فتح الله ولعلو، وزير المالية الأسبق، يبدي رأيه في مواضيع «العولمة»، «كوفيد – 19»

«الأزمة الاقتصادية»، «تدابير مواجهة الجائحة» وعلاقتها بالمغرب

 

 

أجرى الصحافي مهدي هورتلو، حوارا صحافيا مع وزير المالية الأسبق للمملكة، فتح الله ولعلو، نورد أهم ماجاء فيه: 

يعتبر فتح الله ولعلو، عضوا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، كما شغل مناصب مهمة في المملكة، من بينها زميل سابق في مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أستاذ جامعي، ووزير أسبق للمالية (في عهد عبد الرحمان اليوسفي)، وها هو الآن يقدم وجهة نظره وتحليله لعواقب وآثار جائحة كورونا المستجد على العولمة، إضافة إلى وضعية المغرب على المديين القريب والمتوسط، والدور الذي قد تلعبه المملكة في عالم ما بعد جائحة «كوفيد-19».

انقسم الحوار الصحافي مع وزير المالية الأسبق فتح الله ولعلو إلى شطرين.
الشطر الأول قدم فيه فتح الله ولعلو تحليله لآثار الجائحة الوبائية وعواقبها على مفهوم العولمة كما نعرفها، فبحسب وزير المالية الأسبق في حكومة التناوب في عهد عبد الرحمان اليوسفي منذ 1998، تبرهن الأزمة الحالية على حضور العولمة الراسخ ومكانتها الدولية، ولعل الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في الصين، المعلن عنه في دجنبر 2019، وما تلاه من تدابير الاحتواء الدولية، لهو خير دليل على ذلك.
بالنسبة لأستاذنا الجامعي والخبير الاقتصادي، صاحب مؤلف «العولمة ونحن: جواب الجنوب»، الذي نشر في شهر فبراير الماضي، لن تؤدي الأزمة الحالية العالمية إلى «تفكيك العولمة»، بل إنها ستستمر ولكن بطريقة مختلفة.
وهكذا، يقدم خبيرنا الاقتصادي ثلاث ملاحظات أساسية حول الموضوع، تكمن الأولى في السعي للاحتفاظ بالترابط بين الأنسجة الإنتاجية. ثانيا، ومن جهة أخرى، فإن «الترابط» يعني «المنافسة». ثالثا، وأخيرا، كل هذا يصب في جهة التعاون بين الدول. يقول فتح الله ولعلو إن أبرز مثال على ما قاله، هو السعي الدولي نحو محاولة الوصول إلى لقاح فعال ضد «كوفيد19»، باعتباره موضوعا لمنافسة دولية شرسة، إلا أنه يمثل شكلا من أشكال التعاون الدولي.
ويضيف بأن الأزمة الوبائية، قد كشفت عن ثنائية قطبية جديدة في العالم، فمن جهة رأينا تنافسا حامي الوطيس بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، كما الحال بالنسبة لعمالقة الأنترنت الأمريكيين، أو ما يعرف بمجموعة جافا- « GAFA « أي كل من (جوجل، آبل، فايسبوك، آمازون)، ضد نظيراتها الصينية المعروفة باسم «بات-BAT» وهي (بايدو، علي بابا، تينسينت)، خلال هذه الأزمة، غير أن الحجر الصحي، تسبب بدوره في تعطيل سلاسل القيمة العالمية (السيارات، الطيران…)، حيث ستؤدي هذه الاضطرابات إلى إعادة توزيع السياسة الاقتصادية.
في نفس السياق، فإن جل دول العالم، كما قال فتح الله ولعلو، تفضل القرب حاليا في التبادلات الاقتصادية، وذلك لسببين رئيسيين، أولهما لدعم الإنتاج على المستوى الإقليمي، والثاني لتشجيع الإنتاج على المستوى الإقليمي، كحال المغرب مع الاتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال، نتحدث الآن عن إعادة التوطين، وهنا يتعين علينا أن نقول، إن إعادة التوطين تتطلب ما يمكن تسميته ب»الاستقلال الذاتي الجهوي» مع البحر الأبيض المتوسط والجيران الأفارقة.
