انتصرت على ترددي وقررت أن أكتب هذه الورقة المتواضعة لأتقاسم معكم وجهة نظري، وكلي أمل أن أوفق في توضيح النص القانوني في هذا المجال ونواقصه والأضرار التي يمكن أن تنجم عن عدم احترام روحه وضرورة تحيينه.
القضية تتعلق بصيدلي صاحب طلب الترخيص استطاع أن يحصل على وثيقة تشهد بأن المسافة تفوق 300 متر، والتي هي المسافة الدنيا المنصوص عليها في القانون. وبعد قيام نقابة الصيادلة بقياس نفس المسافة من طرف عدة مهندسين مساحين طبوغرافيين تبين بأنها أقل من المسافة القانونية، وهو ما دفع النقابة للتعرض على هذا الملف. وبعد مراسلات نقابة الصيادلة ومراسلة رئيس المجلس الوطني وبعد تعميق البحث والدراسة للملف تم رفض الطلب.
السؤال المطروح الذي لم أجد له جوابا مقنعا هو كيف يمكن لمهندس مساح طبوغرافي أن يقدم وثيقة يشهد فيها أن المسافة أكبر من 300 متر ويشهد آخر بأنها أقل من ذلك؟ علما أن عملية قياس المسافة في هذا الإطار بالخصوص مؤطرة بطريقة محكمة لاتدع أي مجال للشك.
المشرع المغربي كان يتوقع إمكانية حدوث هذا النوع من الممارسات، واعتبارا لأهمية هذه الشهادة في ملف الطلب، ومن أجل قطع الطريق نهائيا على المتلاعبين بمهنة المساح الطوبوغرافي وتفاديا لآثار هذه التلاعبات على مهنة الصيدلة، اجتهد في إعطاء مجموعة من الضوابط والشروط لتحصين هذه العملية من الشبهات وأي تجاوزات غير قانونية واللاأخلاقية واللا مهنية.
استنادا للمادة 17 من المرسوم رقم 2.07.1064 (9 يوليو 2008) المتعلق بمزاولة الصيدلة وإحداث الصيدليات والمؤسسات الصيدلية وفتحها وضع المشرع مجموعة من الشروط التي يجب أن يتوفر عليها المهندس المساح الطبوغرافي ليكون مؤهلا للقيام بهذه المهمة، إذ عليه أن يكون:
ممارسا للمهنة بالقطاع الخاص،
محلفا بشكل قانوني،
في وضعية قانونية إزاء الهيئة الوطنية للمهندسين المساحين الطبوغرافيين
انطلاقا من كل ما ورد، وتفعيلا لهذه المادة بالخصوص من المنطقي جدا أن تطلب السلطات الإدارية كل الوثائق التي تثبت توفر هذه الشروط في المهندس المساح الطوبوغرافي ورفقها بملف الطلب كشرط أساسي لقبول الملف.
كما أن المشرع لم يغفل طريقة قياس المسافة بل قيدها بمجموعة من الضوابط التقنية الصارمة، إذ يجب أن تقاس انطلاقا من نهاية الواجهة الأقرب التي تتكون من تقاطع الجدار الداخلي للجزء القابل للاستغلال من الصيدلية المزمع إحداثها والجدار الخارجي للواجهة الأقرب لكل واحدة من الصيدليات المجاورة.
يجب أن تكون المسافة المذكورة أفقية حقيقية باتباع خط مستقيم مباشر يبلغ 300 متر كيف ما كان انحدار الأرض.
وفور إجراء القياس، يسلم المهندس المساح الطبوغرافي إلى الصيدلي صاحب الطلب شهادة تثبت أن القياس تم إنجازه بالسنتمترات وترقيمه بالمترات.
وهذه الشهادة يجب أن تكون مرفقة بملف تقني طبوغرافي يتضمن ما يلي :
*       عناصر مراجعة المسح العقاري ؛
*        رسم القياس ؛
*        جميع عناصر القياس ؛
*        جميع عناصر الحساب ؛
*        تصميم قياس يبين الصيدليات المجاورة والصيدلية المزمع إنشاؤها والتي يبلغ العامل المختص قائمتها إلى المهندس المساح الطبوغرافي بناء على طلبه.
إن عدم احترام تطبيق هذه المواد يفرغ القانون من مقاصده وغاياته خصوصا في ما يتعلق بضمان العدالة وتكافؤ الفرص بين المهنيين وتحصين المهنة. وتصبح الوثيقة في هذه الحالة عبارة عن مجموعة من الأوراق تؤثث ملف طلب الترخيص بدون الأهداف المرجوة منها.