وعليه، فإن الأزمة دفعت الدول حول العالم، للتخلي عن «العقيدة المالية» أو «الأصول المالية» (عجز بنسبة 3% في الميزانية، دين عام أقل من 60%، وغيرها…). كان على الدولة أن تنشر وتستأنف مهامها، كدولة حامية واستراتيجية، إلا أنها اضطرت إلى إعادة النظر في سياستها العامة، بغية الحفاظ على أرواح المواطنين وصحتهم، وحماية الفئات الهشة والضعيفة من الساكنة، فضلا عن حماية ودعم وإنعاش الاقتصاد الوطني. إلا أنه، وعلى المدى القصير، ستسبب هذه السياسات مشكلة وستطرح إشكاليات عدة، لاسيما ما يتعلق بالتمويل المالي. لقد نجح الأوروبيون، من جهتهم، في تحويل الديون إلى نقد وتجميعها، ما مكن بعض البلدان الغنية، من تولي بعض من ديون نظيراتها الأكثر هشاشة. لذلك، ومن الضروري أن تكون هناك مشاورة عالمية حول ديون كل من البلدان الفقيرة والنامية.
بالنسبة لفتح الله ولعلو، سيكون عالم الغد متعدد الأقطاب، إلا أنه مجبر على التوجه نحو المزيد من المشاركة، مع السياسات العامة المنظمة حول الممتلكات المشتركة، الصحة، حماية الفئات الهشة وحماية البيئة. ومنه، فعلى الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، أن تتقبل صعود قوى اقتصادية كالصين وغيرها من البلدان الآسيوية، كما عليها أن تعلم بأن هنالك قطبا ثالثا صاعدا، وهو القطب الأوروبي-الإفريقي المتوسطي.
إن الدور الرئيسي والمستقبلي للمغرب، في هذه القطبية، يمثل امتيازا بالنسبة لنا، إذ أن المملكة قد وضعت نفسها منذ فترة في «المنطق الأورو متوسطي»، ولكن أيضا في «المنطق الإفريقي».
«على المغرب أن يعمل كمبادر، وألا يغفل عن دوره في تذكير الأشقاء الأفارقة، بأن منطقة البحر الأبيض المتوسط هي إفريقية أيضا، وبأن الصحراء صلة وصل أكثر من منها حاجزا»، يقول وزير المالية الأسبق إن إدارة المغرب للأزمة، من المهم أن تتبع هذا السياق.
في ظل الرؤية المستنيرة لجلالة الملك محمد السادس، اختار المغرب أن يضع صحة المواطنين على رأس جدول أعماله، ومنه جاءت مبادرة «صندوق تدبير جائحة كورونا»، الذي أشرف على إنشائه والمساهمة فيه جلالة الملك، ليلعب دورا استراتيجيا مهما خلال فترة الحجر الصحي. علاوة على هذا الإجراء المالي، نجد أن الخطابين الملكيين الأخيرين، قد وقعا على دولة قوية للدولة الحامية، وما لحق من التحضير لتعميم «التغطية الاجتماعية»، الدولة الاستراتيجية، وميزانية 120 مليار درهم لإنعاش الاقتصاد الوطني.
«نحن نعيش سنة صعبة، سينخفض فيها الناتج الداخلي الخام بأكثر من 5%، علاوة على أنها سنة جفاف، منتظرين خروج أوروبا من الركود. أوروبا هي الطلب، ولكنها أيضا السياحة، والتحويلات المالية للمغاربة المقيمين في الخارج».
فعلى المدى القصير، سيأتي الانتعاش الاقتصادي بالمملكة، بالضرورة، من خلال انتعاش الاقتصاد الأوروبي، ولكن، وقبل كل شيء، سيأتي عن طريق المشاورة الدولية والإقليمية، بغرض حل مشكلة الديون بالدول النامية والفقيرة، التي من المتوقع أن تتزايد أكثر. أما على المدى المتوسط، يجب أن ينجح المغرب، في حواراته مع الأسواق القريبة والبعيدة، من خلال ميزة يمتلكها مسبقا، وهي قدرته على تصدير الفوسفاط ومشتقاته، ودور مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في ذلك، كون هذه الامتيازات ستكون ورقة مهمة في المفاوضات التجارية مع دول الجوار والبعيدة منها كذلك.
«يجب أن نستمر في تمسكنا بالمغرب الكبير، وأن نعزز روابطنا بالقارة الأوروبية، إلا أنه علينا أن ندفع أوروبا إلى تغيير طبيعة علاقتها بنا. لقد بدأنا مسيرتنا مع شركة «رونو» و»بوجو»، ومنها علينا أن نستمر في دفع أوروبا إلى مواصلة الإنتاج المشترك. هنا سيرتبط مفهوم «إعادة التموقع»، بمفهوم آخر وهو «الاستقلال الذاتي الجهوي». في إفريقيا، واستنادا إلى رؤية ملكية نتعايش معها، توجب علينا تقوية روابطنا مع القارة السمراء، لأنها ديناميكية المستقبل».
عندما سئل فتح الله ولعلو، عن الدروس المستفادة من هذه الأزمة، دعا إلى تحسين الحكامة على المستويات المحلية والجهوية والحكومية، متسائلا عن الطريقة المثلى للتحكم في تحول الدولة، إلى دولة حامية واستراتيجية؟ كيف للدولة أن تتواصل بشكل متزايد مع القطاع الخاص؟ وأن تدفعه أيضا للقيام بدوره؟ مشيرا إلى كون هذه التساؤلات، تمثل التحديات التي تنتظرنا مستقبلا، وفي ما يرتبط بالقطاع غير المهيكل، المتموقع بقوة داخل الاقتصاد الوطني، فقد أجاب الوزير الأسبق بأن القطاع المهيكل هو أشبه بجرار للاقتصاد الوطني، وفي حالة ما تقدم نحو الأمام، فذلك سيحكم على القطاع غير المهيكل، بالرجوع خطوة إلى الوراء.
بخصوص موضوع السياسة الاقتصادية، يشير أستاذ الاقتصاد إلى ضرورة دمجه ل 3 بديهيات : الأولى، البديهية العائلية أو المحلية، الثانية البديهية الجهوية (أوروبا وإفريقيا) ومركزية متوسطية، بهدف خلق قطب ثالث لموازنة موازين القوى الأخرى، ما بين صعود الصين وموقع الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الأولى عالميا. أخيرا و ثالثا، البديهية الدولية حيث سيعمل المغرب على إنجاح اندماجه في عالم دون بوصلة مرشدة.
بالنسبة لموضوعي الدخول المدرسي وانتعاش الاقتصاد، والتوقعات المستقبلية له في الأشهر المقبلة، فإن فتح الله والعلو يبدو متفائلا حول الموضوع، إلا أنه يؤكد على أهمية التزاوج بين الرغبة في حماية الفقراء، والسعي وراء إنعاش الاقتصاد الوطني، إذ يجب أن تدار الأمور بمهارة كبيرة.
«إن أزمة من قبيل ما نعيشه اليوم، أشبه بسيف ذي حدين، حد شرير وآخر طيب. أعتقد بأن هذه الأزمة، ليست إلا محنة يمكن أن تخلق فرصة، لأن الترابط سيجبر الأمريكيين والصينيين على الاتفاق معا، حيث أنه سيخدم المصلحة المشتركة للجميع، ولهذا السبب لست متشائما».
في الأخير، وفي ما يتعلق بالقرارات الأخيرة، التي اتخذها خلفه الحالي محمد بنشعبون، الذي يمارس مهامه في نفس المنصب الذي تولاه فتح الله والعلو، في حكومة التناوب في عهد عبد الرحمان اليوسفي وما بعدها، أي ما بين سنوات 1998 وإلى غاية 2007، يؤكد وزير المالية الأسبق بأن كل مكلف بهذا المنصب، يجب أن يدير القيود المفروضة عليه بحكمة، والى غاية الآن، فإن القرارات المتخدة تصب في بديهية الأمور.


الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

  

بتاريخ : 14/09/2020

//