إن تجاهل روح القانون يمكن أن يتسبب للصيدلي، صاحب الطلب، في الكثير من الأضرار المادية والنفسية التي يتكبدها من جراء عدم التحقق التام من توفر المسافة القانونية بالإضافة لضياع الوقت.
حيث أن صاحب الطلب يقوم بالإصلاحات الضرورية للمحل قبل إيداع ملف طلبه، فإذا ما أثبتت الخبرة عدم توفر المسافة القانونية فإن الطلب يرفض، وهذا الرفض يأتي بعدما تحمل صاحب الطلب المصاريف المكلفة للإصلاح.
أما إذا صدر قرار الترخيص استنادا للوثائق المقدمة، والتي يمكن أن تكون موضوع طعن في صحتها، فإن المتضررين يسلكون طريق الطعن في القرار الإداري في المحاكم الإدارية والمطالبة بإلغاء رخصة المزاولة في المحل المذكور. وهي مسطرة معقدة وطويلة.
يتضح جليا من خلال التوضيحات السالفة الذكر، أن السلطة الإدارية لها دور كبير ومركزي في جميع أطوار ومراحل دراسة الملف وخصوصا في ما يتعلق بشروط وضوابط قياس المسافة والسهر على التطبيق الصارم والعادل للقانون.
بالموازاة مع ذلك نلاحظ محدودية تدخل الهيئات المهنية والنقابية كالهيئة الوطنية لصيادلة المغرب والمجالس الجهوية ونقابات الصيادلة حيث أنها تلعب دورا محدودا في هذا الشأن وعليها أن تتحلى دائما بالكثير من اليقظة والمسؤولية وأن تنسق في ما بينها لتجنب هذا النوع من الانفلاتات.
وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة من المشاكل المطروحة بقوة بهذا الشأن تتعلق، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بصعوبة الحصول على المعلومة أو حجبها عن المعنيين المباشرين بهذا الموضوع، وأخص بالذكر هنا الهيئة الوطنية والمجالس الجهوية ونقابات الصيادلة والصيادلة المجاورون، حيث لا يتم اطلاعهم على وثائق الملف أو المعلومات التي يحتويها فيصعب بالتالي تدارك المشاكل المحتملة في الوقت المناسب.
بعد 13 سنة من تطبيقه، كشف المرسوم رقم 2.07.1064 الصادر في 5 رجب 1429 (9 يوليو 2008) المتعلق «بمزاولة الصيدلة وإحداث الصيدليات والمؤسسات الصيدلية وفتحها» عن محدوديته وعجزه عن تفادي مجموعة من المشاكل التي تزيد الوضع احتقانا، كما أنه لم يعد يساير التطور المجتمعي الذي عرفه المغرب بعد دستور 2011.
لذلك لابد من ملاءمة المرسوم مع مقتضيات الدستور الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011،وخصوصا في ما يتعلق بحق الحصول على المعلومات الذي يعتبر حقا من الحقوق والحريات الأساسية ولاسيما الفصل 27 منه. «للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.»
إن إدماج هذه المبادئ الدستورية في المرسوم كفيل بتعزيز الثقة في علاقة الإدارة بالمتعاملين معها، وضمان تكافؤ الفرص وضمان المصداقية والنزاهة في تدبير الشأن العام وتخليق الممارسة الإدارية وترسيخ مبدأ التشاور والديمقراطية التشاركية.
ومن التوصيات التي ينادي بها المهنيون في هذا الشأن، مطالبتهم بضرورة توصل المجلس بنسخة من ملف الطلب قبل أن تقوم اللجنة المختلطة بعملية مراقبة مطابقة محل الصيدلية للمعايير المشار إليها في المادة 57 والمفصلة في قرار وزيرة الصحة رقم 902.08 الصادر في 21 يوليو 2008.
وفي انتظار هذا التحيين لابد من اطلاع الهيئة والمجالس الجهوية ونقابة الصيادلة والصيادلة المجاورين بالمعطيات المتعلقة بملف طلب الترخيص، مادام أنه ليس هناك أي مانع قانوني، من حيث المبدأ، يحول دون تقاسم المعلومة مع المهنيين وإشراكهم في هذه العملية، بل من شأن التعامل بشفافية وحسن النية مع هذه الملفات تفادي التشنج الذي نحن في غنى عنه وتجنب الشكايات والدعاوي بالمحاكم الإدارية.
*دكتور صيدلي


الكاتب : إدريس العسري *

  

بتاريخ : 07/04/2021

//